وباء التيفوئيد بالدار البيضاء

وباء التيفوئيد بالدار البيضاء
https://gesund.bund.de/ar/typhus

صورة عن الوباء والمرض، والوباء الآخر..الاستعمار!

               علال بنور

لا شك، أن مدينة الدار البيضاء لا زالت في حاجة إلى النبش في تاريخها الاجتماعي، باستثناء الدراسات الأجنبية نموذج ما كتبه “اندري آدم” حولها. ومن الجوانب التي أغفل فيها البحث، أو كان محتشما، الأوبئة والقبور والعادات والتقاليد، لا يتجاوز بعض المقالات المنشورة في الملاحق الثقافية للجرائد والمجلات المتخصصة. عكس أرشيف الصحافة الفرنسية بالمغرب إبان الحماية نجده غنيا بالأخبار والأحداث التي تفيد الباحث التاريخي اليوم، ومن هذه الموضوعات المسكوت عنها في تاريخ الدار البيضاء نشير إلى: المقابر ودور البغاء ووضعية النظافة في علاقتها ببيئة المدينة والأوبئة والمعتقلات السياسة …إلى غيرها من الموضوعات الاجتماعية التي سكت عنها المؤرخ المغربي. نحصر هذه الدراسة زمنيا ما بين بداية مشروع تشييد الميناء وقنبلة المدينة سنة 1907 إلى الثلاثينيات من القرن 20م.

هناك من الاخباريين من اعتبر أن مشروع بناء الميناء شر لا بد منه، وآخرون اعتبروه مدخلا للتحديث والحداثة، بفضله أصبحت المدينة محط استقطاب للجاليات الأوربية من الطبقة المتوسطة والبورجوازية، والهجرة الداخلية في أغلبها من البوادي. حماية للأوربيين، أقدمت سلطات الحماية على الاهتمام بالجانب الصحي، لإبعاد مخاطر الأمراض المعدية خوفا عليهم.

عرفت الدار البيضاء، كباقي مدن وبوادي المغرب، موجات متقطعة من الأوبئة منذ القرن التاسع عشر، يمكن حصرها كالتالي: الكوليرا والطاعون والتيفوئيد / التيفوس، فأغلبية الدراسات في موضوع الأوبئة في المغرب تحدده زمنيا بخطورته في القرنين 19م و20م، على شكل موجات دورية في ارتباطها بظاهرة الجفاف وآثاره على الإنسان والحيوان والغطاء النباتي.

لماذا شكلت الدار البيضاء الاستثناء – مع السنوات الأولى للاستعمار- في الضرر من وباء التيفوئيد؟ هل لدور الميناء كورش كبير، الذي لعب منطلق تشييد مدينة عملاقية؟ هل لموقعها الجغرافي كنقطة تقاطع بينها وباقي جهات المغرب؟ هل لتعدد أوراشها من الميناء واشغال بناء المدينة الأوربية بطرقها ومرافقها التي تتطلب اليد العاملة؟ هل لتواجد مصانع التصبير والتعليب بالمدينة؟ هذه التحولات السوسيو اقتصادية استقطبت اليد العاملة المهاجرة، فارتفع عدد السكان من 30.000 خلال 1907 إلى حوالي 60.000 خلال العشرينيات من القرن 20م.1.

  أحدث وباء التيفوئيد أزمة على المجتمع والاقتصاد، مما دفع بسلطات الحماية الفرنسية اتخاذ عدة إجراءات وقائية. هل هذه الإجراءات لحماية الجاليات الأوربية أم لحماية المغاربة معا من انتشار الوباء؟ ما هي أهم التدابير التي اتخذتها سلطات الحماية الفرنسية لحماية الدار البيضاء من انتشار الوباء؟ وما هو موقف السلطة الدينية بالمدينة؟

1/ عوامل ظهور وانتشار وباء التيفوئيد:

