حين ينجو الصوت من الضجيج
الفنان العنبري: “حبيبتي يا أمي”… سيرة قلب
محمد أبو خليل
ليس كل من غنّى صار فنانًا، وليس كل من ظهر استقر في الذاكرة. في المشهد الغنائي المغربي، حيث تتبدل الأصوات بسرعة وتُستهلك الأغاني كما تُستهلك الأخبار، يظل محمد العنبري حالة خاصة، صوتًا اختار أن يسير خارج الإيقاع السريع، وأن يحفر مكانته بهدوء، لا بالضجيج.
ينتمي محمد العنبري إلى جيل من الفنانين الذين تشكّلوا في زمن كانت فيه الأغنية مشروع إحساس لا منتوجًا موسميًا. بدأ مشواره الفني منذ سنوات طويلة، متنقلًا بين التجربة المحلية والانفتاح على فضاءات عربية وأوروبية، مكتسبًا تكوينًا موسيقيًا ومعرفيًا جعله ينظر إلى الغناء باعتباره مسؤولية وجدانية قبل أن يكون عرضًا فنيًا.
في أعماله، لا يبحث العنبري عن “الضربة” السريعة، بل عن الاستمرارية الصادقة. أغانيه تتناول الحب، الخيبة، الإنسان، الوطن، والأسئلة الوجودية البسيطة التي تشبهنا جميعًا. من بين أعماله التي شكّلت ملامح تجربته الغنائية نجد:
متكدبيش، سامحناك، شي ناس ما فهمونيش، نور الأزمان، ما حمويش، إلى جانب أعمال ذات بعد إنساني ووطني مثل القدس، حيث يزاوج بين الالتزام والتعبير الفني دون خطابية فجّة.
لكن وسط هذا المسار المتنوع، تبرز أغنية «حبيبتي يا أمي» كعمل استثنائي، ليس فقط في تجربة محمد العنبري، بل في الأغنية المغربية المعاصرة عمومًا. فهي أغنية لا تعتمد على الصراخ العاطفي، ولا على استدرار الدموع، بل على الاعتراف الصادق.
في هذه الأغنية، لا يغني العنبري عن الأم بوصفها رمزًا مجرّدًا، بل بوصفها ذاكرة حيّة، تعب وسهر وصبر، وركنًا أولًا في بناء الإنسان. صوته هنا لا يتزيّن، ولا يستعرض، بل ينخفض احترامًا للمعنى. كأن الفنان يتراجع خطوة إلى الوراء ليترك المشاعر تتقدم وحدها.
«حبيبتي يا أمي» ليست أغنية مناسبات، بل أغنية تأمل ومراجعة ذات. تذكّر المستمع بما لم يقله، وبما تأخر عنه، وبالديون العاطفية التي لا تُسدَّد. ولهذا بالذات، لامست الأغنية شريحة واسعة من الناس، خصوصًا أولئك الذين فقدوا أمهاتهم أو يعيشون قلق الفقد بصمت.
من الناحية الفنية، اختار العنبري لحنًا بسيطًا، غير متخم، يترك مساحة للكلمة كي تتنفس، وأداءً متزنًا يراهن على الإحساس لا على القوة الصوتية. هذه البساطة ليست ضعفًا، بل وعيًا جماليًا، لأن الأغاني الصادقة لا تحتاج إلى زخرفة زائدة.
مكانة محمد العنبري الفنية لا تُقاس بعدد المشاهدات ولا بحجم الانتشار الإعلامي، بل بقدرته على أن يكون صوتًا إنسانيًا ثابتًا في زمن متقلّب. هو من الفنانين الذين لا يملؤون الساحة، لكنهم يملؤون الفراغ الداخلي للمستمع.
في النهاية، يمكن القول إن محمد العنبري ليس مجرد مطرب، بل صوت تجربة، وأغنية «حبيبتي يا أمي» ليست مجرد عمل ضمن أرشيفه، بل خلاصة إحساس، تؤكد أن الفن الحقيقي لا يشيخ، لأنه يولد من القلب… ويعود إليه.
