خواطر امرأة
المرأة التي أصبحتها…
تواصل الأستاذة ” ثريا الطاهري الورطاسي ” ، في حكيها الثالث عن الطفلة التي كانتها ولم تغادرها، والقائلة عنها :
” أنها لم تكن مرحلة في حياتها، بل كانت هي الحياة ذاتها “. قراءة ممتعة قراءنا الأعزاء. – ألوان–
الطفولة التي ماغادرتني قط
قد نظن أننا نتركها مرحلة الطفولة بكل حمولاتها خلفنا ، وكأنا نهجر بيتا كنا قد سكناه في زمان ما ، لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما لأن الطفولة لم ولن تغادرنا، وهي دوما تاوية في القلب ومختبئة في الذاكرة، في دروب وشعاب مخيالنا، في نظراتنا، في ردود أفعالنا ومسلكياتنا، في الطرق والأساليب التي نحب، نخاف، نحلم، نفكر بها. فأنا اليوم ” ثريا ” قد أبدو قوية، قادرة على اتخادها القرارات الصائبة، كما قد أكون بسيطة، سهلة المراس، غير قادرة على الصمود. وحين أغمض عيني … أعود تلك الطفلة التي كانت تقف خلف نافذة بيت جدها في مدينة بركان الحبيبة، تراقب المارة تتساءل عن جوهر الأشياء، تبحث عن ماهية الأمور، تتمنى أن تكبر بسرعة دون أن يضيع منها قلبها، ذاكرتها، عقلها، طموحها اللامحدود. أعود إليها – والأصح أنها التي تعود إلي – تلك الطفلة بين الحين والآخر كلما احتجت صدقا لا تصنعه الأقنعة أو رداءات الرياء العاطفي، كلما خانتني الكلمات الكبيرة والوازنة، أسمع صداها يردد على مسامعي: لا تخافي فنحن بألف خير، مازلنا نحمل النور الذي بدأ شعاعه ذات يوم في فضاء مُشْرَع على الأفق الرحب والشمس الساطعة وتغريدات الطيور ونسمات الأزهار، بين أراء الأم الحكيمة، وصايا الجدة الحنون، الأب المناضل الصموت، الجد العَالِ الهمة، ودفاتر فيها أول حروف المحبة والعطاء. لم تغادرني تلك الطفلة الشقراء الشقية، وهي القابعة في أعماقي، رابضة ببوابة قلبي، تذكرني دوما بأن الجمال يكمن في البساطة والنظام، أن الحب لا ولن يقاس بالكلمات، أن الإبتسامة التي تخرج من القلب، تظل صادقة مهما تغيرت الأحوال أو الزمان أو المكان. وإذا كانت مرحلتها – الطفولة – قد وَلَّتْ، فهي باقية كبوصلة … ترشدني حين أحس بالضياع ، تُرْبِتُ على كتفي حين أُتْعَب، تهمس لي بلغة أعرفها وحدي، قائلة 【 كوني كما أنت … لا أقل أو أكثر 】. فلهذه الطفلة وكل محبيها أكتب لأشكرها، لأحتضنها، لأوصيها خيرا بي والآخرين، قائلة : 【 لم تكوني مرحلة في حياتي … بل إنك كنت الحياة ذاتها 】حين أمشي وحدي …. ولا أخاف
لم تعد الوحدة تربكني، بل صرت أعرف كيف يمكن أن أختار ممشاي حتى ولو كنت في الطريق الخالية إلا مني. وكأني بذاك القائل: ” ان المرأة حين تمشي وحدها لابد أن تضل المسير”، لا يُقَدِّر معنى الأنثى في تفردها وأنا المتحدية، العنيدة، الدائمة الإبتسامة في دواخلي، لأنني أعرف – حق المعرفة – أن الخوف ليس في الطريق، أكثر مما هو مستقر وكائن في داخل كل منا. ومادمت أملك نفسي وأومن بقدراتي، فلاشيء يمكن أن يربكني.لقد سرت وأسير، أداومه المسير في طرقات لم أكن أعرف إلى أين ستقودني وتنتهي بي. وخلالها لم يحدث أن طلبت الإستناد على أي كان ، ولم أطلب من أحد أن يمسك بيدي أو يدلني على خط المسير ، ليس غرورا بنفسي ، ولكنها ثقتي الكبيرة في رب الكون ، أطلب منه أن يمنحني نورا داخليا يُرْشِد خطاي وينيرها . فأمشي في صمت مطبق ، أسمع قلبي عندما يهمس لي 【 كل خطوة منك هي شهادة على أنك أقوى مما ظننتك عليه .】 وذلك في نظرة إلى الأنثى المستقلة، على أنها كائن مشوه أو هي لغز لايفهم – خاصة في أسرتي التي يغلب عليها العنصر النسوي – لكنني كنت أقاوم تلك النظرات والتصورات والأحكام الاستباقية، ليس بالصراخ أو التعنت … بل بالعزيمة والمضي على النهج الذي اخترته لنفسي، فلم :
* أكن أشرح نفسي و خطاي لأي كان.