تؤكد العديد من المقالات الواردة في الجرائد الصادرة بالمغرب اثناء فترة الحماية الفرنسية وكذلك الاخباريون المغاربة، أن لمصدر الوباء عوامل داخلية، مرتبطة بالوضع البيئي للمدينة والهجرة البدوية، عكس ما ورد حول أوبئة القرن التاسع عشر، كان مصدرها خارجي من دول حوض البحر المتوسط أو من الشرق العربي مع فترات الحج. كان لأمواج الهجرات البدوية نحو الدار البيضاء، عاملا في نقل وانتشار الوباء بالمدينة، كما أسلفنا سابقا، إن الهجرة شكلت جيشا احتياطيا من اليد العاملة بالأوراش الكبرى، التي فتحتها الحماية، من الميناء إلى شبكة الطرق والسكة الحديدية وبناء المدينة الأوربية بكل مرافقها الاجتماعية والتجارية. إذن، هناك عاملين أساسيين لظهور وانتشار الوباء: هجرة سكان الأرياف المغاربة نحو المدينة وانتشار احياء الصفيح المنعدمة من الشروط الصحية، ثم انعدام بنية تحتية لقنوات الصرف الصحي والماء الشروب، الذي كان يسقى من العيون في حاويات تختلف سعتها ليباع في دور الصفيح. هذه الوضعية، كانت متواجدة بالمدينة المسورة وبين أحياء الصفيح المستوطنة بهوامش المدينة الأوربية، وهو المكان الذي سيتحول إلى المدينة الجديدة. إذن هذه الأمكنة شكلت بؤرا للوباء.

*ما هو الفرق بين والتيفوئيد والتيفوس؟

  نجد بعض المقالات والدراسات تستعمل هاذين الاصطلاحين، فتوصلنا، أن الفرق بينهما هو اختلاف انتقال العدوى إلى الانسان مع تشابه في المظاهر، فكلاهما من أصل بكثيري. فالتيفوئيد ينتقل إلى الانسان السليم عبر الأطعمة والمياه الملوثة، أما التيفوس ينتقل إلى الإنسان السليم عبر حشرات لاذعة كالقمل والبراغيث والقراد (البق) وحشرة المستنقعات المائية (شنيولا). ومن أعراض التيفوئيد و التيفوس الحمى المصاحبة بالعرق والعياء والصداع والغثيان وجفاف الحلق. ومع مرور الوقت يظهر على المصاب طفوح جلدية 3.

عرف المغرب موجات جفاف من 1913 إلى 1939 م، هذه الفترة، كانت كافية لانتشار الوباء بالبوادي والمدن مع اختلاف حدته. فكانت سنتي 1913 و1914 سنة مأساة على سكان مدينة الدار البيضاء، انتشار المرضى والوفيات بالأزقة والشوارع. فتكلفت المصالح البلدية للإقامة الفرنسية، بنقلهم عبر عربات الجر بالبغال أو عربات يدفعها الأصحاء من أقارب المصابين 3.أدى (التيفوس) بحياة العديد من المغاربة والأوروبيين من المصابين إلى الموت 4.

أما سنتي 1920 و 1921، كانت هذه المرة ، السجون  يؤرة مصدر للوباء، منها سجن سيدي علي مومن بمدينة سطات، تسربت منه الجرثومة إلى الأوراش الكبرى، حيث تجمع اليد العاملة،  كورش الميناء وبنايات المدينة الأوربية، كما حصل التسرب إلى المدينة المسورة.5 .انتشر الوباء بين عمال المقالع وباقي الأوراش، كما نقل العمال الجرثومة إلى أسرهم وجيرانهم، بهذه الطريقة، بدأ انتشار الوباء .ومن العوامل التي ساهمت في الانتشار، انعدام النظافة ورطوبة السكن والاحتكاك بين السكان في الأسواق، كما كانت هناك صعوبة الالتزام بالتدابير الوقائية .

