خواطر امرأة
” عن الإبتسامة أحكي “
الحكي الخامس والأخير
دبامجة مدخلية
عندما نكتب فنحن لا نسعى الى تقديم حقيقتنا في مواجهة الآخرين، أو نروم إنصاف زاوية ما من حياتنا. لأن الكتابة في جوهرها فعل مُحَرٌَرٌ، منقد من كل القيود، نمارسه، نغوص فيه بدون أي انتظارات. وبمجرد ما نضع أنفسنا في ركب الكتابة، فإننا نكون خارج كل الأسوار ونكف عن كل التحفظات فنجد أنفسنا وقد اخترنا فعل الكتابة، كاعتناق للحرية، للبوح، للحكي، لتجاوز الذات، وأن نُشْرِك أحبتنا ونتقاسم معهن ومعهم كل ما نحس به، بعيدا عن أسوار الحشمة المنغلقة في أثون التقاليد
أو الانزلاق في الرياء الإجتماعي، وبعيدا عن كل شح في الإفصاح عن الدواخل، وهو ما يضفي على الكتابة الكثير من الصدق والصراحة.
في زحمة الحياة
ثمة لحظات مميزة جدا، تنبع من لاشيء، فتزرع في القلب ابتسامة ساحرة وتترك فيه أثرا عميقا، بعد أن تأتي رسالة صامتة معلنة عن لقاء روحي، عن لحظة عابرة في مساحة هي أوسع من جغرافية المكان، وأرحب من تضاريس الزمان. إذ يكفي أن يمر طيف ما في الخواطر يدغدغها، أو تهب عليك نسائم همس في ثنايا ذاكرة متعبة لتوقظ فيك صفاءً يشبه خشوع صلاة صامتة، بين روحين لم يلتقيا وجها لوجه، لكنهما تعانقا في ملكوت السموات، فتنفتح في الروح نوافذ البهجة المستدامة في
غفلة عن أعين الرقيب المتلصص …
أجمل الابتسامات.
لعل أجملها التي تأتيك بلا موعد، تومض فيك حين يُذَكرك موقف ما بمن غاب، أو تتسلل صورة معينة مخترقة تفاصيل رتابة يومك، فتشرق على وجهك إبتسامة صافية، خالية من كل الحسابات وحتى الانتظارات، هي بسمة تتجاوز حدود كل الحدود لترفعك نحو عوالم أرحب .. أنقى، أوسع … حيث تقوم اللقاءات على الأرواح عوض الأجساد . وحين يمر بك طيف شخص بعيد بخاطرك، لحظة عابرة، ذكرى صغيرة، موقف عادي … فَيُشْرَع باب الغبطة والسرور وتتولد الإبتسامة مع نسائم الفجر لترفعك فوق حدود الوقت، وتشعر أن الأرواح في لقاء بلا جسور، وأن الحضور الروحي أصدق، أبلغ، أعمق … من أي لقاء .
الإبتسامة الصادقة.
وهي ليست علامة تطبع على الشفاه فقط، إنها نبض الروح حين تعترف بأن الحضور الأعمق والأسمى لا ولن يقاس بالقرب، بل بالقدرة على أن يُسْكِنْكَ الآخر في قلبه ولو من بعيد لبعيد في مساحة هي أوسع من كل مكان وأطول من أي زمان.
ثريا الطاهري الورطاسي
