خواطر امرأة

خواطر امرأة

حين تزهر السكينة في ظل العواصف

الحكي الرابع/ الجزء الثاني:

4 – الهدوء بعد العاصفة

لم تكن العاصفة مجرد حدث عابر ، ولا هي كذلك بل كانت اختيارا للروح ، لمدى صدقي مع نفسي، كانت صاخبة ، مربكة ، مؤلمة ، ومع ذلك لم أخرج منها خاسرة ، تجاوزتها وأنا أقوى، أعمق، أهدأ ، ولم يكن ذاك الهدوء مني سكونا ولا هروبا . بل كان من أجل إعادة ترتيب كل الأوراق ، كان سلاما وطمأنينة، كان رائحة الأرض بعد سقوط المطر أو سقي الاغراس . تعلمت معها كيف أضع الفواصل التي – قد – لا يراها الآخر. تعلمت أن أغادر بلطف، أن أعيش دون ضجيج ولا ضجر، وأنا أقلبها صفحات كتابي الستيني تباعا. لم أعد مجبرة على أن أفسر قراراتي، مواقفي لكل من لا يفهمها. ولم أعد أخجل حتى من قول ( لا ) أو ( هذا لا يناسبني ) . وأصبح هدوئي قوة ناعمة، فيها حكمة التجربة، صبر القلب، نظرة إمرأة قررت أن تكون لنفسها وأسرتها وعائلتها، قبل كل شيء .
وفي بيتي “الطنجي” أنا مع كتبي، كناري، صوتي الداخلي، شدو فيروز، قراءاتي، أحلامي الصغيرة التي أعيد ترتيبها في كل وقت. لم أعد أنزعج أو أغضب بعد ادراكي أن التعافي من العاصفة  يجعلك تتجاوز كل الأصوات العابرة كيفما كانت ومن أي جهة جاءت . فصرت أعرفني حق المعرفة، أعرف أين كنت وأين صرت، وهي معرفة لا يملكها أحد سواي.

5 النجاحات التي لا يراها الآخرون.

ليست كل النجاحات ضجيجا، فقد يحدت بعضها في أعماقنا بصمت داخلي، لا يكاد يشعر به أي كان. ففي مسار حياتي، تلقيت التهاني، تسلمت الجوائز، وصلتني الهدايا … لكني نلت ماهو أعمق وأسمى بكثير، إنه كرامتي، تقديري، محبتي، شفائي من كل الآلام، وقوفي على قدمي بعد كل انكسار … غير أن أهم إنتصار لي كان يوم توقفت عن لوم نفسي، واقتنعت بقولها تلك الكلمة السحرية ( لا ) لأطفاء لهيب الدواخل دون خوف أو تردد ، وقلت إني لقادرة على التجاوز، بعد أن :
* نهضت من فراشي ذات صباح رغم ثقل الخيبة.
* غادرت مجالات جغرافية أحببتها ، لأنني احترمت نفسي كثيرا وطاوعتها في اختياراتها.
* أكملت حديثا كنت على وشك أن أقطعه بالدموع.
* ابتسمت مع نفسي مرددة، لن يُنَقٍّصَ أي شيء من قيمتي، ومما كنته ولازلت وسأبقى عليه الى ما لانهاية.
* رجعت لكتاباتي وتدويناتي وخواطري، أصوغها وأعيد ترتيبها لأفرح نفسي وأخفف عنها.
وهذه جميعها نجحات لا تكتب في السِيَّر، غير أنها تُسهم في البناء الشامخ للأرواح، وكيف لا وهي من شَكَّلت المرأة التي أنا عليها اليوم، بهدوءها، قوتها ، صمودها … بعد أن [ قاومت فيها ضعفي، وسامحت دون أن أنسى، ومشيت وفي دواخلي ثقل العالم …] . فكانت بحق نجاحات انتشلتني مما كنت فيه وعلمتني أن أحتفي بنفسي ومن خلالها أسرتي، أحبتي، معارفي.
* أهنىء قلبي كلما اختار الخير رغم الألم ، وعانق الإبتسامة البريئة.
* أربت على كتفي قائلة : هذا نصر حتى لو لم يره أحد.

6 نحو بداية جديدة .

في البدء ظننت أني وصلت إلى النهاية ، حين أغلقت أبواب الألم بعد أن ضاق صدري من كل شيء كنت أظنه ثابثا ، فكنت دوما أعود للبداية ، إلى النواة الصغيرة المستقرة بأعماق قلبي، والتي تقول لي همسا ” أنت ماخُلِقْتِ لتنكسري، بل لتكبري على الدوام ” فكل ما مر بي لم يكن ختاما بل كان عبورا إلى شكل جديد مني، لم أكن أحسه  شكل أكثر رصانة، صدقا، شفقة على الذات، دون ضعف.
تعبت نعم … لكني لن أنهار، وأنا التي تعلمت كيف أرتاح، أتجدد، أنبعت فينقا من رماد الخيبة، فصرت أرى الناس كما هم، لا كما أتخيلهم أو أتمنى أن يكونوا. لقد بدأت من جديد، لا بخطط كبيرة، بل بخطوات صغيرة واعية ومتزنة. بدأت من طقوسي اليومية، كأس القهوة المنعش الذي يتوج فطوري الصباحي، القيام بواجبي المنزلي، رغم صعوبة المناولات اليدوية، الإهتمام بحديقتي المنزلية، كتبي التي تلهمني وأستمد منها طاقاتي الإيجابية، خواطري التي أدونها دون رقابة أو خجل، كل ذلك يٌزيدني إشراقا وعزة وبهاءً، ويجعلني أسمع صوتي الداخلي دون تشويش، وأتمعن متدبرة ومرتلة لما استضمرته من الذكر الحكيم، مع سكون الليل وروعته، فأحادث نفسي بصوت مسموع :
” أنت أيتها الثريا بألف خير، لأنك اخترت نفسك ومحيطك”.
وأنا اليوم أسعى للبحث عن الإستمرار، التجدد، العطاء ، العيش كما أنا لا كما يريده الآخرون أو يتمنون أن أكونه .
ولعمري أنها بداية إمرأة تدرك تماما أنها تعيش فصولا من رحلة نحو النور … ستظل دائمة وأواصل معها الاكتمال.

ثريا الطاهري الورطاسي
غشت 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com