أما سنتي 1927 و 1928 فهي الأخرى، عرفت جفافا عاما بكل مناطق المغرب فترتب عنه مجاعة، مما أدى إلى ارتفاع موجات الهجرة التي ساهمت في انتشار الوباء لموسمه الثالث. فلم تفلت الدار البيضاء من هذه العلة، وصل عدد الحالات المصابة إلى حوالي 1667 مصابا سنة 1927. 6. ما بين سنتي 1937 و 1939 تعرض المغرب لموجة أخرى من الجفاف، قلت فيه المحاصيل وهلكت الماشية، فانتشر الوباء، الشيء الذي نتج عنه هجرة بدوية. حمل النازحون معهم جرثومة الوباء إلى الدار البيضاء، تاركين وراءهم بعض جثت أسرهم. وصل عددهم إلى 2952 نازحا حاملين معهم جرثومة الوباء إلى دور الصفيح مما ضخم من الوباء.7.

وهكذا، شكل الوباء عاملا في تحديد البنية الديموغرافية لساكنة الدار البيضاء، التي عرفت تراجعا، رغم استقبالها افواجا من المهاجرين الذين حصد منهم الوباء نسبة خطيرة. كما امتد الوباء إلى الجاليات الأوربية، رغم حرصهم على النظافة، فتسرب لهم الوباء من عاملات البيوت وعمال الأوراش وسائقي العربات وأسواق المواد الغذائية. ومع ذلك، نجد أعداد المصابين والوفيات أقل بكثير مقارنة مع المغاربة واليهود ما بين سنتي 1937 و 1939، حيث توفي في هذه المدة الزمنية فقط 28 أوربيا. ومن عوامل نجاة الأوربيين من الموت، ترجع إلى اهتمامهم بالنظافة وطرق العيش الجيد واخذ الحذر من الاحتكاك بالمغاربة المصابين بالعلة.

وفي نفس الإطار، وفرت سلطات الحماية مكتبا يشرف على مراقبة الصحة، كما هيأت البلدية مستشفيات وأماكن الحجر الصحي لاستقبال المصابين والموتى تجنبا لانتشار الوباء. لا زالت بنايات المشافي حاضرة إلى اليوم. منها مشفى بالقرب من ضريح علال القيرواني بالمدينة المسورة، ومع توسع المدينة الأوربية، ظهرت مراكز صحية جديدة، خارج السور مثل: مشفى العنق ومشفى عين الشق ومشفى كان بالساحة الإدارية بالقرب من حديقة الجنرال ليوطي. ومشفى باسم المستشفى المدني للدار البيضاء الذي سيعرف فيما بعد بمستشفى 20 غشت. ومن الملاحظ أن الأوروبيين كانوا يصرحون للمراكز الصحية بإصابتهم بالوباء، على عكس المغاربة، كان بعضهم يخفي اصابته تجنبا للنظرة الدونية من أقاربهم.

2/ التدابير والإجراءات الوقائية التي اتخذتها سلطات الحماية:

عرفت الدار البيضاء منذ السنوات الأولى من الغزو العسكري للمدينة، أي مع قنبلتها 1907م، بوادر انتشار الوباء، ومع تعاقب موجاته التي ضربت المدينة، وعلى إثرها أقدمت الحماية الفرنسية على تطبيق إجراء الحجر الصحي على المغاربة بالمدينة المسورة، ثم سيمتد إلى احياء الصفيح والدواوير المحيطة بالمدينة التي ستتحول مستقبلا إلى مناطق حضرية وصناعية، والتي ستعرف بالمدينة الجديدة. كما شددت سلطة الحماية المراقبة على أفواج الهجرات البدوية إلى الدار البيضاء. ومع ضربات موجات الوباء، أعطت سلطات الحماية بدءا من سنة 1910 أهمية قصوى للمراقبة الصارمة، ولا تساهل فيها، خوفا من سقوط المدينة في أزمة اقتصادية التي يمكن أن تعصف بالصادرات، خاصة أن المدينة ومينائها كانا في طور البناء، على أمل تحقيق مدينة متروبولية تابعة لفرنسا.

