قصة قصيرة للكاتبة المغربية فاطمة البسريني

قصة قصيرة للكاتبة المغربية فاطمة البسريني

في مقهى (لاكوميدي)

في مقهى (لاكوميدي) بمدينة الرباط، هذا المقهى المفضل لدي للتأمل والتفكير في أحوال الرائحين، الغادين ، والذي قد يستفزني أحدهم من هؤلاء برنات ضحكاته أومن خلال هيئته، أو طريقة مشيته لتلهمني بعض الأفكار والكلمات.
توقفت على باب المقهى، أنا لا أعرفها طبعا، وجالت ببصرها بسرعة، لتنفرج أساريرها فيما يشبه ابتسامة وهي تتوقف عندي بنظرها اللامع.
استعذت بالله، فانا لا أريد إزعاجا من أحد في هذا الصباح الباكر، ولا أعرف من هي هذه المرأة التي تبدو عادية وغير عادية في نفس الوقت، كما أنني غريبة في هذه المدينة ولا أعرف بها أحدا سوى بعض الأشخاص الذين يمتهنون نفس مهنتي، والذين لا ألتقي بهم إلا إذا كنت هنا في زيارة من أجل العمل.
قالت بحماس:
ــ صباح الخير.
نظرت إليها في استغراب ولامبالاة وأجبت مفتعلة عدم الاهتمام بها:
ــ صباح الخير.
وأبعدت عنها نظراتي تجاه فنجان قهوتي،وقد بدا أنني لا أريد أن استمر بالحديث إليها.
أشارت مصممة إلى الكرسي الشاغر قربي وأضافت واثقة من نفسها :
ـــ هل يمكنني أن أجلس قليلا؟
أجبتها بتجاهل وعدم اهتمام :
ــ تفضلي،
وأردفت أمام تعبير الاستنكار الذي علا وجهها لعدم ترحيبي بها موضحة:
ــ المقهى لأصحابه، وأنت يمكنك أن تجلسي أينما تشائين.
ألقت علي نظرة متفهمة وهي ما تزال واقفة، وقالت ملحة:
ــ لكنني أريد الجلوس هنا بالضبط !
أجبت بغيظ :
ـــ قلت تفضلي !
وبين نفسي استعذت من هذا الصباح، وأرشقتها بنظرة صارمة، مستبعدة توقفها عن المزيد من الحديث.
جلست أخيرا، وظلت صامتة لمدة وهي تنظر إلي نظرات تحمل معان كثيرة،  وكأنها توبخني على عدم تبادل أطراف الحديث معها، لكن لم يكن في نظراتها تلك أي سخرية أو استهزاء بل بدت وكأنها تنتظر أن أبادرها بالكلام.
قلت على مضض:
ــ تفضلي أرجوك ، لكن باختصار، فأنا لا أريد الحديث الآن فأنا منشغلة بأشياء أخرى وسأقوم بعد قليل.
قالت في حزم وقد أخذ وجهها وأطرافها وملابسها باللمعان شيئا فشيئا :
ـ أعرف، اعذريني، أضعت عليك اللوحات التأملية التي تصنعينها وأنت تراقبين المارة في صمت،
بهتت، قلت لها غير مصدقة:
ــ كيف؟ كيف توصلت …؟
قاطعت كلامي بلهجة حاسمة هذه المرة أيضا:
ــ أنت تتعبين نفسك كثيرا من التأمل والتفكر في أحوال أشخاص معينين، دعيني أخبرك أنهم من برج الحمار!
هل سمعت يوما بهذا البرج ؟.
شعرت بالغيظ والقلق في نفس الوقت وأجبتها في دهشة من أمرها:
ــ لا أبدا، أنا لا أهتم للأبراج ولا أعرف شيئا عنها ولا أعرف برجي حتى يا سيدة …
ازدادت لمعانا وأشعة بلورية تنبعث من ملامحها أو هكذا هيئ لي.
قالت بصوت عميق، أو لأنها قامت بخفضه فجأة جعله يبدو لي كذلك:
ــ برج الحمار هذا، هو صنيعة هذا العصر الذي نعيشه. دعيني أخبرك أنهم يتجاهلونه ويظهرون عدم معرفتهم به، لكنه باديا عليهم بوضوح ، فقوة الحمير وأعني بهم الأغبياء تكمن في أنهم كثيرون.
تبادرت إلى شفتي ابتسامة تدل على نصف فهم وسألتها بعد صمت:
ـــ من هم أصحاب برج الحمار هؤلاء، أنا لا أرى أحدا منهم.
أشارت برأسها إلى خارج المقهى وقالت في ثقة من أمرها:
ــ هم حولك في كل مكان يا سيدتي .. ألا تفاجئين من وجود ناس لا يعرفون هدفهم، ويركضون في كل الاتجاهات دون فهم لما يجري ، أو لما يقومون به،  وقد فقدوا كل مرتكز أخلاقي.
اتركي التفكير بهم، فذلك يقض مضجعك دون طائل،  فلن تغيري ما بهم مهما فعلت !
أذهلني تفسيرها للأمر بتلك الحنكة وأدهشتني دقة نظرها.
كنت سأسألها ( من أنت يا سيدتي؟)
ظل السؤال معلقا في حلقي وهي تضع أصبعها الجميل على فمها في طلب صمت وقالت :
ـ لا تسأليني من أنا؟
أنا مثلك تماما،عانيت من غباء ناس برج الحمار الكثيرين حولي،  وقلة احترامهم وتصرفاتهم غير المعقولة بتاتا وتعبت منهم.
استطردت :
ــ لما رأيتك تعانين وأنت تتأملين أفواجهم الرائحة الغادية، لم أطق صبرا،  وقلت لنفسي إنه من واجبي إنقاذك من ذلك الهم والتعب من أجل لاشيء.
لا تتعبي نفسك،لا تتعبي نفسك..
وضعت رأسي بين يدي أفكر للحظة في كلام المرأة اللامعة، ولما رفعته لأسألها، لم أجدها قربي.
بحثت عنها حولي لكن لا وجود لها، قمت بسرعة إلى خارج المقهى أرسل نظري عبر الشارع في قلق تحت نظرات استغراب المارة، لكنني لم أجد لها أثرا.
منذ ذلك الحين، تفقهت في أصحاب برج الحمار،  ولم أعد أهتم لهم لا من بعيد ولا من قريب. 

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com