خريفية العمر
حين يتكلم الصمت، تهب رياح الذكريات.
الورقة الثالثة

قد يأتي وقت في العمر لا يعود فيه الصمت هروبا من الواقع المعيش، بل يصير لغة أخرى للفهم ، للاستضمار…فنصمت لأننا أدركنا أن الكلام لا يغيِّر كثيرا ، وأن الفهم الحقيقي لايحتاج إلى أي ضجيج . ومع كثرة ما عشناه ونعيشه من انكسارات ، تعلمنا أن الهدوء يبقى أبلغ من أي خطاب . إذ في كل بدء نملأ الفراغ بالكلمات ، نبحث عن من يسمعنا ، يوافقنا ، يشعرنا بوجودنا ، فنلجه خريف أعمارنا ونتعلمها السكينة التي لا تستعار ، بل تكتسب مع مرور الزمن . ونقبل على الإنصات للذوات فنجري حواراتنا الشيقة مع أنفسنا في صمت مطبق ، بعد أن تهب علينا رياح الذكريات بكل نسائمها المتراوحة جيئة وذهابا من الألم إلى الأمل … ويغدو الصمت عودة متأنية إلى الذات ، إلى المساحة العميقة فينا ، التي نكون قد تناسينا وجودها ونحن نلهت خلف السراب . وعندما يضيق بنا العالم يكون الصمت هو أقصى درجات الصراخ المعقلن ، بل يكون هو【 أعظم قوة في الإنسان ، لأنه الكفيل بجعلنا نسمع ما تقول الروح 】 على حد تعبير دوستوفسكي .
في خريف العمر ، يصبح الصمت وطنا صغيرا نعود إليه، كلما أنهكتنا ريح الذكريات ، وحين نحط الرحال بدربه، سرعان ما نكتشف أنه ليس فراغا ، بل هو امتلاء بالنور الداخلي، نور القيم، الرضى، العزلة المضيئة، الدفء التام. وعندئد تهب علينا ريح الذكريات محملة بروائح الغياب، تلامس وجوهنا، تهمس فينا بقولها : أننا مجرد عابرين لهذا الفضاء الرحب. وأن ما نحسبه استقرارا، لا يعدو أن يكون هدنة مؤقتة بين محطتي عبور. وتكون الريح هي من يدربنا على فكرة الغد الجميل، الغد الذي لا يَقْتُل ، بل يطهرنا من كل تعلق مفرط بثقل الأشياء التي لم تعد لنا بالشبيهة. فنشعر بأنا أخف وزنا وأقرب إلى الجوهر، بعد تخلصنا من عبء أغصاننا اليابسة، فنكون ملزمين بأن نشكر ما مضى وولى ، لأنه علمنا كيف نواجه القادم، ونأمل في أن يكون الغد أكثر إشراقا واتزانا ووضوحا.
فليس الصمت بغياب للكلام كما يوهمنا البعض بل هو لغة الروح التي تفهم ما لا يقال . ففيه تتضح المعاني ، تتشابك التجارب ، ويصبح بالإمكان سماع النفس بصوتها الخافت ، الذي يتلاشى ، يغيب في ضوضاء الحياة اليومية، فيغدو تعلم الصمت تمرينا داخليا على الوعي وتحقيق التوازن النفسي .
طنجة / المملكة المغربية