جاء الاهتمام بالحفاظ على  المدينة من انتشار الوباء، في اطار وزمن تشجيع سلطات الحماية للرأسمالية الأوروبية على الاستثمار المالي والصناعي والفلاحي، منذ السنوات الأولى من فرض الحماية .اصبحت المدينة المسورة والأسواق والأبواب وعمال عربات النقل والحرفيين والمهاجرين الجدد، تحت المراقبة المشددة، مع إجراء رش المبيدات في كل المناطق المشكوك فيها، باعتبارها  حاضنة للوباء .كما انشأت سلطات الحماية عدة محاجر، منها محجر بمدخل الميناء عند حائط ضريح سيدي بليوط،  وآخر بداخل الميناء خاص بالعمال المغاربة والأجانب والأطر المشرفة على الميناء. وفي منطقة العنق على الشاطئ تم بناء محجر، يعرف بالعنق، بعين الشق أنشئ محجرا يتكلف بالتلقيح وإيواء المصابين من سكان القصدير والنويل، التي انتشرت مع تزايد الهجرة في تجمعات سكنية بالخلاء وهوامش الأراضي الصالحة للفلاحة 8.

لا شك أن انتشار الوباء، كانت له آثار سلبية على المستوى السيكولوجي والاجتماعي والاقتصادي، بدافع الخوف من الاحتكاك بين الناس، فأصبح الموت حديث الساكنة البيضاوية. وفي هذا الإطار، أقدمت سلطات الحماية على إصدار قرار ينص على جمع المهاجرين الجدد في أماكن خاصة، استعدادا لترحيلهم إلى بواديهم بطريقتين: مشيا على الأقدام أو ركوب عربات الجر يرافقهم للحراسة عساكر فرنسية ومغربية  يمتطون الخيول. كان العائدون يوضعون في مخيمات صحية أعدتها فرنسا قرب قراهم ودواويرهم. كما استهدفت الحملة التطهيرية التجمعات السكانية، بدءا من المدينة المسورة، التي كانت تعرف كثافة جد مرتفعة إلى أحواض سكنية بدور القصدير بضواحي المدينة الجديدة، التي كانت في طور البناء. ومن الاحياء القصديرية: كريار سنترال وسيدي عثمان وعين الشق وكريار كارلوطي وكريار شنيدر وكريار بنمسيك وكريار طوما إضافة إلى الدواوير، منها دوار أولاد طالب ودوار لهراويين ودوار أهل لغلام.

3/ المرافق الصحية:

اعتمدت الحماية الفرنسية في مثل هذه الأزمات على أسلوب العزل في المحاجر الصحية، كوسيلة من وسائل الحماية والوقاية، ومن بين هذه المعازل، كما سبق الذكر: معزل بالقرب من ضريح علال القيرواني، ومعزل بالقرب من ضريح سيدي بليوط، كان مكلفان بعمال الميناء، إضافة إلى مصحة من داخل ورش الميناء ومحجر العنق ومحجر عين الشق ثم محجر بجانب حديقة ليوطي (بين شارع الراشدي وحديقة الجامعة العربية).

محجر الميناء، كان الغرض منه مراقبة وفحص التجار والحجاج المغاربة العابرين للحدود البحرية من الحج أو من دول أخرى، كان إجراء الفحص يتم من داخل السفن قبل النزول للتأكد من خلوهم من الوباء، وكل من ضبطت عليه علامات الوباء يوجه إلى المحجر داخل الميناء، كما تجدر الإشارة، أن سلطات الحماية انشأت المرفق الصحي من داخل الميناء بغرض علاج عمال الميناء اثناء الحوادث كمصحة تابعة للميناء منذ 1910، غير أنه، عندما ينتشر الوباء يتحول إلى محجر صحي ، فتصبح له وظيفة ثانية  لحماية العمال المغاربة والأوربيين، وكذلك حماية أطر الميناء والتجار الأجانب المصدرون للسلع .

