قصة: أوراق المرايا المتقابلة…
سيرة “إدريس” مرة أخرى.

ارتشف من فنجانه جرعة قهوة حارقة… وضع الفنجان جوار أوراقه المتراكمة على سطح مكتبه بفوضى مشهودة عن قرب وعن بعد… سرح به الذهن إلى أوراق أستاذه الكبير… قال: “هذه أوراق إدريس، خذها، أنت أقرب الناس إليه، وإلا اشتراها البقال ليحرقها أو يغلف بها الحمص، الكتابة حرفتك، اصنع بها ما تراه نافعا” 1 … عاد بصره إليه… تأمل أوراقَه المبعثرةَ على سطح مكتبه القديم… الأوراق مخاتلة… أوراق الناس مراياها المتقابلة تعكس صورها وألوانها المتعددة المتغيرة بين عشية وضحاها… الناس لعبة مرايا… المرايا أوراق الناس… أوراق الناس ما كانت يوما بالضرورة صادقة… المرايا لعبة سينمائية… شريطٌ مُوَضَّبٌ بإتقان، أو بعشوائية، أو بحربائية متلونة… ارتشفَ جرعة أخرى… القهوة تبرد بسرعة وتخبو نارها الملتهبة إن لم يرتشفها جرعةً واحدة حارقة… الأوراق لا قيمة لها إن لم ترتّبْ… نظر بِحَيْرَةٍ إلى أوراقه المتناثرة على سطح مكتبه القديم الذي رافقه في رحلة رسم حروفه على أوراقه منذ أول يوم استجاب فيه لِفِعْلِ الأمر “اقرأ” راغبا أو، ربّما، مكرها… الأمر سيان، هو لا يعرف لماذا استجاب للأمر وتورط في لعبة بعثرة أوراق غير مضمونة العواقب… ربما غير مضمونة الترتيب… السطور باهتة على جسد الأوراق… أو ربّما على جسده… الأوراق سر مكنون… لعبة مرايا سينمائية قاسية… باردة، أو ربما هي حارقة أكثر من أول جرعة من فنجان قهوة غير مضمونةِ جودةِ مذاق… هل من واجبه ترتيب أوراق وُلِدَتْ رغماً عنه متشظية؟ … هي ليست أوراقا مخزنية ترتب في سجلات رسمية، وتحفظ…
قديما حذرته أمه الراحلة من شر قد يأتي من الأوراق…
– احذر، يا ولدي، من الأوراق المخزنية، هي أوراقك الرسمية، شئت أم أبيت، أنا أمك المشفقة عليك من غضبة المخزن ومَنْ تبعه… أنصحك، لا تتلاعب بالأوراق المخزنية، لا تُحَرِّفْ ما سُطِّرَ عنك فيها من قبل رحيلك من عالم الغيب إلى عالم الشهادة… أنت هو أنت… اسمك هو اسمك… مهنتك أو حرفتك أو عطالتك لازمة لك… أوراقك المخزنية سيرتك الأولى… لا تتلاعب بسيرتك يا ولدي… لك أن تبعثر أوراقك الشخصية، سيرتك الثانية… أو الثالثة، والرابعة، والأخيرة، التي سيكتبها عنك كاتب، ربّما يجرب فيك فعل الكتابة لأول مرة في حياته، ويجرب معها غوايةَ تلوين مرايا زئبقية تخفي وراء ظهرها أوراقًا بئيسةً متشظية، قد يفعلها بمكر مثلك… مؤكد أنك ورثتَ فوضاك عن أبيك المرحوم… لا ضيرَ في أن يرثها منك كاتب فاشل مثلك…
رحلت أمه… تردد صدى الوصية في ذهنه والْمَدَى مدة… خبا الصدى… وقد يكون نسي وصيتها، أو تناساها عمدا… الأوراق ليست كلها سيرة مسكوكة بصيغة مخزنية… السيرة مخاتلة… الأوراق مخاتلة… يظهر أن “إدريس” صاحب أستاذه الكبير مخاتل… حربائي… ألف لون ولون هو… لا طعم ولا رائحة له… ارتشفَ جرعةً أخرى أشدَّ برودة… سرت البرودة المُرّةُ في عروقه… تساءل مع نفسه ببرودة أعصاب:
– هل هو “إدريس” آخر، مخاتل جديد، ماكر أخير في هذا الزمن الخائب… زمن خائب مخاتل ماكر على حد توصيف أستاذه الكبير صاحب “إدريس”؟ تدب في جسده القديم رعشة… يتأمله قرينه “إدريس” صاحب أستاذه الكبير… القرين الماكر جالس قبالته، بينهما مكتب قديم وأوراق مبعثرة… ابتسم “إدريس” بمكره المعهود، وباغثه بالسؤال:
ـــ أوراقك فوضوية، مراياك مشروخة، توضيب شريطك فاشل… هل أنت أنا بصيغة النعجة دولي؟
نظر إليه ببرود كأنه يحدث نفسه:
ـــ لكم دينكم… من شابه نفسه في أوراقه فقد ظلم… الألوان الطبيعية والمصنّعة كثيرة.
