ضحكٌ في زمن الصمت

ضحكٌ في زمن الصمت
الجزيرة نت

الإنسان خُلق ليفكر، لا ليُصفّق

وميض السطح

   منير لكماني

تتلاحق المقاطع والصور على الشاشات كالأمواج، تثير الضحك لحظةً وتترك بعدها فراغًا طويلاً. يشاركها الناس بنهمٍ غريب، وكأنهم يبحثون عن معنى ضائع في زحمة اللهو. ما كان يومًا وسيلة للراحة صار غاية بحدّ ذاته، حتى غدت التفاهة عالَمًا قائمًا بذاته. بين ضحكة وأخرى، ينساب الوعي هاربًا نحو اللاشيء.

عبودية الترند

لم يعد الترند مجرّد موجةٍ عابرة، بل سلطة خفية تتحكم في الاتجاهات والمشاعر. يُقاد الناس نحوه كما يُقاد القطيع إلى الضوء، دون أن يسأل أحد: من يختار لنا ما نراه؟ وما الذي نخسره حين نضحك جميعًا على الشيء ذاته؟
تتحول المنصات إلى مسرحٍ ضخمٍ يعرض علينا أدوارًا محددة، نؤديها دون وعيٍ، ونصفّق في النهاية لأنفسنا.

انكسار المعنى

حين يُستبدل السؤال بالصورة، ويُقصى التفكير لصالح الإعجاب السريع، يضيع جوهر الإنسان. السخرية التي كانت يومًا شكلاً من الوعي أصبحت درعًا ضد الوعي نفسه. لم نعد نضحك لأننا نرى المفارقة، بل لأننا لا نحتمل الصمت. نضحك كي لا نفكر، ونتسابق نحو ما يملأ الوقت ولو فراغًا.

الفراغ المصنوع

الفراغ لا يُفرض على الناس، بل يصنعونه بأيديهم. كل ضغطة إعجابٍ على محتوى سخيف هي طوبة في جدار اللامعنى. ومع الوقت، يتحول الانتباه إلى سلعة، والعقل إلى متفرجٍ دائم. لا أحد يُجبرنا على ذلك، لكننا نختار السهولة على العمق، والسرعة على الفهم، والضحك على التفكير.

سقوط الجدية

الجدية اليوم تبدو كأنها خطيئة. كل من يتحدث بعمق يُتهم بالتشاؤم، وكل من يفكر يُقال له إنه “يُعقّد الأمور”. هكذا تُمحى المسافة بين الذكاء والسخرية، ويصبح المزاح لغةَ التواصل الوحيدة. حين يُلغى العمق من الحوار العام، تُختزل الإنسانية إلى تفاعلٍ إلكتروني بلا جذور ولا ذاكرة.

بذرة الوعي

النجاة لا تكون بمقاطعة الضحك، بل بترويضه. الضحك الحقيقي يحرّر لأنه يُضيء، أما الزائف فيخدّر لأنه يُعمي. أن نضحك ونفكر في الوقت ذاته، تلك شجاعةٌ نادرة. يبدأ الإصلاح من سؤالٍ بسيط: ماذا أستهلك؟ وما الذي يستهلكني؟
الوعي لا يُستعار من الخارج، بل يُزرع في الداخل بجرأة السؤال.

نداء المعنى

هل نضحك لأننا نعرف الحقيقة، أم لأننا نهرب منها؟
هل التسلية تخفف أوجاعنا أم تُخفيها؟
ربما لم يعد الخطر في الضحك ذاته، بل في نسيان ما يجعلنا نضحك. حين تتحول الشاشات إلى مرآةٍ لا تعكس سوى الفراغ، تصبح أول خطوة نحو النجاة أن نغلقها للحظة، لنسمع الصوت الذي خفت داخلنا منذ زمن.
ذلك الصوت الذي يقول: إن الإنسان خُلق ليفكر، لا ليُصفّق.

06/11/25 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

لا تعليقات بعد على “ضحكٌ في زمن الصمت

  1. شكرا الأستاذة الشاعرة الصحافية الكندية: زهرة منون ناصر على إثدار هذه الجريدة الراقية شكلا …ومضمونا .

التعليقات مغلقة.