خواطر امرأة

خواطر امرأة

المرأة التي أصبحتها…

بعد أن دونت الأستاذة “ ثريا الطاهري الورطاسي ” بعضا من فصول الطفولة التي كانتها وتم نشرها بتاريخ 5 يوليوز . هاهي تعود من خلال خواطرها  :
إلى البيت الاول. إلى تلك الأزقة. إلى الطفلة التي كانت تسأل أكثر مما تجيب.
مدركة أن القصة لم تنته هناك، تواصل كتابة خاطرة جديدة تحكي فصلا آخر، مرحلة جديدة، تُتَمِّمُ – من خلالها – ما بدأت ذاكرتها في استرجاعه. وقد خصصتها لعبورها من الطفولة إلى المراهقة.. قراءة ممتعة أعزائي..
**************************************************
ثريا الطاهري الورطاسي

وأنا أدون خواطري ، لا أبتغي الكتابة عن الطفولة، ولا عن الأمكنة فقط، بل أكتب عن الفتاة، الشابة، المرأة التي أصبحتها بعد أن ودعت كثيرا من ظنوني وأعذاري وترددي، أكتب بصوت أكثر هدوءا وصدقا، أكتب وأنا أعلم أنني لم أعد أبحث عن إعتراف من أي كان، بل أبحث عن تصالح داخلي مع ” أنا ” التي في المرآة، تلك التي بدواخل الذاكرة. منطلقة من اعتبارها زبدة تجربة إمرأة مشت وحدها، رفعت رأسها في طرق لم تُعَبد لها، فأحبت وخسرت ووقفت من جديد … لا لأن الحياة كانت رحيمة بها، ولكن لأنها تعلمت كيف تكون رحيمة مع نفسها وبها. وها أنا أقاسمكن ( م) كتاباتي :

