حكمة الصمت
الصمت حالة تتجاوز حدود اللغة
كلام للبدء

في عالم يعج بالضوضاء والصخب والتشويش. زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة بعيدا عن كل زيف ورياء اجتماعي. أماكن يظل صمت القلب وعمق الروح منبعا خالصا للطمأنينة والنور. في هذه الزحمة تنبعث من الأعماق أنغام صامتة تضيء سماء الروح، تهمس بحكايا المحبة. فكل ذلك يدفعني الى التوقف عند ” حكمة الصمت “.
الصمت عند الحكماء
يقول جلال الدين الرومي: [في لحظة الصمت، تسمع موسيقى الروح، هناك حيث تنتهي الكلمات، يبدأ اللقاء الحقيقي] ، فالصمت لا يعني – فقط – عدم القدرة على الكلام، بل هو حالة نتجاوز فيها حدود اللغة، لنصل إلى تجربة هي أعمق للذات، لأنه بوابة اللقاء الحقيقي مع الله، هو مصدر للسكينة والسلام الداخليين. وبالتالي فهو حالة ربوبية عميقة تتجاوز حدود الكلمات، وهذا لا يعني غياب الصوت فحسب، لأننا عن طريقه نلج الفضاء الرحب، حيث نلتقي مع ذواتنا الحقيقية ونشعر بالسلام الداخلي، ونبدأ مسيرة اللقاء الحقيقي مع المعنى الأسمى ونعانق الحقيقة بلا حاجة إلى أي نطق أو تعبير، في زمن غارق – ويزداد غرقا – في ضجيج الكلمات، حيث نحاصر بوابل من أصوات متنافرة، فيغدو الصمت خيارا موفقا وعميقا، وليس هروبا، فراغا، خواء كما قد يوهمنا البعض، فهو امتلاء بالحكمة، التروي … ووفاء للمشترك بين االأحبة، ولذلك يرى بعضهم أنه جوهرة مخبأة في القلب، ولغة تتجاوز كل الحروف وتسبق أي نطق. ومن جهة أخرى فهو ذاك الامتلاء الأخير الذي لا ولن يحتاج إلى أي تبرير، فحين نصمت.. فنحن لا نتنازل عن أصواتنا، ولكنا نختار أن نُعطي لأنفسنا فرصا لسماع الصوت الداخلي ونفتحها بوابة الاستماع للهمس العميق الذي كثيرا ما يغرقه الضجيج الخارجي ويعيق عمليتي الاستماع إليه وتأمله.
حين يصبح الاختيار خلاصا (صمت الإنسان)
حين يختار الإنسان ركوب الصمت، فليس ذلك من باب الهروب أو الانسحاب، فقد يكون ذلك فعلا من أفعال الحكمة والتروي. فالكلمات حين توظف في غير موضعها، تفقد قيمتها وتغدو رمادا تطوح به الرياح الى البعيد. أما الصمت فإنه يحفظ الهبة ويصون المعنى، وفيه ومن خلاله يلتقي المرء بذاته المُشْرَعِة على الصفاء، الوضوح، فيستمتع بحواره الداخلي، ويكتشف ذاك العمق الذي ظل متواريا ومحاصرا في زحمة التغول القاتل. ويستحضرني هنا ما كان قد ذهب إليه جلال الدين الرومي، عندما أدرك ذاك السر قائلا 【 حين يصبح البحر هادئا، نسمع خرير الأعماق 】 فهكذا هو الإنسان في صمته: مرآة لأعماق لا ترى حين يعلو الضجيج، ولكنها تحس.
وكم هو صائبة الحكمة القائمة على الدعوة إلى القول: لا تبحث عن نفسك خارج نفسك، فأنت بحر لا نهاية له، كل موجة فيك تحمل أسرارا جديدة. ففيها نصح بالسفر الدائم إلى الداخل لاكتشاف الذات الحقيقية وتجاوز المظاهر الخارجية. فالذات هنا كالبحر الواسع لا حدود له وكل لحظة هي حاملة لفرص اكتشاف جديد ورؤية أعمق بكثير ما أحوجنا جميعا إليها.
حين تنطق الجغرافيا (صمت المكان) .
للمكان صمته الخاص، صمت يتسلل إلينا في فضاء رحب، أطلال مهجورة، زوايا الحي القديم، غرف بيتنا المنسي، ممرات مقابر هجرناها من زمان … فقد نتخيل أنها أماكن جامدة أصابها الخرس، بل لها ذاكرة تحتفظ بصور من ارتادوها وهمسات من عبروها، وتخفي بين حناياها أسرارا صامتة. فمن يقف عند أطلالها أو بقاياها متأملا، لا شك أنه سيسمع أصواتها العميقة التي تفيض حكايا، في انتظار أن يزول عنها الغبار فتكتشف لتكتب وتبقى شاهدة على أنه كانت هناك حياة خاصة. ولا أخال الصمت إلا ذاك القلم المخول له أن يعبر، يحكي، يكتب تاريخ كل الأمكنة بعيدا عن أي تشويش.
حكمة العبور (صمت الزمن) .
أمام كل ما تقدم يبقى الزمن هو سيد الصمت، يمضي، يمر، يتلاشى … فلا يُرَى ولا يُسْمع، لكنه يترك بصماته في القلب، الذاكرة، الأحاسيس، الوجه … صمته رهيب، موحش لأنه صمت القدرة والتحول لا التغول، فالزمن لا يجادل،لا يُأَوِّل لا يصرخ، لا يفتري … لكنه يغير كل شيء بهدوء مطلق وتَرَوي معقلن. فالزمن صامت، لكن أثره أصدق من الصوت – على حد تعبير جلال الدين الرومي – ومنه يمكن أن نفهم أن الزمن يدعونا إلى التعلم بالسكوت أكثر مما نتصور، وأن الإصغاء إلى حكمته يحتاج قلبا متفهما ساكنا، مثل نهر عميق. ومهما حاولنا الهروب عن الصمت ومنه فإنا بالعودة إليه. فمسيرة خلق الانسان تبدأ من صمت الرحم، وتمتد إلى مغادرة الحياة في صمت القبر، وبين الصمتين تتوزع أصواتنا وتنتشر، غير أنها لا تُلْغِى أبدا الحضور الخفي للصمت المرافق لنا كظل أبدي. وقد قيل قديما أن الصمت ليس عجزا عن الكلام، بل هو امتلاك للمعنى قبل أي تصريح به، ويكون أحايين كثيرة أبلغ من أي خطاب.
خلاصة
وعموما ننتهي إلى القول إذا كان الكلام زينة العقل فإن الصمت حكمة الروح والشرفة التي منها نطل على ما وراء الظاهر، وهو أيضا اللغة التي لا يفهمها القلب بلا وسيط، وكم هو جميل وبليغ أن تكون لنا القدرة على الإصغاء، وتجاوز الضجيج الذي يغرق حياتنا، ونقف متأملين عند الصمت الذي يعلمنا كيف نفهم أنفسنا أولا قبل أن نفهم الآخر، وحتى نتمكن من سماع أصوات الوجود في عمقها الأبعد والأشمل والأطهر.
وأخيرا فالصمت ليس ثروة مادية، بل هو نور داخلي، ولحظة تُعَلِّمُنا الإصغاء إلى الذات والآخر على حد سواء.
