حلم في خريفية العمر
الحلم مصالحة مع الذات..
3– المصالحة الصامتة والعودة إلى الذات

قد يكون الحلم في هذه المرحلة من الحياة ليس وعدا بالنجاح ، بل تأكيدا على أننا مازلنا أحياء فاعلين ، متفاعلين ، مثابرين ، عاشقين ، مشاكسين … فيغدو حلمنا نوعا من المصالحة مع الذات ، مع مالم يتحقق ، مع ما تحقق دون أن نلتفت إليه ، في تصالح مع أحلام تركناها طوعا أو عمدا ، وأخرى انفلتت منا كفقاعات صابون . وهي – المصالحة – في جوهرها إعتراف يحمل كل الصفاء ، وكأني أدمنت ذاك 【 الصمت من الثرثار ، والتسامح من المتعصب ، واللطف من القاسي … وما عجب أن يكون أستاذتي هؤلاء 】، على حد تعبير الأديب العبقري ” جبران خليل جبران ” .
ان لحظة الحلم تلك ليست هروبا ، بل عودة إلى الذات كما هي في جوهرها ، لا كما حاولت أن تكون متصنعة ، ومعها يتعلم القلب أن يعيش ، يفكر ، يتواجد على مهل ، مكتفيا بما يكفي . يرى جمال ورونق وبهاء التفاصيل التي كانت باهتة ذات يوم ، عندما كان العمر يمتد بلا نهاية ، أو على الأقل هو مستبعد لها .
4- فسحة اللقاء بالأمل وحكمة الضوء الأخير .
ويبقى الجميل والأجمل أن لحظة الحلم – تلك – لا تطلب شيئا . إنها فسحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر دون تضارب ، وتجلس فيها الذاكرة إلى جانب الأمل دون أن يطغى أحدهما على الآخر فسحة تتسع لابتسامة خفيفة ، لطفولة حالمة ، نابضة بالحيوية في بئر الأعماق . فيصير الحلم أكثر نضجا ، أكثر تواضعا. أكثر صدقا ومصداقية ، لتتلخص حكمة العمر في الإدراك الهادئ ، القائم على أن ” لحظة الحلم ” الصادق قد تكون أثمن وأسمى وأمتع من سنوات
الركض الطويل خلف السراب . وأن اللحظة التي يصفو فيها الإنسان مع نفسه ولو لثوان قليلة تستحق أن تُحفظ كالضوء الأخير قبيل الغروب . خاصة وأن الشيخوخة – على حد تعبير ماينسب إلى “غابرييل ماركيز ” -【 لاتبدأ حين نبلغ عمرا معينا ، بل حين نتوقف عن الحلم 】 . لذلك ففي لحظة صمت بين الغروب والعتمة ، نغمض أعيننا ونسمح لأنفسنا بأن نحلم لا بالماضي الذي كان وكناه . بل بالمستقبل الذي مازال يتسع لدقائق ، لأوقات أخرى من الجمال والبهاء ، فخلالها يتصالح القلب مع الزمن ويبتسم كما لو أنه فهم سر ملكوت الحياة ، ويحيا رغم كل شيء ، وكأن الحلم لا ولن يموت أبدا .
5- يبقى ” الطلح ” صمت في حضرة الزمن .
ويشاء القدر أن أحط الرحال في بداية الألفية الحالية بإحدى مناطق “وادي درعة ” ، حيث الحياة تتراجع أمام قسوة الشمس وضراوة الجفاف . ويبقى الصمود والكرم احدى العلامات المميزة للطبيعة وللساكنة وتشهد شجيرات “الطلح” المتجذرة في الأرض الوَلاَّدَة ، على أنها تعرف سر الديمومة وسخاء البقاء ، دون أن تشتكي من الحر . أما أزهارها الشوكية الصغيرة فتضئ مساحات واسعة من الرمل والكتبان ، وتشهد على شموخ وعزة نفس الساكنة ، لا تختبئ خلف الزهور البهية أو وراء الاخضرار الوفير . صمتها الطويل كصبر المنتسبين إلى واحات درعة ، وعمق جذورها هي دروس في الثبات لكل المستوطنين . من
تحت ظلها يمكن للروح أن تتعلم كيف تصبر حتى على مالا يطاق ، وكيف تجد قبولا مطلقا للعناد ، التحدي ، الاستدامة … حتى وإن غاب كل شيء فهي رمز المتانة والجَلَدْ ، حضورها الصامت في الصحراء شبيه بالإنسان الذي يتعلم مواجهة قسوة الحياة دون صخب . فيغدو درسا من دروس الصبر ، القدرة على التحمل ، على الحلم حتى في أحلك الظروف .
6 –ومضات ” الهايكو ” في خريفية العمر .
خريفية العمر ليست مجرد مرور للزمن ، بل هي رحلة داخلية بين الفقد والتجدد . وهذه البطاقات من الهايكو هي ومضات صغيرة للروح . لحظات قصيرة تكشف عن ضوء خفي في الدواخل ، عن هدوء يتسلل بين ظلال العمر ، عن حلم لا يختفي رغم خريف زمني يمر بنا .
* البطاقة الأولى
1 خريف الروح – ورقة تتهاوى ببطء – تحمل ذكرى ضوء .
2 ريح هادئة – تعيد ترتيب الصمت – قلب متعب .
3 غيمة تمر – في أثرها البعيد – ينبث حلم خفيف
4 صوت الماضي – حجر يسقط في ماء – لم يعد يرتجف .
5 زهرة جافة – عطرها الأخاد – يملأ السماء .
6 خطوة شيخوخة – تسبقها ابتسسامة – لاتريد الذبول .
7 حقيقة حلم – تشعل شمعة الروح – توقظ العمر .
* البطاقة الثانية
1 ليل هادئ – قمر يلمس نافذتي – كأنه يعتذر .
2 خط من ضوء – يعبر ذاكرة القلب – يوقظ النيام .
3 صمت السماء – يربث على ظلي – صديق قديم
4 غصن عار – في الجوف سر – لا يعرف الذبول .
5 نَفَسُ الريح – يحمل أسماء أحبة – فروا … لم يرحلوا .
6 عطر المطر – ينعش جزءا خفيا – لم أدر أنه حي .
7 في خريف العمر – لاشيء يلمع حقا – إلا ماسكن الروح .
* البطاقة الثالثة
1 ظل الغروب -يهمس بأسماء صامتة – تعيش في الداخل .
2 ورقات تتساقط – لكن قلب الشجرة – يحفظ الضوء .
3 هدوء المساء – يتسلل بين الأصوات – يترك صمتا نقيا .
4 نسمات خريفية – تُطَوِّقُ الذكرى القديمة – لطف رقيق .
5 شعاع وحيد – يتسلل بين الغيوم – يغني للأمل .
6 قلب متعب – يكتشف في دقيقة صغيرة – أنه لا يزال حيا .
7 في عمق الليل – يطفو حلم خفيف – شمعة تنتظر .
هامش للختم
هذه الومضات الصغيرة هي مرآة للروح في خريفية العمر . وكل “هايكو ” ليس سوى لحظة من لحظات تتوقف فيها وعندها الروح ، لتلتقط ضوءا خفيا ، حلما بسيطا ، صمتا داخليا ، ابتسامة خفيفة ، في قلب الزمن .
واذا كان العمر يمضي بسرعة مجنونة . فإن هذه اللحظات القصيرة هي الكفيلة لتذكيرنا بأن الضوء لا ولن يغيب ، وأن الحلم يظل حيا في كل قلب مستعد للاستماع والتجاوب .
طنجة . المملكة المغربية
يتبع