   –  عن صمتي، هويتي، رفيق دربي.
  –  عن الراحل والدي المقاوم الصموت.
  –  عن المرحومة أمي التي كانت بمثابة الوطن كلما ضاق بي الكون.
  –  عن مدرستي الأولى التي نهلت منها أبحديات التشبع بقيم المواطنة الحقة.
  –  عن الخربشات التي كانت بمثابة أجنحة لي حين تُسْحَبُ الأرض من تحتي.
  لقد اخترت أن أكتب لأني اخترت أن أكون كما أنا، ولا زلت وسأبقى – إلى أجل مسمى –  أكتبني ما حييت.
 إنها فصول من رحلة نحو النضج، الأفق نحو النور، أتذكرها وأكتبها لا لأني اكتملت، بل لأنني لا زلت أواصل ذاك السير في طريق الاكتمال.
   الجرح  الأول  … والدموع التي لا تنسى
 لازلت أذكر جيدا …كانت  الثالثة بعد منتصف الليل، جفاني النوم في غرفتي المظلمة،  وهو ما جعلني استعيد الأمكنة، تضاريس مدينتي، جغرافيتها، بيتنا الكبير … وفي نفسي شوق لا متناهي لذكرياتي مع ذاك الرجل الصموت، الأمين الذي لم يلزمنا يوما بسلوك دون آخر، ولا بلباس دون غيره، فلم يكن إلا أبا حنونا بوقاره وعفويته وسلوكه المثالي، يؤدي واجباته الأسرية  دون أن يستبد بحياة أبنائه وبناته أو يتدخل في تفاصيلها، إلا في ما تقتضيه ضرورة الأبوة. ولا أدري كيف كان ذاك المناضل الأبي متحررا دون أن ينهل من دروس الحداثة، وهو الصافي النفس والعقل، حينما تجالسه يرسم تلك الإبتسامة المطرزة بالفخر في حكيه عما عاشه في مرحلة الطفولة وهو بفرنسا لا يتجاوز الثالثة عشر سنة من عمره، يشتغل في إحدى الضيعات، ورفضه لطلب صاحبها بتبنييه، وعودته إلى وطنه منخرطا في نضالات حزب الإستقلال – انذاك –  بالمنطقة الشرقية، والتدرج في المهام العديدة التي أوكلت له، إلى أن رشحه مناضلو المنطقة ليصبح أمين مال الحزب. وفي كل أحاديثه الشيقة كان يحكي لنا بشكل مثير عن تنقلاته بين مدن بركان، وجدة، فاس، وصولا إلى القصر الملكي بالرباط، وكيف كان يقوم بحفظ النشرات الداخلية للمقاومة، ثم يعود الى مدينة بركان من أجل استنساخها حتى لا يقع في أيدي الاستعمار الغاشم وأذنابه المنتشرين في كل الطرقات الفاصلة بين المناطق، لينتهي  به الأمر بالسجن أكثر من سنتين بسجن (العادر)  الواقع قرب مدينة الجديدة.
– وتلك قضية أخرى لها عودة في خواطر خاصة بتلك المرحلة التي لم يجن منها المرحوم ، إلا بطاقة مقاوم لم تفده  في شيء – . وأخيرا يشاء القدر أن تنتهي مسيرته، فيلتحق بالرفيق الأعلى يوم 21 يناير من عام 2021. ومع ذلك لا زالت روحه الطاهرة حاضرة فينا، أتخيلها كل وقت وحين ترفرف في فضاء بيتنا العامر، حيث كانت تدور والدتي المرحومة الحاجة ” الصافية ” وهي القلب النابض، كنسمة لا تهدأ، تُحْيِكُ دفء الأيام وتُعِدٌّ لأسرتها المتعددة الأطفال ما “هن وهم”  في حاجة إليه من خياطة الملابس وإعداد الطعام الشهي المشفوع بدعواتها في الغدو والرواح، دون أن تنسى مد يد العون لوَالِدَيها من خلال تواجدي وعيشي معهما وبينهما. فهي لا تقدر فقط بالحنان، بل بالصبر والتحمل، بالصمت الذي يحمي، بالعين التي تراقبنا بحب دون أن ثُتْقِل، إلا فيما يتعلق بالدربة على تحمل مشاق البيت والأعباء المستقبلية .
  في بيتنا العامر كان هناك ترتيب غير مكتوب للأشياء، لكل غرض مكانه ولكل ركن روحه، فهذه الشجيرات والأغراس التي كانت تعتني بها الوالدة، وتلك غرف النوم وصالات استقبال الضيوف والمطبخ الذي لا يكف عن البوح بروائح الزمن الجميل، وحتى الممر المؤدي إلى بهو المنزل كان يحمل قصصا لا تنتهي. إنها جزء بسيط من الأعباء اللامتناهية لوالدتي التي كان في رحيلها لملاقاة ربها في 16 أكتوبر 2024 قصة وجع لامنتهية الامها، فرحيلها أمات كل شيء . ومع ذلك أجدني أحدث طيفها، أطيل النظر في صورتها، وأحس قلبي غرفة فارغة لا يطرق بابها إلا الحنين إليها، ورغم تظاهري بالاعتياد فإن فقدها لا ولن يعوض أبدا واشتياقها دوما حاضر، وهو فراغ بشساعة الكون، وما بين كل ذلك ها أنا أعيش بنصف روح، أسترجع شريط ذكريات حارقة لاجتماعات الوالد المرحوم” سي أحمد ” ووصاياه للوالدة المرحومة ” الصافية “، كانت تغذي لدينا الإحساس ولا زالت تشعرنا بأن الحياة تَحْدُثُ خارج جدران بيتنا الرحب بقلوب ساكنيه وزواره، فأعود بذاكرتي إلى هناك أسمع ضجيجنا نحن الأخوات، الإخوة، الأصهار، الأحفاد وكل الجيران والزوار … يتسلل من تحت الباب ويحلق في الفضاء. معلنا أن الفقد ما هو إلا وجع يستوطن القلب، فتغفو علينا الذكرى لنستيقظ عن الألم. كيف لا ؟ والطيبون والأخيار يرحلون دون إذن مسبق، تاركين في القلب دروسا للحب، الحنين، الانتماء والوطنية الصادقة …
مدارس الحياة الأولى