محجر ومشفى  العنق  مع تزايد موجات الوباء التي كانت تدوم اشهرا في السنة ثم يعود الاستقرار الصحي .اقدمت سلطات الحماية على إنشاء مرفق العنق، الذي بني سنة 1910 ، ابتدأ العمل به  سنة 1914 ، يتكون من قاعات شاسعة ( براكات) تسع كل واحدة لأكثر من أربعين سريرا 9 ، ومع ارتفاع عدد المصابين سنة 1915، خصصت أجنحة للمصابين من الأوربيين 10 ، كما كان يضم أقساما منها: قسم الحمى وقسم الاسهال وقسم السل، إضافة إلى هذه الأقسام يتوافر المشفى/ المحجر على قاعة خاصة لتطهير الملابس برش المبيد، ومن المرافق الصحية كذلك ، بئر لاستخراج الماء 11. يحيط بالمحجر أشجار يستظل بها المرضى في أوقات الفسحة، كما أن موقعه المطل على نسيم البحر يساعدهم على الهدوء النفسي. كان محجر العنق ينقسم إلى جناحين، جناح خاص بالجثامين في انتظار دفنها، وجناح خاص بالمصابين تحت الرعاية الطبية لتناول الأدوية وعملية التلقيح. وهكذا، لعب محجر العنق دورا مهما في حماية الدار البيضاء من انتشار الوباء حيث جمع المصابين من الفقراء المستقرين بالمدينة والمهاجرين الجدد من البوادي.

كان يتم التعجيل بنقل المصابين إلى المشافي ليتلقوا العناية الطبية حيت وفرة الأطقم الطبية من أطباء وممرضات بما فيهم الراهبات، مع توفير الأدوية والأطعمة، مثلا: كان مشفى العنق يقدم لكل مصاب يوميا 250 غراما من اللحم مع الخبز والخضر وكؤوسا من الشاي. ومن قانون مشفى العنق، يفرض على المصاب شروطا من النظافة، حرق ملابس المصاب أو تنظيفها، ثم الاستحمام وتناول الأدوية. كما كان الطاقم الطبي دائم الحضور.

محجر ومشفى عين الشق بني سنة 1937، أي سنة بعد بناء مشروع الاحياء السكنية لتعويض السكن بالنويل والقصدير. كان يستقبل المحجر المصابين من الإناث والذكور، يفصل بينهم سور يحتوي على غرف للنوم وأخرى للاستشفاء، ومخزن لمادة الكبريت والأدوية، وأماكن للاستحمام. كانت المنطقة التي ستسمى بعين الشق تعج بالساكنة المهاجرة، انشؤوا مساكنهم من النوايل والقصدير، فمع الكثافة السكانية المتزايدة انتشر مرض السل والتيفوئيد والملاريا. لهذا الغرض انشات السلطات الفرنسية مشفى ومحجر العنق ليتكلف بالساكنة المصابة، التي ستعرف فيما بعد مع باقي الاحياء بالمدينة الجديدة. ومع تزايد الكثافة السكانية بالدار البيضاء شيدت سلطات الحماية على أرض خلاء للرعي مستشفى تحت اسم مستشفى الدار البيضاء المدني (المعروف حاليا بابن رشد) افتتح العمل به سنة 1920. وفي نفس الفترة الزمنية تقريبا أنشأت الحماية، مستشفى عسكري، المعروف حاليا ب (20 غشت).

4/ الإجراءات الميدانية:

منذ عقد الحماية، وتحمل الجنرال ليوطي مسؤولية الإقامة العامة بالدار البيضاء سنة 1913، احدث إدارات عصرية تتكلف  بمسؤولية الشأن المحلي، من بينها إحداث جهاز للمراقبة أو ما يعرف بجهاز الشرطة الصحية، من مهامه: مراقبة النظافة والصحة العمومية – جزر وتغريم كل مخالف لقانون النظافة – مراقبة توقيت ومكان وضع الأزبال أمام أبواب البيوت، ولا يمكن وضعها إلا عند سماع صوت نفار سائق عربة جمع الأزبال التي يجرها حصان – مراقبة منع رمي المياه الوسخة أمام المنازل – تتبع ومراقبة عمال النظافة المكلفين برش المبيدات في الأماكن المشكوك في تلوثها – رمي مواد سامة عبارة عن عجين ببالوعات الصرف الصحي للقضاء على الجرذان تفاديا لوباء الطاعون .

