أولاد جرار ودار بوعزة وطماريس…

أولاد جرار ودار بوعزة وطماريس…

أسماء لمجال جغرافي واحد

تقديم:

في سياق الجهود الحديثة التي يبذلها الباحثون المغاربة في إعادة قراءة الجغرافيا الثقافية والتاريخية للمجال، يندرج هذا المقال الذي وافانا به الاستاذ ” علال بنور ” – مشكورا – يتناول فيه دلالات التسمية المجالية بمنطقة الساحل الأطلسي لجنوب مدينة الدار البيضاء . فالربط بين هذه المناطق لايتم على مستوى الجغرافيا،  بل يمتد إلى شبكة من المعاني التاريخية والإجتماعية التي تكشف عن وحدة هوية منسية أو مغيبة أحيانا خلف مجموعة من التحولات العمرانية والإدارية . منطلقا في كل ذلك من فرضية مفادها أن هذه التسميات ، رغم تباعدها الظاهري فهي تشكل حلقات متكاملة في نسيج مجالي وثقافي واحد، الأمر الذي يدعو الى إعادة فتح نقاش حول أهمية قراءة الأسماء باعتبارها وثائق سردية ومفتاحا لفهم تطور المجتمعات والامتدادات القبلية والسياسية التي مرت بها. (ألوان)