ابتسم القرين بتلذذ:
ـــ سقطتَ في لعبة سيرة حارقة كصاحبك آكلِ “الخبز الحاف”، أو كذاك الأشقر الذي لم يعترف بكل مسكوت عنه في “اعترافاته” المتوحشة.
بتثاقل أجاب، وكأنه لا يعنيه أمر الدفاع عن نفسه:
ـــ حقهما المشروع… الناس أوراق لا لون لها… مرايا محدودبة ومقعرَة.
استفزه القرين، بخبث ظاهر غير مسكوت عنه:
ـــ اِحْكِ… أَفْرِغْ ما في جعبتك… بائع الحمص في حاجة إلى “أوراق” جديدة يلف فيها الحمص لمتبضعين يتلذذون بالحمص، ولا يقرؤون ما كتب على جسد الأوراق… الناس منشغلون بأوراقهم عن أوراق الناس… المخزن وحده يقرأ كل الأوراق.
أخذ ورقة من أوراقه المبعثرة… تأملها بشرود… قرأ ما كان قد دَوَّنَ عليها منذ زمان بعيد لم يعد يتذكر متى كان:
ـــ هذه أوراق “إدريس” آخر، خذها، أنت أقرب الناس إليه… قرينه… لعبة الكتابة حرفتك… رَتِّبْهَا، أو اتركْ أمرَ ترتيبها لأطفال يلعبون بها لعبة طائرات من ورق… تحلق ما شاءت لها رياح… وتسقط على أديم أرض يباب منكسرة خائبة… القرين يتهرب بمكر:
ـــ من أين لي مهارة ترتيب الأوراق… أوراقي كانت مبعثرة… تخلص منها أستاذك الكبير… أَوَّلَها “شعيب” كما حلا له… ربما ظَلمَني وظلم أوراقي عن غير قصد… أو ربما عن قصد منه مُغْرِض… أو ربما ضاع منه الثوب بين خيوط متشابكة… ربما خانته الأوراق في ترتيب فوضى خلاقة.
تفرس في وجه القرين المبتسم بشماتة:
ـــ أناني أنت… ضعيف… متشظ… حتى صديقك فقدتَ فيه الثقة، رغم أنه منحك وجهه المشرق.
تمادى القرين في الاتهام:
ـــ أنت أنا… سرقتَ فوضاي.
لأول مرة شعر بإحراج واضح… لأول مرة يحاول الدفاع عن نفسه… لا يحب السرقة… ليس لص أفكار.
ـــ معذرة… استعرتُ لعبةَ تعدد أوراق منك: “يوميات، خواطر، نقول، رسائل، اختبارات مدرسية، مذكرات، مقالات، عروض، مراجعات” 2 …
محوتُ من أوراقك سطوركَ… رسمتُ عليها بعض سطوري المرتعشة… وما استطعت إلى ترتيبها سبيلا… هي مجرد استعارة شكلية… أوراقي مراياي… أوراقك مراياك… إطارات المرايا مِلكيّة مشتركة.
اصطاده القرين الماكر:
ـــ مذنب أنت… جريرة سرقة الأوراق مسألة منتهية… اعترافك كافٍ.
وكأنه يترجاه… وفي أعماقه يود خنقه:
ـــ خوفي على أوراقي المبعثرة من ترتيبٍ مغرض.
تَمَلَّصَ القرين… أصدر حكمه الأخير:
ـــ ما الترتيب بيدي… ما الترتيب بيدك… الأمر بيد منفذ المهمة “شعيب” المخاتل الماكر… هل سيرتب أوراقك كما رتب الأوراق الأخرى، أوراقي؟…
لا تنس أنه رتبها على هواه… على مزاجه، رتبها على مزاجه وهو يرتشف قهوة حارقة… لم يسلمها لبائع الحمص… متأكد أنا أنه لن يتقاعس عن إهمال واجب ترتيب أوراقك… أوراقك ليست هي أوراقي… أوراقي ذاكرة ساخنة… أوراقك المبعثرة على مكتب قديم مهترئ فارغة… باردة… ذاكرة ممسوحة… أو ربما هي ممسوخة… لا تصلح إلا لتغليف حمص وفول وعدس… لك دِينُك… اِرْمِ نفسَك في المقلاة… دُقَّ جِدارَ خَزَّانِك… أو انتحر على صدر أوراقك الخاوية… أوراق لا لون ولا رائحة لها… أوراق مبعثرة على وجه مكتب قديم… مرايا مشوهة… سجينة إطار مسروق.
هامش:
1/ أوراق “سيرة إدريس الذهنية” / د. عبد الله العروي/ المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع/ الدار البيضاء / الطبعة السادسة 2004 / صفحة 9.
2/ نفسه ـــ صفحة 5 / الدار البيضاء: 21 سبتمبر 2024.
