في حضرة الصمت

في حضرة الصمت

حكي الأماكن وصدى الذكريات 

المختار عنقا الإدريسي

للبدء مقام:

هناك لغة لا يجيدها الكثير من الناس، غير أنها تحيط بنا جميعا وتَلُفنا في كل الأزمة، إنها لغة الأمكنة، البيوت، الأبواب، الشرفات، الأرصفة، المقاهي، المقابر … جميعها تتحدث إلينا بحكي مختلف الطعم والألوان، تبعا لنوعية المعني بالحكي وللمجال المتحرك فيه ولما يحمله المخيال من ذكريات. يتحدث إلينا بلغات لا تحتاج إلى كلمات، لأنها تمطت صهوة الصمت المثقل بالإشارات والعبر والمواقف، لغة الأثر الذي يظل حاضرا فينا رغم غياب أصحابه – الطوعي أو القهري – . فأجدني قد اخترته قبل أن يختارني، الإصغاء إلى دواخل ذاك الصمت، للتوقف أمام كل التفاصيل التي أمُرُّ بها وأعيشها يوميا، دون أن أكون قادرا على منحها الفرصة، وما الحكي هنا إلا تأملا وقراءة لذاكرة الأمكنة، كما تتجلى في حضرة الصمت، حيث يصبح الفراغ، الغياب، التخلي، أكثر فصاحة من أي لسان وأبلغ من أي تعبير، ويغدو معها الظل والأثر أعمق من كل الصور، والخطى المنسية أو المتناسية أصدق من كل مايروى أو يتخيل. ويبقى الإصغاء إلى المكان – عموما – ليس هروبا من الواقع وإنما بحثا عن ذكرى من كانوا به متواجدين، في آثارهم طهرهم، محبتهم، وكل ماتركوه من علامات ومشاهد راسخة في سِفْرِ الزمن وصيرورته، خاصة إذا لم يسعفهم العمر، الرغبة، الوقت في الصدح به.

1 من حكي الأمكنة إلى صمت الناس.

تمة أمكنة تروي أكثر مما يفعل البشر، حين يصمت الجميع، يظل الحجر ناطقا وتبقى الجدران حافظة لما أسقطه النسيان عمدا، أو غلبته السنوات العجاف. وتبقى الكلمات التي يتفوه بها البعض أشبه بدوامة الموج، تأتي وتمضي، تتغير مع الرياح والأهواء وتبعا لحركتي المد والجزر – كما تعلمنا في الجغرافيا المناخية – بينما لغة المكان تشبه البحر نفسه، ثابتة في عمقها، حتى وإن تغيرت على السطح أو على مقربة من الشاطيء.

الأمكنة لا يمكن أن تكذب
فهذا رصيف متآكل على زاوية شارع قديم، وتلك بوابة مغلقة على الدوام، وذاك بيت يكاد أن يكون مهجورا، بزجاج نافذه مكسور سمح باستيطان “حَمَامِ خَلْوِي” … كلها علامات باقية بقاء الزمن. مؤشرات ناطقة بأشياء لا تبدو للعين المجردة، ولكنها تلمس بالأحاسيس، تحكي عن حياة مرت من هنا.. واستقرت هناك. وتلك ساحة”حي الرميلة” أضحت خالية بعد أن كانت تعج بالباعة والأطفال ولعب كرة القدم … وصارت تحمل في ثنايا فراغاتها صدى خطوات غابت ورحلت إلى العالم العلوي، وذاك” فران الجيلالي” شاهد على صدق ما قيل من حكي وما بقي ثاويا في الدواخل.
فقد يُجَمِّلُ بعض الناس حكاياهم بما يحلو لهم ويخدم مصالحهم، أو يطمسونها لتذهب مع الريح – على حد تعبير مارغريت ميتشل– وقد يتغير حكيهم، كلما غير الزمن وجهه. أما الأمكنة فهي الحافظ الأمين للروائح العالقة في المسام، للألوان الباهتة بفعل التغيرات الجوية، وحتى الشقوق التي سمحت بنشر تلك الحكايا قد يُعْمَد إلى سدها، حتى لا تجود بما تختزنه من ذكريات وتذكرات ملتهبة فتصير كتبا منزوعة الأوراق، شوارع ضيقة تنحني فوقها الشرفات، تروي قصص العائلات المتجاورة، تتبادل التحايا وتهاني الأعياد وتقاسم فُطُورَاتِها المميزة. وحين نقرأ الأمكنة فنحن لا نتأمل الحجر أو الخشب فقط، بل نصغى إلى زمن صار غارقا في الصمت بعد رحيل”الوالد” الصبور، الكتوم، الذي لا يراوغ ولا يخادع. وغياب “الوالدة” المرأة الحكيمة التي سبقت عصرها بكثير – على حد شهادة كل معارفها – ليزيد من حدة الغياب التحاق إخوتي – كل بما كان عليه من شمائل – بالرفيق الأعلى .فبقيت الأمكنة خير سارد لحكاياهم ببطء، بصدق، بمداد لا ولن يمحى أبد الدهر، مفتوحة، مشرعة، وضاءة لكل من يبتغي و يعرف كيف يقرأها ويستضمرها.
لهذا فنحن حين نتوه بين الحقيقة والوهم، أو حين تتنازعنا الرغبات، الاتجاهات، الروايات، يكون انصاتنا للأماكن فعل انصاف واحقاق حق ويصير مفتاحا لكل فهم حر، بريء، بعيدا عن التقول أو التغول والافتراء. فحكي الأمكنة لا يتطلب تنميقا ولا تصفيقا ولا إشادة مغرضة، ولا يسعى للتبرير، بل ولا يخشى أن يُسَاء فهمه. فيكفي أن نستنطقها لتبوح بالحقيقة كاملة غير منقوصة، لتظل واقفة، شامخة، شاهدة تراقب افتقادنا القسري أو مرورنا العابر وتنتظر سؤالنا الحق.