لم يكن الدخول إلى المدرسة مجرد خطوة من البيت إلى باب القسم  بل هو عبور بين عوالم متعددة، من حضن العائلة إلى فضاء المجتمع، من المألوف إلى المجهول. كانت مدرستي الأولى تشبه بوابة سحرية لا تفتح فقط بالأقفال الحديدية  بل أيضا بالتوجس والدهشة والخوف الممتع الجميل. المدرسة المسماة عند الساكنة ( ليكول النصارى) في أعين الطفلة التي كنتها كانت كائنا كبيرا بجدران مرتفعة، ساحة فسيحة وصفوف من الطاولات الخشبية التي كانت تبدو لي كأنها مراكب، أٌبْحِرُ بها في عالم لم أكن حتى لأتخيله، حيث مقر البعثة الفرنسية المحادية للكنيسة المسيحية، ومديرتها مدام “ بيليتشي ” التي كانت تزرع السكينة والأمان في قلوبنا ونحن أطفال نتعلم أبحدية لغة موليير و فولتير من أستاذاتها اللائي كن يوزعن الحروف والابتسامات بالتساوي لأنهن مصدر الحنان أمثال مدام “ماليزيو” والانسة “ نيكول ”  وغيرهن ممن لا اتذكرهن. وتدريجيا تحولت الحروف التي تعلمانها إلى كلمات ثم صارت جملا، ونوافذا نطل منها على المعاني. ولأن المدرسة لم تكن مكانا للتعلم فقط فقد أصبحت عندنا فضاء لتكوين الشخصية وتعلم كيف نصغى، وكيف نتحمل الخطأ ونفرح بالصواب، علمتنا بعضا من مباديء المسؤولية والتدريب على الصبر ، التعاون والانضباط ونسج خيوط العلاقات الإنسانية الجميلة. وهي المسارات التي أتممتها في اعدادية “ ابن رشد ” التي زرعت فينا بذرة الأفكار النيرة، من خلال صحبتنا وأخواتنا وأساتذتنا الأجلاء، رغم شغبنا الطفولي وشيطنتنا اللامتناهية، التي لم تكن توبيخات المرحوم ” البارودي ” لتحد منها…
وسيتعزز تكويننا بالانخراط الطوعي والإسهام في تأسيس فرع محلية “ منظمة الكشافة المغربية الإسلامية ” الذي تحمل مسؤولية قسم الأشبال والزهرات فيها كل من الأخ القائد الأستاذ ” محمد اسماعيلي ” أطال الله عمره ، والمرحومين السيدين “رحيمي “و” بلحبيب ” ، وغيرهم من مناضلي حزب الاتحاد الاشتراكي – انذاك – وللتأريخ أقول أن هذه المنظمة عرفت إقبالا كبيرا من شباب المدينة ذكورا واناثا ، وقد كنت إحدى المرشدات النشيطات بهذا الفرع . وبعد كل ذلك تأتي
مرحة التمدرس  بمؤسسة ” مريم الفهرية ” حيث كتبنا أول سطر من حكاياتنا المشرقة بدءا بتشكيل أول فريق نسوي لكرة اليد بالمدينة ، تحت اشراف الفاضلة ” الصفراوي رابحة ” أطال الله عمرها . ووصولا إلى فرح النجاح في الشهادة الثانوية”البروفي ” . ولنختتم مسيرتنا التعلمية بولوج فضاءات ثانوية ” أبي الخير ” بأساتذتها المغاربة
 والشرقيين والفرنسيين . وإن كنت أنسى فلن أنسى نشوة نجاح أول اضراب طلابي للمطالبة باجتياز امتحان البكالوريا بمدينة بركان الحبيبة ، عوض التوجه إلى مدينة وجدة كما كان معمولا به سابقا . وقد توج كل ذلك بتواجدي ضمن لائحة أول فوج ينجح في البكالوريا انذاك . الأمر الذي  أسعدني كثيرا – رغم أني سأغادر المدينة التي عشقتها – لأواصل مسيرة التحصيل الدراسي في رحاب جامعة محمد بن عبد
 الله – ظهر المهراز – بمدينة فاس العاصمة العلمية للمملكة . هذه الكلية القديمة قدم التاريخ التي علمتني أن التاريخ هو الحياة الأبدية للذاكرة المتقدة ، يشحذها ويجعلها منسابة التدفق والجيران نحو الأفق الرحب لاسترجاع الذكريات. وبين مدرجاتها عرفت خلال سنوات تمدرسي أن التاريخ عادة ما يبدأ بحلم / أحلام رائعة، تحضرنا بين الحين والآخر ،  تعشعش في الدواخل مصاحبة لنا على الدوام . فأجدني كلما أشرعته باب الإستفاقة واسترجاع الذكرى أو التذكر ، كلحظة صدق، وفاء، إخلاص،  نظافة قلب نابض بالمحبة ، إلا وأتذكر معها كل العلاقات التي نسجناها ، المحطات التي قطعناها ، الطرقات التي سرنا فيها، وعندئد تجود علي الذاكرة المتعبة بمشهد / مشاهد ماضوية عابرة، تخترق الماضي المستنبت في تربة التاريخ  وزمن الجغرافيا … وهو ما يدفعني إلى القول : ماعساني أنا فاعلة مع هذا الكم الهائل من الخواطر التي تقض مضجعي ؟ ويَكْبُرُ في السؤال:
– أنا صاحبة الجسد العابر لخرائط الزمان ومواقيت  المكان.
– أنا المحلقة بمحبة وصفاء وطمأنينة في الملكوت.
– أنا السائرة بتؤدة في متاهات القدر ،
–  أنا المتنقلة على الدوام في جغرافية الوطن ،
من “بركان “موطن النشأة ، إلى “فاس” مرتع النهل من أحواض المعرفة الجامعية، فمدينة ” الناظور” التي تلمست فيها خطواتي المهنية، مستأنسة بدهشة الاشتغال التربوي، ثم المدينة الغول “الدار البيضاء” التي بنيت فيها عش الحياة الزوجية، صحبة رفيق الدرب الطويل، وأخيرا ” طنجة” التي نحط بها الرحال -حاليا – دون أن أدري إلى أين أنا/ نحن سائرون  ….
                             يتبع

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com