* أكن أبرر قراراتي، رغم السلطة المطْلَقَة لوالدتي.
* أكن أنتظر أن يصفق لي أي أحد.
كنت أمشي مقتنعة بأن الوقوف لم يعد اختيارا لي ولا يشبهني. فالوحدة لم تكن خوف، كنت أقضي الأوقات الكثيرة منفردة في بيت جداي لأمي، أنعم بها في مسكني بمدينة الناظور، ولا حتى في معزلي بمنطقة ” السويح ” بني بوعلي بسلطنة عمان، عندما كنت أستاذة – لفترة قصيرة هناك -. كانت وحدتي هي المدرسة التي علمتني أن أنظر في المرايا بلا مواربة،
أن أكون صريحة مع نفسي، أقاسمها كل الأفكار والتصورات والمواقف …أن أختار وحدي، أخطط، أرمم، أتحمل … متجولة في الأفكار، التجارب، المدن ، وأعود كل مساء إلى فراشي الدافء، هادئة لأني لم أخن أفكاري، تطلعاتي، قلبي… ولعمري إنها لذة لا يفهمها إلا من ساروا وحدهم / هن. لذة الانتماء إلى النفس لا إلى القطيع. واليوم حين يسألونني كيف استطعت :
أن تصمدي في وجه الأعاصير ؟
أن تمشي مدة طويلة بلا رفيق ؟
أن تكوني موفقة في اختيار طريقك ؟
يكون ردي ، بكل بساطة : أني كنت مع أناي الآخر ، مع نفسي … ولم أحْتَجْ أكثر .
الهوية المُشَكَّلَة من الرماد والنور
لم أكن دوما ما أنا عليه الآن… بل كنت توليفة من قطع صغيرة، تناثرت في محطات كثيرة – قبل أن تتجمع – كل منها ترك أثره وساهم في تشكيلي بطريقة أو بأخرى. كنت أظن أن الهوية شيء ثابت، نولد به ونظل عليه، ولكني اليوم صرت أعلم أنها كائن حي يتنفس، يتألم، ينمو … وأحيانا يُعِيد خلق نفسه من رماده وكأنه طائر العنقاء. وأنا سليلة طفولة تَذَوقتُ فيها ومن خلالها: الصبر، العزيمة، القدرة، الحياء – من جداي لأمي – قبل أن أتعلم أي كلام. ومن مراهقتي، تعلمت الأسئلة الكبرى بصوت خافت. ومن شبابي، كان لزاما علي أن أكون حارسة لقلبي وهاربة من أحكام وأوصاف الغير، الملصقة بي والمتراوحة جيئة وذهابا بين: العنيدة، الساذجة، المُسْتَرجَلة، الطيبة، الخدومة … دون أن يعلم الآخر أني كنت فقط أحاول فهم أناي في حضرة نفسي، فتكونت هويتي من تناقضاتي أيضا . فصرت أنا:
التي تغضب وتسامح.