2 حين يصمت البيت 

حين يصمت البيت، فذاك لا يعني أنه خلا من الحياة، فما أن تعبر عتبته حتى تستعيد مقاسات ماضيك، فتتخيل الأبواب أكبر، الغرف أوسع، الأفرشة أجمل، الأواني أروع، التجهيزات عصرية. إنه البيت القديم، يجعلنا نتذكر، نتخيل، تمر علينا أشرطة الذكرى بسرعة فائقة، نسترجع مراحل عمرنا بكل تلاوينها، نحفظها من الضياع، كما تحتفظ الخزائن بالكتب الصور القديمة، تخبؤها بصمت حتى إذا رجعنا، أعادت الينا ما ظننا أننا فقدناه. فيبدأ في همس ما لا يمكن سماعه في صخب الحي وضجيج الآخرين. وتتحول غرفه الفارغة إلى مرايا تعكس وجوه من كانوا هناك ورحلوا . والنوافذ المغلقة تصير عيونا تراقب في صمت وتنتظر يدا ممدودة لنباتاتها وأغراسها ، بالسقي والاعتناء . في صمته يعلو صوت كل التفاصيل الحياتية، مواء القطط، زقزقة العصافير، طنين المكيفات، ارتجافة الباب،  عطر الصباح، نسيم المساء …

كل هذا يحكي عن بيت له قلب يخفق ببطء، وكأنه ينتظر أن يوقظ الأحياء من انشغالاتهم وسرقات الزمن لهم. ويأمل أن تبعث الروح في من رحلوا أو تغيبوا. وفي انتظار ذلك فالبيت يعرف كيف يخفي أسراره في عالم الصمت والسكون واللامبالاة ، ويكشفها بسخاء حين يهدأ كل شيء. ولهذا فمن يود أن يَفْهَم حكيه عليه أن يزوره بقلبه وكيانه لا بجسده فحسب، وينظر إليه – ولو من بعيد – صاغيا لشكواه، حتى يكتشف أن الفراغ ليس صمتا بل هو امتلاء من نوع آخر قد يُصْعَب فهمه.

3 الباب الذي لن يغلق

هناك أبواب تظل مفتوحة حتى وهي مغلقة بالمزلاج والمفتاح، أبواب بيتنا القديم – الذي أضعنا مفاتيحه – سيظل حافظا لأصوات من سكنوه، لأصواتنا في تجمعاتنا من الأبناء إلى الأحفاد، في ضحكاتنا، دموعنا، تجمعاتنا.  وكأنه يتوقع عودتنا – بعد تفرقنا – ذات يوم أو في لحظة عابرة. البوابة “رقم 70 ” ليست خشبا أو معدنا أو صباغة فقط، بل هي ذاكرة عبور وشاهد على من دخل وخرج . فأتخيلها – وأنا البعيد المشتاق – كأنها تناديني، تحذرني، تطلب مني أن أطرقها بخفوت، لأني أحن إلى خبز أمي، كأس شاي أمي، أكلات أمي الشهية، حديثها المشحون شجنا … وكأني ب “بيتنا القديم” لازال يضم بين جدرانه وفنائه حياة مازالت تتنفس وتأمل عودتنا جميعا.

3 المقابر التي تحرس كل الحكايا

قد تبدو المقابر لزائريها عنوانا للصمت، لكنها ليست كذلك، فهي مكتبات بلا كتب، وكل قبر فيها هو عنوان لقصة مؤثرة، قصص تظل طي
الكتمان لأن أصحابها غادروا دون أن يدونوها أو يحكوها كاملة، ولذلك ستظل قبورهم/ قبورهن تحرس حكاياهم، تحميها من التناسي، تترك لنا مهمة البحث عنها فيما تركوه من أثر، أو فيما تتركه الأماكن التي كانوا يرتادونها من همس، فتأتي العصافير لتعزف ألحانها الجنائزية الخاصة بكل منهم، لحنا لا ولن يتكرر أبدا. وممن يصغى جيدا قد يكتشف أن قبورهم (ن) تعرفنا أكثر مما نعرفها نحن.

خاتمة القول

في النهاية فلا الأمكنة ولا البشر يملكون الحكاية كاملة، غير أن الأمكنة تبقى أشد حرصا على حفظها من كل تشويه، تلف، ضياع. في صمتها الأمكنة تترك لنا مفتاح ظل الشجيراة..الأَسِرَّة المهجورة، الخزانة المنسية، الوقوف بالباب … ونبقى نحن الذين نختار ان نلتقط هذه المفاتيح / الذكريات، أو نتركها عرضة للضياع. وسيبقى حكيي هذا وذاك محاولة لفتح أبواب الذاكرة المكانية، لالتوثيقها توثيقا جامدا بل لإعادة الحياة إلى مانعتقد أنه ولج مرغما دوامة الصمت. ولأن الأمكنة في النهاية لا ولن تصمت إلا لمن لا يعرف لغتها ومنطوقها الساكن.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com