أجبرت سلطات الحماية سكان المدينة المسورة، على كل أسرة تنظيف رصيف منزلها، تدخل هذه العملية في الحملات التنظيفية للأحياء بالغسل ورش المبيدات، خاصة بالمدينة الأوربية وأسواقها وساحاتها، كما شملت النظافة الكنس والغسل لأهم شوارع المدينة. وفي سنة 1914 تعاقدت البلدية مع شركة فرنسية بعقد تدبير جمع النفايات، خاصة مع ظهور معالم المدينة الأوربية، كما تكلفت شركة أخرى فرنسية بعملية تجفيف المستنقعات وردم الحفر وإزالة الأعشاب الضارة لفسح المجال لتوسع البناء، ومد قنوات الصرف الصحي وجلب مياه الشرب عبر حاويات من عيون تيط مليل وعين المعزي، (اختلف الاخباريون حول مكان عين المعزي بين حي المعاريف وكريار سنترال). قبل مد قنوات الماء الشروب إلى المدن الثلاث.

كما كانت الشرطة الصحية، تشرف على عمال دفن الحيوانات الميتة كالقطط والكلاب والدواب، ومن القضايا التي كانت تزعج سلطات الحماية، الوضع البيئي الملوث لواد بوسكورة خاصة المقطع المار من ساحة فرنسا إلى مصبه عند ضريح سيدي بليوط، لأنه كان المكان المفضل للمغاربة لرمي الأزبال وتصبين الملابس والأغطية، بل كان الحرفيون يغسلون فيه الأصواف والجلود ( كان واد بوسكور ضيق  بدون ضفاف فقط مجرى مائي دائم الجريان) . لم تكتف شرطة الصحة بالإشراف والمراقبة على تنظيف المدينة، بل وصل نشاطها إلى الدواوير المحيطة بالمدينة وأحياء الصفيح والنوايل.

  كذلك أقامت الشرطة الصحية متاريس، لمنع المهاجرين من الدخول إلى الدار البيضاء، كانت تعرف تلك المداخل ب ” القامرة”. يصاحب الشرطة الصحية عمال يحملون آلة رش المبيد، فكل الوافدين إما مشاة أو ركابا يعرضون ملابسهم لرش المبيد لقتل القمل والبرغوث، الذي يمكن أن يكون حاملا للوباء، كما هو معمول به أثناء حملات الرش بأحياء المدينة المسورة واحياء القصدير والنوائل. تفاديا لانتشار العدوى إلى بيوت ومصانع وأسواق الأوروبيين عبر العمال والعاملات خاصة عاملات البيوت.

 من المعيقات التي حالت دون الحد من انتشار الوباء، كان السكان ينقسمون إلى قسمين: المستقرون القدماء والوافدون الجدد غير مستقرين، منهم المشردين والباعة الجائلون في الأسواق والحمالة ورعاة الماشية في الأراضي الخلاء، كانوا يتسللون إلى المدينة للبحث عن شغل أو للتسول. وللحد من ظاهرة غير المستقرين، فرضت عليهم سلطات الحماية المنع من الدخول إلى المدينة. بطبيعة الحال خوفا على حياة الأوربيين، فدفعت بهم إلى الاستقرار بدور الصفيح والنوايل بالهوامش للحد من انتشار العدوى.

إن عملية الترحيل والطرد من المدينة في أوقات شدة الوباء، خلقت أزمة، تمظهرت في نقص اليد العاملة، الشيء الذي أدى إلى بطء الأوراش، خاصة ورش الميناء وورش بناء المدينة الأوربية والمدينة الجديدة، في تشييد الطرق ومد قنوات الصرف الصحي، إضافة إلى حاجة معامل التصبير والتعليب لليد العاملة. لذلك عدلت السلطات الفرنسية من فكرة الطرد إلى فكرة التحسيس بخطورة الوباء، فالتجأت إلى المغاربة المؤطرين في الأوراش لشن حملة تحسيسية، عبر البراح في الأسواق، والمقدمين والشيوخ بدور الصفيح وأحياء المدينة المسورة، كما استعملوا الفقهاء للتوعية في المساجد، اضافة إلى إجراءات التلقيح عبر قوافل الممرضين والممرضات بمساهمة الراهبات الكاثوليكيات.