التي تواجه ولاتخاف.
التي تُحِن ولا تعود.
التي تبكي في صمت.
التي تكتب ولو في بياض الذاكرة، فالكلمات كانت البيت الذي يأويني، يحميني حتى من نفسي.
في داخلي رماد …. نعم، رماد لحظات كنت أظنها لن تنتهي. رماد أناس أحببتهم، منهم من أداروا وجوههم، ومنهم من اختطفته يد المنون، ومنهم من لازال على العهد، وما بَدَّلُوا تبديلا.
في دواخلي – أيضا – شعاع نور، غير قادر على أن يطفئه أحد . نور التربية، المواطنة،
الكرامة التي لايمكن أن أقبل عنها أو فيها أي مساومة، نبل القلب والأحاسيس التي استنبتها من تربية والدي المرحومين. وهذه جميعها ليست جُمَلا تقال، ولا صورا تنشر، ولا مواقف تعلن، بل سيرة تكتب بدمع خفي، صبر جميل، تًحَمُّلٍ طويل، وبحب عنيد. فأنا تلكم التي أعادت جمع شتاتها وَلَمِّ أطرافها فجعلت من كل انكسار مَعْلَما في خريطة التواجد .
الحب … ذاك الامتحان الهاديء والمربك
لم أعرف الحب ، كما قرأته في القصص…بل عرفته عندما زار القلب في لحظة سهو مني، وكأنه يهمس لي قائلا : هناك شخص يشبهك، يشبه الحلم الذي يراودك صباح مساء. لم يكن الحب عندي صاخبا ولا معلنا على الأرصفة، ولا مدججا بالوعود… كان شعورا داخليا خفيفا، لكنه عنيد، زاد من تقريبه وترسيخه رأي زوج أختي الأصغر “نورة “، وهو المثقف والقائد الجمعوي والمناضل السياسي، سي ” محمد اسماعيلي ” الذي قاسمني سكني ذات زمان بمدينة الناظور.
أحببت بصمتي، بنبضي الذي لم يفهمه أحد قبله. أحببت كما تحب كل أنثى خذلتها الظروف والزمن، لكنها لم تفقد ايمانها بالغد المشرق، بالاطمئنان، بالحنان. فالحب الذي آمنت به لم يكن يطلب شيئا، كان يكفيه أن أكون حاضرة، مصغية، صادقة، صدوقة، وفيه ومن خلاله اختبرت نفسي، هل أتنازل ؟ هل أسمح لنفسي بأن تذوب في عوالم بعيدة عني؟ هل أغادر حين يُغْلِقُ عليَّ أفق المدينة، الشبح / الغول؟ وتكبر في أسئلة الاختيار. فمعها ومنها وبها تعلمت أن الغرق يكون أروع عندما يكون ناضجا. وأن الحب امتحان ليس للآخر فقط، بل لي أيضا. امتحان لكرامتي، لوعيي، لحاجتي، لوجودي ولقدرتي على البقاء بالشكل الذي كنته أو أنا عليه، ورغم مضي الزمن فمازلت أومن بأن الحب الحقيقي لا يطفئك، بل يضيئك ، يطمئنك ولا يحاصرك، يمنحك أجنحة للطيران. واليوم حين أسترجع شريط ذكريات الحب، فإني لا أحمل المرارة ولا الغضب ولا الأسف … بل ابتسم بحنين خافت، وأقول لنفسي:
شكرا…لقد كنت قادرة على أن تحبي دون أن تذوبي في عوالم أخرى..
