قصة بقلم عبد العزيز بنصالح…

قصة بقلم عبد العزيز بنصالح…
عبد العزيز بنصالح

زمن العهر…

بالاحمر:
مرت تسع سنوات على تخرجي من الجامعة، هذا زمن العهر وليس الشهادات، زمن الراقصات والمؤخرات والارداف الاصطناعية…
لبست بذلتي الصقيلة والقميص الابيض المشدود عند العنق ببابيون ازرق … كالعادة القت زوجتي لطيغة نظرتها الخبيرة على اناقتي …. تأبطت الاكورديون الذي شغفني وتعلمته في طفولتي بدار شباب الحي… خيرا صنعت اني تعلمت العزف على هذه الالة العجيبة… عند الباب لاقتني والدتي بنفس التقريع اليومي : اولدي شوفلك شي خدمة أخرى احسن من هذه … ماتفعله حرام في حرام … قلت لها بغضب شكون حرمو،هذا فن وثقافة، والدتي سيدة رجعية متخلفة تحسب العزف في الكاباري فسق والرقص عهر وفجر ….
وصلت الصالة التى استوطنت شرفة الشاطئ على تلة مرتفعة …. مكان يغري اصحاب الملذات واللاهثين وراء المتعة والنشاط… ضبطنا الصوتيات وسوينا آلات العزف … خرجت الراقصة خوخة بلباسها الذهبي شبه العاري اهتزت الصالة بالتصفيق والتصفير وشخصت العيون ترشق اللحم المنثور كانها سهام تخترق الجلد والعظم … كلما تمايلت خوخة وتلوت كحية رقطاء كلما تدفق صدرها الى الامام وشد اليه عيون الذئاب الجائعة وضجت الصالة وامتدت الايادى بالكؤوس وقناني الجعة الى عنان السماء…الاوراق النقدية بألوانها وفئاتها تتساقط على حلبة الرقص كاوراق الجشر وقت مواتها … سليوة، صبي الرقاصة وكاتم اسرارها يزحف على ركبتيه يجمع الاوراق المتساقطة … حين يشتد الحال بالسكارى يهجمون على الحلبة ينهشون لحم الراقصة خوخة المعروض للبيع ولكن بقواعد عرف النشاط، يتدخل رجال شداد غلاض ليعيدوا الامور الى نصابها ….
قدور، يقال انه مقاول كبير من محدثي النعمة، من رواد الكاباري المخلصين، يخصص له مكان بمحاذاة الجوق الموسيقي …. يتقدم في انفة وغرور يعتلي الحلبة وهو يلوح برزمة من الاوراق النقدية … يخصه الجوق بتحية خاصة: في خاطر الحاج قدور….قدور يزداد زهوا وانتفاخا … ينثر جزءا من الرزمة في الهواء ويحشر الباقي بين نهدي الراقصة…..
كنت اعود الى البيت مع بزوغ اولى خيوط النهار بغنيمة لا يستهان بها … لطيفة زوجتي على عكس والدتي ما كان يهمها غير ما اجنيه من المال اودعه لديها…. هكذا صار ايقاع حياتي مرتبطا بايقاع صالة الرقص …. بعد ان استيقظت ذلك العصر ، جاءتتي والدتي يبدو عليها التردد والحيرة…. جلست الى جانبي ربتت على فخدي، وقالت وهي تتحاشى النظر الي: شوف اوليدي دبا نتا قاد براسك ، نوض قلب على دار وكريها وهز مرتك….
قلت لها في ذهول : وعلاش الوليدة، واش لطيفة قلقاتك ولا خطات معاك الصواب…
قالت : لا اوليدي مرتك بنت الناس والله اعمرها دار
قلت : وفاينو المشكل….
قالت: الصراحة اوليدي مبغيتشي طعامي اطخلط بطعامك…. نتا فلوسك حرام، ونا ماقادا على حرام….
كان صيت الراقصة خوخة يزداد انتشارا وصار كاباري الميتروبول اشهر من نار على علم خاصة بعدما صار مقصد رواد جدد من وراء البحار والصحراء العربية…
بعد انتهاء سهرة السبت الباذخة استدعت خوخة رئيس الجوق ،عبد ربه ومسير الكاباري في غرفتها الخاصة… وجدناها بصدد تغيير بذلة الرقص، لم تتحرج منا حين كشفت صدرها الفائر امامنا، فقد تعودت على التعري… قالت بعد ان كرعت كأس الويسكي… هذه آخر سهرة لي معكم ، فقد عرض علي عقد عمل في احدى الدول العربية….
بعد ان غادرت خوخة تراجعت ايرادات كباري الصنور وهجره رواده الاسخياء….
لاحظت لطيفة شح ما كنت اعود به من مال ، كما لاحظت ضيقي وتخبطي …. قلت لها بعد ثلاثة اشهر من مغادرة خوخة الكباري صار على حافة الافلاس…. ضحكت لطيفة وقالت : واش لي خلق خوخة خلقها غير هي ، عطا الله الراقصات…. نظرت اليها بذهول ، وقلت: ونتي مين كدعرفي الراقصات….
قالت انا وحدة منهم….
قلت : ونتي كدعرفي دشطحي
قالت: قلي نتا، واش كاينا شي مرا مكدعرفشي دشطح
قلت لها في غضب : واش درب باباك الله … على آخر ايامي مرتي دشطح في الكاباريات…..
بعد شهر استعاد كباري الصنوبر شهرته، لطيفة تفوقت على خوخة في كل شيئ، في الرقص والغواية واستدراج القطط السمان … جرى المال بين ايدينا سيالا…. والدتي قاطعتني وتنكرت لي ….ففي الوقت الذي كانت تشتكي من الفيل ، زادتها فيلة….
بعد ليلة صاخبة وبعد ان انهت لطيفة وصلة الرقص غمزت لي …. تبعتها الى غرفة الملابس… تفاجأت حين وجدت الحاج قدور يدخن سيجاره… اجتحاتني عاصفة غضب كتمتها حين رأيت لطيفة وهي تكشف عن صدرها امام الرجل…. قالت لطيفة دون ان تكترث لوجودي: اسمع اسماعيل ، الحاج جابلي عقد عمل في الخليج … قلت لها بلهفة مزيان شكون كره يمشي اخدم على راسو واعمل علاش ارجع……
نظر الي قدور باحتقار وقال :لطيفة غادسافر بوحدها ونتا عندك شهر باش طلقها، وراك عارف اشنو يقدر اوقع ليك الى مطلقتيهاش…..
همت ما تبقى من الليل في شوارع المدينة اعيد شريط حياتي وصدى كلام امي يزلزل مسامعي ويخلخل كياني …. كنت كمن ايقظه كابوس رهيب….
ارتميت في اخضان أمي انتحب كما كنت طفلا…
قلت لها ارأيت ياأمي لطيفة التي ربيتها طفلة، غدرت بي…
ردت أمي وقد اطلقت تنهيدة اسف: صحيح انك ربيتها طفلة ولكنك لم تصنها ، اطعمتها حراما وقدتها الى الحرام…. الم اقل لك ياولدي ان طريق الحرام لا يقود الا الى التهلكة…. عد ياولدي الى طريق الله واسع الى رزقك بالحلال ، الله يبارك في الحلال…..

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com