انصافا للتاريخ، تجدر الإشارة، أن سلطات الحماية، كانت تهتم بالبحث عن المصابين ونقلهم إلى المشافي بمساعدة أعوان المخزن الذين لهم القدرة على رصد المصابين. عند كل صباح تخرج عربات  المشافي على الساعة السادسة تبحث عن المصابين بأحياء المغاربة الذين تعودوا الجلوس أمام أبواب منازلهم وعلى رصيف الطرق في مشهد رهيب، ينتظرون عربات المشافي، كما كان  أعوان المخزن من مقدمين وشيوخ مكلفون بالإبلاغ عن المصابين بخبرتهم الميدانية 12 .ومن الأمكنة التي كانت مستهدفة للتطهير، البرك المائية بما فيها تجفيف وردم واد بوسكورة، الذي كان مجراه ملوثا وجامعا للحشرات، ومن الأمكنة المستهدفة للتطهير كذلك، الفنادق التي كان يأويها المسافر والتاجر مع سلعته ودوابه، ثم مطارح الأزبال وفنادق بيع وشراء الدواب والمواشي. كما كان سور المدينة المسورة هدفا للتطهير، باعتباره مرحاضا مفتوحا على الهواء الطلق، لذلك، كان خزانا للبراغيث الحاملة للعدوى. وفي سنة 1922 أصدرت سلطة الحماية أمر تسييج الأراضي العارية والمقابر مع انشاء مراحيض عمومية بأهم شوارع المدينة.

ترتفع موجة الهجرة من الأرياف نحو الدار البيضاء في فصل الشتاء، خاصة عندما يكون فصلا جافا، ففي سنة 1921، ارتفع عدد الجوعى من متسولين ومشردين إلى أعداد مخيفة، الشيء الذي كلف السلطة الاستعمارية مجهودا في جمعهم بأمكنة بعيدة عن انتشار العدوى. التي شكلت فيها المدينة المسورة وحي الملاح بؤرا لانتشار الوباء خاصة الملاح. أما المدينة الأوربية، كانت محمية من طرف الشرطة الصحية، لذلك، كانت السلطة الاستعمارية مع الجنرال ليوطي، ترى أن المدينة المسورة وأحياء الصفيح وتجمعات سكن النوائل أحواض للوباء، تهدد الأمن الصحي للمدينة الأوروبية.

ومن جهة أخرى، اتخذت إدارة الحماية أحواض الوباء ذريعة لتشديد المراقبة ووسيلة للقمع والتحكم في المغاربة، كانت تلجأ في زمن الأزمة الوبائية إلى تسليط الآلة القمعية على المغاربة، كما لجأت إلى هدم أحياء القصدير وحرق النوائل، بحجة أنها بؤرا وبائية، غير أن الهدف، كان الرغبة في الحصول على وعاء عقاري لتوسع المدينة.

الهوامش:

1/ علال بنور: الدار البيضاء (1906 – 1939) الميناء والتحولات السوسيو – اقتصادية. در الثقافة.2025. ص: 98.

2/ جريدة السعادة: ع 6- 7 سنة 1914. ص:1.

3/ Christian Houel : Mes aventures. Éd. Maroc demain, Casablanca 1954.p :256-257.

4/ جريدة السعادة ع.؟ 1912. ص:1.

5/ Rapport sur l’activité de la direction de la santé et de l’Hygiène Publics 1939 in Bulletin de l’institut d’Hygiène du Maroc :124.

6/ ألبير عياش: الحركة النقابية في المغرب 1919- 1942. ج 1. ترجمة نور الدين سعودي. مطبعة فضالة/المحمدية. ط1 .1988. ص: 157.

7/ Rapport sur l’activité.op.cit. :125.

8/ علال بنور: الدار البضاء مرجع سابق. ص:98

9/ جريدة السعادة.ع. 918 سنة 1915. ص: 1

10/ جريدة السعادة. ع. 1049 سنة 1915.ص: 1.

11/ جريدة السعادة.ع.918 مرجع سابق. ص :1.

12/ جريدة السعادة. ع .918 مرجع سابق. ص:1.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com