أقصوصة للكاتبة اليمنية بلقيس الكبسي

أقصوصة للكاتبة اليمنية بلقيس الكبسي
         بلقيس الكبسي

قائدة لجيوشٍ لا تنام

جلست أمام السرير الصغير في ليلةٍ باردة، وكأن الشتاء قد استقرّ في قلبها. كانت تُحدّق في لعبٍ متراصّةٍ بعناية، كما تركها طفلها في آخر مساء. الوسادة ما تزال تحتفظ بظلّ رأسه، والغطاء يحمل دفء أنفاسه الغائبة، لقد انطفأ كشمعةٍ في قلب عتمة. أخبروها: “لقد رحل طفلك… المجرمون أنهوا كل شيء”. لكنها لم تُصدّق. كيف يموت مَن كانت ضحكته توقظ الصباح؟ وكيف ينطفئ من كان يملأ البيت حياةً أكثر من الحياة نفسها؟
بكت حتى جفّت أجفانها، وبهتت ملامحها ثم صمتت.

وفي ذلك الصمت، حدث شيء غريب؛ بدأت تسمع همسًا خافتًا يخرج من جدران الغرفة. تبعت الصوت نحو الدمى التي بدت كأنها تتحرّك ببطء، وكأنها تناديها. اقتربت بخطواتٍ مرتجفة، جلست على الأرض، ومدّت يدها نحو الدبّ البني الذي كان يحبه. همست بابتسامةٍ باهتة: “أتعلَم؟ لقد خطفوه… لكننا لن نتركه. سنعيده معًا، أنا وأنت وبقية جيشه الصغير. سأكون قائدتكم حتى يعود قائدكم.”

كانت الغرفة ساكنة، كل شيء فيها ثابت كما تركه: السرير الصغير بغطائه الأزرق، الكرسي الذي كان يجلس عليه، طاولته، جنود الدمى، والكرة التي لم تُكمل قفزتها الأخيرة. منذ رحيله توقّف الزمن هناك، كأن الغرفة رفضت تصديق الخبر. كانت تجلس كل مساء في الظلام، تُحدّق في لعبه، تناديه بصوتٍ مبحوح: عد يا صغيري… جنودك ينتظرونك لبدء المعركة.” لكنّه لم يجيب؛ صمتٌ ثقيل يشبه تابوتًا لم يُدفن.

في الليلة الأولى بعد الجنازة، سمعت أنينًا خافتًا في ركن الغرفة. وجدت دمية الجندي ساقطةً على الأرض. رفعتها ومسحت عليها برفق، ثم همست: لا تقلق… سننقذه.” ومنذ تلك الليلة بدأت حربها. جمعت كل الدمى: الدبّ البني، الفارس الصغير، الجندي المقاتل، الحصان الخشبي، وحتى العصفور البلاستيكي الذي كُسر جناحه. جلست أمامهم كقائدةٍ محنّكة تشحذ همم جنودها. ارتدت معطف ابنها الصغير ولفّت عنقها بوشاحه، وقالت بصوتٍ متهدّج: لقد خطفوه… لكننا لن نتركه. ألستم جيشه القوي؟ ألم يكن قائدكم؟ الليلة نبدأ المعركة… ستكون معركة الخلاص.”

انكفأت ترسم بالطباشير خططًا على أرض الغرفة وتوزّع الأدوار كما كان يفعل طفلها:
“أنت يا فارس، احرس الباب.
وأنت أيها الدبّ، ستكون الدرع.
أمّا أنت أيها الحصان، فستنقلني إلى ساحتهم.
وأنت يا عصفوري الصغير، ستستطلع الأمر ستحلق حيث لا يجرؤ أحد.”

ومن تلك اللحظة تغيّر كل شيء. صفّت الدمى أمامها كجنودٍ ينتظرون الأوامر، وعيناها تقدحان شررًا من فرط الحماسة والجنون. قالت بثبات غريب:

– هذه ليست غرفة طفل… هذه ساحة حرب. والعدو ينتظرنا خلف الجدار سنعيده من ظلامهم.”

كانت ترسم خرائط على الأرض، تُصدر أوامر، وتضحك كأنها تسمع ردودهم. وفي الصباح، حين تدخل جارتها، تراها جالسة بين دماها، فتهمس: الليلة عبرنا الحدود… اقتربنا منه. إنه يسمعنا الآن.”

ظنّ الجميع أنها جُنّت، لكنها لم تكن كذلك؛ كانت أمًّا أثقلها الفقد حتى صار الخيال وطنها الأخير. صارت تُنادي الدمى بأسماء الأطفال الذين قُتلوا في المدينة. كانت تصرخ وهي تُحدّق في الجدار: كل طفل يُقتل يولد هنا من جديد. هذه الغرفة وطنٌ لمن رحل ولم يمت.” توسّع خيالها حتى غرقَت فيه. بدأت تضع طعامًا للدمى، تحكي لهم قصص الشجاعة التي كان ابنها يعشقها. وفي الصباح يجدونها تتحدث إلى الفراغ، تضحك، تصرخ، وتوبّخ كأنها في معركة حقيقية.

مرت الأيام، وصارت الغرفة جبهة قتال. كل دمية تحمل أثرًا من صوتها ووجعها. علّقت صورة ابنها على الجدار، وكتبت بخطٍ مرتعش: لا يموت من تؤمن أمه أنه ما زال يُقاتل.”

وفي ليلتها الأخيرة، كان المطر غزيرًا والريح تعوي. وُجدت جالسة بين الدمى، رأسها مائل على صدرها، وابتسامة صغيرة تلمع على شفتيها. كانت تحتضن الدبّ البني كما كانت تحتضن طفلها، وفي عينيها بريق غامض، كأنها رأت ابنها يعود من المعركة. همست للدمى: لقد عدنا يا صغيري… المعركة انتهت. لقد انتصرنا.”

كانت عيناها نصف مفتوحتين، وعلى وجهها سكينة لم يشاهدها أحد منذ رحيله. رحلت بصمت بين الدمى المصطفّة كحراسة أبدية، وكأنها ما تزال تنتظر أوامرها.

ومنذ ذلك اليوم، لم يجرؤ أحد على لمس ألعاب طفلها. كانوا يسمعون همسات خفيفة في الليل، كأن الجيش الصغير ما يزال يحرس حكايتهما: حكاية أمٍّ آمنت أن الحبّ أقوى من الموت، وأن الغدر مهما تجبر… لن ينتصر. لقد عبرت إليه أخيرًا، بعد أن جعلت من جنونها جسرًا بين الأرض والسماء.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com