قصة قصيرة
” الزفرات الأخيرة”
د. بلقيس الكبسي: (لندن اونتاريو)/ كندا
ثمة أحداث لا يمحوها النسيان، تنحتُ مآسيها في القلب، وثمة حوادث توشم في جدار الذاكرة لا يمكن نسيانها، تلك الذكريات المثخنة بالألم ما زال القلب مشبع بوجعها حتى اللحظة. يوم صاخب بالوجع، تتناوب أحداثه في الذاكرة بين الفينة والأخرى، كشريط وثائقي تعانقت فيه الملهاة بالمأساة. ليلة لا تُنسى رغم مرور السنوات، ظلت محفورة كندبةٍ غائرةٍ في القلب. ليلةٌ مزج فيها الفرح بالحزن، والضحك بالدموع، والاشتعال بالانطفاء.
ما زلتُ أتذكرُ ذلك اليوم، لم يكن يوماً استثنائيًا فحسب، بل كان مصيرياً بامتياز. يومها ابتعنا كعكة كبيرة، غرسنا على وجهها شموعٍ بألوان زاهية، حلوى متنوعة، عصائر ومشروبات مختلفة، وفطائر شهية. علقنا الزينة المتلألئة، وأطلقنا البالونات السابحة في الهواء. في المساء امتزجتْ أصوات الموسيقى ببهجة الحضور. نظر إلينا ببراءةٍ وهو يستعد لإطفاء الشموع، انحنى ببطء، شهق بتأني ثم أطفأها بزفرة واحدة.
ضج الحضور بالتصفيق، وامتلأ المكان بالتهاني والتبريكات والضحكات. بعد انتهاء الاحتفال انفضَّ الجميع، تاركين خلفهم فوضى عارمة: أطباق وكؤوس مبعثرة، وبقايا طعام متناثرة. نظرتُ حولي وأنا منهكة، أحمل جسداً مرهقاً لا يحتمل مزيداً من إعياء. طلبتُ من زوجي المساعدة، لكنه رد متأففاً: “أنا متعبٌ جدًا، قضيتُ اليوم كله في التجهيزات!” قاطعته ساخطةً: “وأنا أيضًا متعبة! لكن لا يمكننا ترك المكان هكذا!”.
بينما الجدال بيننا انقطعت الكهرباء، وساد الظلام. قام زوجي يتحسس طريقه في الظلام، لكنه تعثر ووقع أرضًا، فسقطت الأطباق والكؤوس مع صوت تحطمٍ مدوٍّ. هرعتُ لمساعدته، لكني تعثرتُ أنا أيضًا وسحبتُ معي غطاء الطاولة، انهرت أرضاً وانهار كل ما عليها، بعد جهدٍ أشعل زوجي ضوء هاتفه الخافت، فوجد بقايا شمعة صغيرة من شموع الميلاد. اشعلها فحلَّ بصيص ضوء كشف فوضى المكان، لكن صغيري الذي كان مستلقي على الأريكة ما إن رأى الشمعة تتقد حتى تذكر لحظة إطفاء الشموع وحفاوة التصفيق، فاقترب متلهفا، ثم أطفأها بزفرةٍ سريعة! انفجر زوجي غاضبًا وبلا شعور صرخ في وجهه بقسوة: ماذا فعلت أيه الغبي؟! لماذا أطفأتها؟! تجمد مكانه، نظر إلينا بحيرةٍ وألم، ثم همس بصوتٍ مكسور: ألم أطفأها جيدًا كما فعلت من قبل؟ لم نرد؛ كنا مشغولين بالظلام وجمع الفوضى من حولنا.
انطوى صامتاً، تراجعت خطواته ببطء، انسكب الحزن في عينيه، وغادر المكان متجهاً نحو غرفته- لم ننتبه له عندما التقط إحدى الشموع الملقاة على الأرض التي أشعلها على غفلة منا- استلقى على سريره، وأمام ناظريه شمعة تحترق، كما يحترق الحزن في قلبه، لم يجرأ هذا المرة على اطفائها، ظلت الشمعة تحترق بلهب ركيك، كأنها تشاركه حزنه، بينما تغرغرت الدموع في حدقتيه والحيرة بين عينيه تتساءل: لماذا تم عقابه على إطفاء شمعة واحدة، بينما تم الاحتفاء به على إطفاء عدة شموع؟
أسدلت حدقتاه ستارهما للمرة الأخيرة، لحظتها انسلت الشمعة وألقت بنفسها على سريره، ذابت الشمعة كما ذاب الوجع في صدر طفلٍ لم يُجد الشكوى ولا يُتقن عند الألم سوى الانزواء. ومن بين الرماد، لم نعثر على صوته، ولا على دموعه، ولا على حيرته، فقط عثرنا على آثار احتراق وبقايا حزنٍ وشمعة.
في ذكرى عيد ميلاده كان قد انطفأ، وبعض الانطفاءات رحيل بلا عودة، انطفأ بعد بكاء موجع بلا صوت أو سابق إنذار كما تنطفئ الشموع بعد انقطاع دموعها ونفاذ فتيلها، انطفأ لأننا لم ننصت إليه، لم نهتم أو نشعر به وهو يحترق. لم يكن بحاجة لتكاليف باهظة، ولا لاحتفالات صاخبة، كان يحتاج لقلوبٍ مخلصة تحيطه بالرعاية والاهتمام، لكننا انشغلنا بتحضيراتٍ لم تكن تعنيه بقدر ما كانت رغبة في تباهينا أمام الآخرين، ولحظة كان يخبو كنا منشغلين بجمع مخلفات ذلك التباهي، أعددنا كل التفاصيل والمتطلبات للاحتفال، ونسينا أن نحضر له قلوباً مفعمة بالحب والرعاية والحنان تحتفي به.
مازال خياله يلوحُ في زاويا غرفته، ما زلنا نسمع صوت زفرته الأخيرة، كأنه ما زال يحاول اطفاء شمعة،
أما نحن، فلم نعد نحتفل بأعياد الميلاد بتاتاً. لأننا لم نعد نستخدم الشموع التي تنطفئ بزفرة عابرة، بل ظلتْ شموعنا تحترق بلا انطفاء، رغم زفرات الألم التي لم تتوقف إلا أنها لم تستطع أن تطفئ حرائق قلوبنا.