المختار ( عمر )… رفيق الدرب الطويل
لم يكن مجرد رجل في حياتي … بل هو الظل المرافق لي حين تشتد وطأة الحر ، والدفء الناعم مع زمهرير الشتاء ، الصوت الهادىء حين يعلو الصخب ، عرفته في صدفة عابرة بمدينة الناظور، في لحظة كان فيها قلبي يبحث عن رفيق يشبهني، لا في الملامح، بل في العمق والوجدان. لم يُغْرِني فيه البريق ، بل شدني اليه الفكر ، النقاء ، التفهم ، الصفاء ، الاتزان ، الحنان المختبىء خلف الصمت والمروءة التي لم تكن بحاجة إلى إعلان، يصغى حين يتكلم الجميع، يبادر حين يتردد الآخرون. كيف لا وهو المثقف، الحقوقي، يستمد عصارة فكره من تمرسه بالعمل الجمعوي وادمانه على القراءة ، وهو المناضل التربوي ، الأستاذ المتمكن ، المفتش المتمرس ، النائب المقتدر لوزارة التربية الوطنية ، ذات زمان ولى ، والخبير الدولي في التربية على حقوق الإنسان ،التي غالبا ماهضم حق عائلته الصغرى اكراما لها وباسمها . في
حضرته أشعر دوما أني مسموعة حتى في صمتي. لم يقاطع أحلامي، بل جعلها تنمو وتتسع لتتحقق تباعا . لم يطفىء نار الدواخل ، بل حرص على أن يُخْمِدها بهدوء تام . لم يجعلني أذيب نفسي فيه … بل ظل يذكرني بأنني أنا “الثريا ” كما أستحق أن أكون كاملة. ….
قد يجعلنا ذلك نختلف كثيرا ونتصالح أكثر ، نعبر سويا فصولا لم تكن كلها ربيعية، لكنه يظل ذلك الغصن الذي أمسكه وأتمسك به حتى لا تَزَلَّ قدمي . سافرنا كثيرا … ليس بالكلمترات ، بل بالمواقف ، فبنينا مساحات من الإحترام والتقدير الذي لا يحتاج إلى قوانين ناظمة ، بل إلى قلبين يعرفان كيف يربيان الصمت ، الصراخ ، الخيبات ، الأمل … فمعه لم أكن بحاجة إلى أن أشرح كثيرا ، فهو اللبيب القادر على فهمي ومعرفتي ، كما يعرف جغرافية وطنه ، ويراني زمنا يُحَسُّ قبل أن تتوالى حِقَبَهُ .
واليوم وأنا أكتب هذه الخواطر ، أستحضر فيه وعنده تلك النظرة الوجودية القائمة على أن الإنسان يحدد ماهيته بنفسه ، من خلال اختياراته وقراراته الذاتية ، إذ لا يولد بماهية محددة مسبقا – كما يريد أن يوهمنا البعض – ، فهو المقتنع والمدافع على أني خلقت ماهيتي كونتها ، راعيتها من خلال تجاربي المسبقة معه واختيارتنا التشاركية في الحياة ، واضعين نصب أعيننا فكرة الفيلسوف الوجودي ” جان بول سارتر ” القائمة على أن ” الوجود يسبق الماهية ” ، والإيمان بأن كلا منا هو حر في اختيار ما يريد أن يكون عليه ، بعيدا عن أي قوة خارجية – باستثناء تقاسماتنا الفكرية ونقاشاتنا الثنائية – الأمر الذي منحنا الحرية الكبيرة وجعل كل واحد منا مسؤولا عن اختياراته ونتائجها ، ودون أي إلغاء للآخر.
وعليه ، فإني أدرك جيدا أن جزءا كبيرا من كلامي الصامت ، نضجي ، مواقفي ، هي من خلاله وبجواره وتفضله بالتواجد معي في بوتقة واحدة . فتأكد يا رفيق الدرب الطويل ، أنك لم تكن مجرد مسافر معي ، بل أنت الفكر ، الطريق ، الشعاع المنير ، الأمان ، المستقبل المنتظر…
يتبع
ثريا الطاهري الورطاسي
طنجة في 20 يوليوز 2025