قراءة في وحدة المكان وتعدد التسميات

يقع هذا المجال الجغرافي غرب مدينة الدار البيضاء، من مدخلها على الطريق الساحلي نحو مدينة أمور، حيث أرض ما يعرف ب” أولاد الجمل “، وتعرف المنطقة كذلك بإسم ” عين الكَديد ” ويمتد هذا المجال الساحلي الى حدود ضريح الولي ” المولى التهامي“. واعتمادا على الرواية الشفهية، فإن ” أولاد جرار” استوطنوا هذا المجال الجغرافي منذ سنة 1740، بعدما استقدمهم السلطان” المولى عبد الله العلوي” واتخذوا من الخيام مساكن لهم، ممتهنين الصيد بواسطة نصب الشباك، مٌسَوقِينه داخل أسوار المدينة القديمة بالدار البيضاء، التي كانوا يغيرون عليها كلما سنحت لهم فرص القيام بذلك، فيسلبون السكان خزائنهم وحليهم ودوابهم ، بل كانوا يقومون بسبي النساء الجميلات…
ومن إحدى الروايات نستشف أن أولاد جرار تعرضوا في ليلة ظلماء لهجومات أتت على فلاحتهم، من طرف أولاد حريز، الأمر الذي نتجت عنه حروب طاحنة بين القبيلتين، بسبب الصيد والقنص والرعي.
وفي رواية شفهية أخرى، نجد أن ” أولاد جرار” هم سبعة إخوة أتى بهم المولى”عبد الله” من أجل إعمار منطقة حملت فيما بعد – ولازالت الى يومنا هذا – أسماءهم ، وهي كالتالي: ( امحمد بلفقيه – الطيبي – المكي – التهامي – مسعود – بوشعيب – الحسن ) ، ويعرفون بأنهم من خيرة الرماة والمحاربين الأشداء الذين استوطنوا المنطقة حوالي 1740 – كما تقدمت الإشارة  – وكانت مساكنهم تتكون من النوايل والخيام المصنوعة من الدوم، الموجود بوفرة في المنطقة، واهتموا كذلك بحفر المطامير – وقد فاق عددها المئات – وجعلوها مخازن للمؤن، الأمتعة والنقود المسبوكة من الذهب، التي كانوا يحصلون عليها مقابل بيع الأسماك في المدينة القديمة بالدار البيضاء .
وفي غياب المراجع وشح المصادر، اضطررنا إلى الإعتماد على الرواية الشفهية في مقاربة إحدى الشخصيات التاريخية التي ارتبطت باسمها منطقة ” دار بوعزة “وهو المسمى” بوعزة الريكط” واسمه الكامل هو بوعزة المديوني الهراوي من قبيلة الهراويين الواقعة شرق الدار البيضاء وكان لقبه “الريكَط ” لسحنة وجهه، وكان قد بدأ حياته كراع للابل وخادم لتاجر يدعى الحاج “ بوشعيب المديوني” ، ثم تولى قيادة قوافل تجارية من المنتجات الزراعية كالقمح والشعير والصوف والجلود وغيرها من الهراويين إلى منطقة المريسى – الواقع حاليا في دار بوعزة – حيث كانت ترسو السفن الأوربية بعيدة عن ميناء الدار البيضاء تهربا من الضرائب، وربما كان الأمر مرتبطا بمقايضة السلع بالأسلحة، خصوصا مع تجار الأسلحة الأنجليز – المعروفين بصناعة سلاح المارتيني – . وعندما هَمَّ بوشعيب المديوني بالذهاب إلى الحج ، أوكل لبوعزة الريكَط التكفل بتجارته والحلول محله إلى حين عودته . وتحكي الرواية أن التاجر بوشعيب المديوني لم يعد من الحج واختفى في ظروف غامضة، مما سهل أمر استيلاء الريكَط على ممتلكاته وثروته المقدرة باربعين جملا. وفي وقت وجيز تمكن من الاستيلاء بالقوة على أراضي أولاد جرار الخصبة. وقد تضاربت الروايات والقصص عن هذه الشخصية، فاعتبره البعض زعيما استراتيجيا، ذكيا في حين يراه آخرون شخصا عنيفا استولى على الأراضي بالقوة، فوجد ضالته في محيط المريسى حيث يتواجد ضريح “محمد مول الشط“، ويقول عنه أحد العارفين ، بأنه كان مخزنا لأموال الريكَط…
ولايزال سكان المنطقة – إلى اليوم – يتحدثون عن وجود كنوز مدفونة في مقبرة هذا الضريح، وتحكي الروايات على أنها خزائن تتكون من سبع صناديق من الذهب واللويز. والأسلحة ذات القيمة التاريخية، وقد نسيت حكايات يتم تداولها بين سكان المنطقة، ملخصها أن هذه الدار ومطاميرها الكثيرة، يسكنها الجن والأفاعي التي تحمي كل تلك الكنوز. ولما أصبحت لهذا القائد السلطة والنفوذ والحماية الإسبانية، قام بتشييد منزل كبير فوق ثل يطل على البحر – لازالت اثاره شاهدة إلى يومنا هذا – بدعم من صهره عبد الله المديوني ، الذي شغل عاملا لمديونة. وحسب كتاب “عبير الزهور” لصاحبه “هاشم المعروفي” ، فإن السلطان العلوي ” الحسن الأول” قام بمراسلة عامل الدار البيضاء المسمى محمد بركاش ، امرا اياه بهدم ما بني من منزل بوعزة ، طالبا منه اخبار عامل مديونة لثني صهره بوعزة الريكَط عن عملية البناء الذي يقع على مسافة ربع ساعة مشيا من المريسة وثلاث ساعات من الدار البيضاء . غير أن البناء لم يتعرض للهدم  نظرا لدهاء الريكَط وثرائه، في حقبة كان فيها المغرب محط أطماع القوات الأجنبية، حيث عمد إلى الإحتماء بها للمحافظة على مصالحه الشخصية، و هكذا توسعت دائرة نفوذه عن طريق القوة المستعملة في الاستيلاء على الأراضي الفلاحية التي كانت ملكيتها تعود الى أولاد جرار، يساعده في ذلك مجموعة من العدول، من بينهم أحد العدول المحليين من دوار ” لحلالفة” الشرقية الذين كانوا يقومون بعملية توثيق العقود زورا. وتخبرنا الرواية الشفهية أنه كان يتوفر على العديد من العبيد والحراس، وكان يكلف العبيد بحفر المطامير لدفن خزائنه، وعند الإنتهاء من الحفر يعمد إلى قتلهم، وأحيانا يقوم بطمرهم وهم أحياء وسط حيطان” الطابية” لكي لا يفشوا سر كنوزه. وبعد وفاته سنة 1910 – تقول الرواية – أن ورثته باعوا مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية، خاصة الساحلية منها للسلطان العلوي” المولى عبد العزيز.
لكن المرجح الذي لم يخرج عن القاعدة  أن السلاطين كانوا يُتَرِكُون ( التركة) رجالات المخزن من قواد وعمال، وحتى من الأغنياء. وقد خلف ثلاثة أبناء، هم : (الجيلالي – عبد الرحمان – الزوهرة ) ومع مرور الزمن، قام السلطان عبد العزيز بتسليم كل ممتلكات الريكَط بما فيها القصبة / المنزل للصيدلي ” غابرييل فير” الذي خدم القصر مابين 1902 و 1907…
ولا نعرف كيف تمكن هذا الفرنسي من امتلاك آلاف الهكتارات وتسجيلها وتحفيظها باسمه في رسم عقاري  إلى أن توفي عام 1936، فتزوجت ابنته الوحيدة الوريثة “ موريس جاكي” وبقيت وارثة لكل الأملاك إلى أن غادرت البلاد في حدود 1950، بعدما باعت جزءا مهما من الأراضي الفلاحية، وهي المسماة اليوم” بلاد جاكي“…
قامت الدولة باسترجاع جزء آخر، طبقا لمقتضيات ظهير 2 مارس 1973، بالرغم من تواجد جزء هام من العقار المذكور في المدار الحضري للمركز المحدد لدار بوعزة المحدث بموجب المرسوم الوزاري المؤرخ في 21 يناير 1960. وقد بقي جزء من هذه الأراضي مهجورة رغم تصنيفها تراثا وطنيا.
وبعودتنا الى المعاجم الجغرافية نجد أن المدلول الجغرافي لكلمة “طماريس” يعود في الأصل إلى اللغة اللاتينية، فكانت تسمى “تماري كوس” وتعني الشجر الصغير الكثيف، وبالاستناد إلى معجم المنهل، نجد أن أصلها عربي من صحراء سيناء. وقد كان هذا النوع من الغطاء النباتي يستوطن الشريط الممتد على طول الساحل من الغابة القريبة من الولي المعروف “مزار عبد الرحمان” إلى المنطقة المعروفة ب ” كريار بن عبيد“، فغابة سندباد المحادية لأرض أولاد الجمل تبقى شاهدة على أن ناحية الدار البيضاء  كانت بها غابة شاسعة، وينتمي هذا النوع من الغطاء النباتي – كما تشير بعض المعاجم – إلى مجال حوض البحر المتوسط.

الاستاذ علال بنور
الدار البيضاء في 10 يوليوز

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com