خريفية العمر

خريفية العمر
منشور ‏سعاداتي الصغيرة‏ (فيسبوك)

يذبل الورد ولا يفقد الزمان رونقه

الورقة الرابعة

المختار عنقا الادريسي

تذبل الورود كما تذبل الأحلام… لا لأنها فقدت جمالها ، بل لأنها أدت رسالتها على أحسن وجه.
فكل زهرة إلا وتحمل في ذبولها سر اكتمالها، كما تحمل في عطرها الزكي نبوءة الرحيل.
في ربيع الشباب كنا نرى في الورد وعدا بالخلود، البهاء، النضارة … أما في خريف العمر فنراه درسا في الفناء الجميل، نكتشف معه كيف يمكن للجمال أن ينطفئ دون أن يفقد معناه، وكيف يمكن للبهاء أن يتحول إلى حكمة.
فالورد لايبكي حين يذبل بل ينحني في صمت نبيل وكأنه يُسلم الروح للريح وهو راضٍ، ويبقى ذاك سر البهاء الأخير. ويصبح الفقد جزءا من الجمال نفسه.
في هذا العمر ندرك أن الزمان لا ينقص منا، بل يُصقلنا. فكل خسارة تزرع فينا جديدا، كما أن كل ذبول إلا ويعلمنا كيف نحيا بتواضع وامتنان. لقد علمنا الورد أن ما يهم ليس أن نبقى متفتحين، بل أن نغادر العالم بعطر يظل فواحا حتى بعد غيابنا، فالورد عادة يذبل دون أن يشيخ عبيره أو يتلاشى. وعندما تهب الريح من جديد، فإنها لا تعيد لنا ما أخذته، بل تذكرنا بأن كل ما نحسبه استقرارا ما هو إلا استراحة عابرة في رحلة الوجود. إنها الصوت الخفي الذي يَربُت على قلوبنا قائلا : لا تتمسكوا كثيرا، فالحياة لا تحب الأسر. وقد نصبح أكثر فهما للريح مع خريف العمر، نصغى إليها لا كعدو، بل كرفيقة طريق تحمل إلينا معها الكثير من رسائل الحياة. فتأتينا أحيانا قاسية، تقتلع ما اعتدنا عليه، لكنها في جوهرها تبقى بنا رحيمة، تعيد ترتيب الفوضى في دواخلنا، تمنحنا الفرصة لنرى الأشياء من منظور آخر، يكون أكثر صدقا وأقل تزييفا. فالريح في معناها العميق هي ذاكرة الوجود تمر فوق المدن التي تَواجَدْتُ بها ذات زمن ، للعيش … العمل … الاستقرار … بدءا من البيضاء إلى سطات فأكادير ثم مراكش والرباط فمدينة زاكورة وانتهاء بمدينة الاستقرار الحالي، طنجة البهية. وفوق البيوت التي استوطنتها فيما مضى، لتحمل لي معها بقايا أصوات … أماكن … وجوه … كنت قد عرفتها.
ومن خلالها أبعث سلامي لأحبة بعيدين هنا وهناك، وأستقبل رسائل الذين سكنوا الغياب الأبدي. وكلما عبرت الريح وجوهنا، إلا ونشعر بأننا نتحرر قليلا من ثقل الماضي بكل ما فيه، ونحس بأن أجسادنا وإن وهنت، فإن أرواحنا ما زالت تعرف كيف ترقص على حافة الوجود وعندئد أتيقن أن الريح ليست فقط هي من تسقط الأوراق. وأن الزمن ليس هو من يُذبِل الورود، أو يسهم في فقده لرونقه. بل هي من تعيد إلى القلب قدرته على التحليق في فضاء الملكوت.
وعموما يبقى الفقد جزءا لا يتجزأ من التجربة الحياتية . وحين يُسْتَوعب فإنه يتحول إلى معلم للحياة، يعطي القلب قدرة على التعاطف ويهب الروح عمقا لا ولن يقاس فكل فقد كان مؤلما  يحمل بين طياته رسالة مفادها أن ندرك قيمة اللحظة، وأن نعيش بتقدير أكبر لما هو حاضر، وأن نفتح الباب أمام التجدد والنمو والرقي الداخلي .

طنجة . المملكة المغربية

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com