حلم في خريفية العمر

حلم في خريفية العمر

الحلم مصالحة مع الذات..

3– المصالحة الصامتة والعودة إلى الذات 

     المختار عنقا الادريسي

قد يكون الحلم في هذه المرحلة من الحياة ليس وعدا بالنجاح ، بل تأكيدا على أننا مازلنا أحياء فاعلين ، متفاعلين ، مثابرين ، عاشقين ، مشاكسين … فيغدو حلمنا نوعا من المصالحة مع الذات ، مع مالم يتحقق ، مع ما تحقق دون أن نلتفت إليه ، في تصالح مع أحلام تركناها طوعا أو عمدا ، وأخرى انفلتت منا كفقاعات صابون . وهي – المصالحة – في جوهرها إعتراف يحمل كل الصفاء ، وكأني أدمنت ذاك 【 الصمت من الثرثار ، والتسامح من المتعصب ، واللطف من القاسي … وما عجب أن يكون أستاذتي هؤلاء 】، على حد تعبير الأديب العبقري ” جبران خليل جبران ” .
ان لحظة الحلم تلك ليست هروبا ، بل عودة إلى الذات كما هي في جوهرها ، لا كما حاولت أن تكون متصنعة ، ومعها يتعلم القلب أن يعيش ، يفكر ، يتواجد على مهل ، مكتفيا بما يكفي . يرى جمال ورونق وبهاء التفاصيل التي كانت باهتة ذات يوم ، عندما كان العمر يمتد بلا نهاية ، أو على الأقل هو مستبعد لها .

4- فسحة اللقاء بالأمل وحكمة الضوء الأخير .

ويبقى الجميل والأجمل أن لحظة الحلم – تلك – لا تطلب شيئا . إنها فسحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر دون تضارب ، وتجلس فيها الذاكرة إلى جانب الأمل دون أن يطغى أحدهما على الآخر فسحة تتسع لابتسامة خفيفة ، لطفولة حالمة ، نابضة بالحيوية في بئر الأعماق . فيصير الحلم أكثر نضجا ، أكثر تواضعا. أكثر صدقا ومصداقية ، لتتلخص حكمة العمر في الإدراك الهادئ ، القائم على أن ” لحظة الحلم ” الصادق قد تكون أثمن وأسمى وأمتع من سنوات
الركض الطويل خلف السراب . وأن اللحظة التي يصفو فيها الإنسان مع نفسه ولو لثوان قليلة تستحق أن تُحفظ كالضوء الأخير قبيل الغروب . خاصة وأن الشيخوخة – على حد تعبير ماينسب إلى “غابرييل ماركيز ” -【 لاتبدأ حين نبلغ عمرا معينا ، بل حين نتوقف عن الحلم 】 . لذلك ففي لحظة صمت بين الغروب والعتمة ، نغمض أعيننا ونسمح لأنفسنا بأن نحلم لا بالماضي الذي كان وكناه . بل بالمستقبل الذي مازال يتسع لدقائق ، لأوقات أخرى من الجمال والبهاء ، فخلالها يتصالح القلب مع الزمن ويبتسم كما لو أنه فهم سر ملكوت الحياة ، ويحيا رغم كل شيء ، وكأن الحلم لا ولن يموت أبدا .

5- يبقى ” الطلح ” صمت في حضرة الزمن .

ويشاء القدر أن أحط الرحال في بداية الألفية الحالية بإحدى مناطق “وادي درعة ” ، حيث الحياة تتراجع أمام قسوة الشمس وضراوة الجفاف . ويبقى الصمود والكرم احدى العلامات المميزة للطبيعة وللساكنة وتشهد شجيرات “الطلح” المتجذرة في الأرض الوَلاَّدَة ، على أنها تعرف سر الديمومة وسخاء البقاء ، دون أن تشتكي من الحر . أما أزهارها الشوكية الصغيرة فتضئ مساحات واسعة من الرمل والكتبان ، وتشهد على شموخ وعزة نفس الساكنة ، لا تختبئ خلف الزهور البهية أو وراء الاخضرار الوفير . صمتها الطويل كصبر المنتسبين إلى واحات درعة ، وعمق جذورها هي دروس في الثبات لكل المستوطنين . من
تحت ظلها يمكن للروح أن تتعلم كيف تصبر حتى على مالا يطاق ، وكيف تجد قبولا مطلقا للعناد ، التحدي ، الاستدامة … حتى وإن غاب كل شيء فهي رمز المتانة والجَلَدْ ، حضورها الصامت في الصحراء شبيه بالإنسان الذي يتعلم مواجهة قسوة الحياة دون صخب . فيغدو درسا من دروس الصبر ، القدرة على التحمل ، على الحلم حتى في أحلك الظروف .

6 –ومضات ” الهايكو ” في خريفية العمر .

خريفية العمر ليست مجرد مرور للزمن ، بل هي رحلة داخلية بين الفقد والتجدد . وهذه البطاقات من الهايكو هي ومضات صغيرة للروح . لحظات قصيرة تكشف عن ضوء خفي في الدواخل ، عن هدوء يتسلل بين ظلال العمر ، عن حلم لا يختفي رغم خريف زمني يمر بنا .

* البطاقة الأولى

1 خريف الروح – ورقة تتهاوى ببطء – تحمل ذكرى ضوء .
2 ريح هادئة – تعيد ترتيب الصمت – قلب متعب .
3 غيمة تمر – في أثرها البعيد – ينبث حلم خفيف
4 صوت الماضي – حجر يسقط في ماء – لم يعد يرتجف .
5 زهرة جافة – عطرها الأخاد – يملأ السماء .
6 خطوة شيخوخة – تسبقها ابتسسامة – لاتريد الذبول .
7 حقيقة حلم – تشعل شمعة الروح – توقظ العمر .

* البطاقة الثانية

1 ليل هادئ – قمر يلمس نافذتي – كأنه يعتذر .
2 خط من ضوء – يعبر ذاكرة القلب – يوقظ النيام .
3 صمت السماء – يربث على ظلي – صديق قديم
4 غصن عار – في الجوف سر – لا يعرف الذبول .
5 نَفَسُ الريح – يحمل أسماء أحبة – فروا … لم يرحلوا .
6 عطر المطر – ينعش جزءا خفيا – لم أدر أنه حي .
7 في خريف العمر – لاشيء يلمع حقا – إلا ماسكن الروح .

* البطاقة الثالثة

1 ظل الغروب -يهمس بأسماء صامتة – تعيش في الداخل .
2 ورقات تتساقط – لكن قلب الشجرة – يحفظ الضوء .
3 هدوء المساء – يتسلل بين الأصوات – يترك صمتا نقيا .
4 نسمات خريفية – تُطَوِّقُ الذكرى القديمة – لطف رقيق .
5 شعاع وحيد – يتسلل بين الغيوم – يغني للأمل .
6 قلب متعب – يكتشف في دقيقة صغيرة – أنه لا يزال حيا .
7 في عمق الليل – يطفو حلم خفيف – شمعة تنتظر .

هامش للختم

هذه الومضات الصغيرة هي مرآة للروح في خريفية العمر . وكل “هايكو ” ليس سوى لحظة من لحظات تتوقف فيها وعندها الروح ، لتلتقط ضوءا خفيا ، حلما بسيطا ، صمتا داخليا ، ابتسامة خفيفة ، في قلب الزمن .
واذا كان العمر يمضي بسرعة مجنونة . فإن هذه اللحظات القصيرة هي الكفيلة لتذكيرنا بأن الضوء لا ولن يغيب ، وأن الحلم يظل حيا في كل قلب مستعد للاستماع والتجاوب .

طنجة . المملكة المغربية

يتبع

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com