الفنان جمال همراس في حوار خاص ل -ألوان –
“راحة الأرواح”.. كورال يحافظ على الذوق الفني والقيم …
ألوان (مكتب الدار البيضاء)
حوار: لحسن وريغ
خلال الأيام الأخيرة من شهر يونيو 2025، أحيى كورال “راحة الأرواح” حفلا فنيا بمدينة الدار البيضاء تتويجا لسنة من العمل المتواصل. وضم الكورال بين صفوفه العديد من الأصوات الغنائية إلى جانب فرقة موسيقية تشكلت عناصرها من العازفين المتميزين على أكثر من آلة موسيقية. قائد الكورال هو الفنان جمال همراس الذي يعتبر واحدا من أبرز العازفين على آلة العود والحامل لأكثر من شهادة اعتراف وتقدير، وصاحب مجموعة من الأعمال الغنائية التي جعلت منه اسما بارزا في الساحة الغنائية الوطنية.
في الحوار التالي مع موقع “ألوان” الإلكترونية يتحدث جمال همراس عن بعض الجوانب المرتبطة بتجربته الموسيقية فرديا وجماعيا والتي تمتد لأكثر من عقدين من الزمن.. لنتابع الحوار مع الفنان جمال همراس …
*****************************
ـ كيف كانت بداية كورال “راحة الأرواح”؟
ـ لا بد من التذكير أني اشتغلت في تجارب كورالية احترافية سابقة قبل أن أتحمل مسؤولية إدارة كورال “راحة الأرواح“. لأني كنت مدرسا للموسيقى في أكثر من معهد موسيقي، تعرفت على العديد من الأصوات التي تؤدي أشهر الأغاني سواء كانت مغربية أو شرقية.
وفي لحظة ما من سنة 2014، تساءلت مع نفسي: كيف لا يمكن لي تشكيل مجموعة موسيقية من الهواة قاسمهم المشترك هو حب الموسيقى والغناء والطرب..؟
فعلا، اقترحت الفكرة على عدد من الفنانين الهواة / أطر تنتمي لمجالات مهنية خاصة وبعيدة كل البعد عن المجال الفني.. وجاءني الرد سريعا حيث وجدوا في هذه الفكرة ساحة للمتعة والاستمتاع بحبهم للفن.
وقد وجدت إلى جانبي بعض الغيورين على هذه الموسيقى الراقية وأذكر على وجه الخصوص المهندس عمر الشرايبي الذي قدم لي يد العون في تأسيس الكورال، وهو واحد من المولوعين بالفن الأصيل.
حاولت الاشتغال مع المجموعة بشكل احترافي و أكاديمي مما جعل العديد منهم (أكثر من 50 صوتا) يواصل العمل دون انقطاع، ويقدم منتوجا فنيا خاليا من كل الشوائب الموسيقية.. ودليل ذلك أن هذا الكورال كان ضيف أكثر من برنامج فني على شاشة التلفزة الوطنية، بل إنه وقف على خشبة العديد من المسارح والقاعات الكبرى من شمال المغرب إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.
ـ هل تعتقد أن الكورال الغنائي تحول اليوم إلى حالة جديدة في الموسيقى المغربية ؟
ـ ـ في ما مضى، عشنا حالات متعددة ومتنوعة من الكورال الغنائي الذي قدم أعمالا يعرفها الجمهور المغربي، أما في وقتنا الراهن، فنحن نعيش تحولا جذريا في مفهوم الكورال، وأصبح يحيل إلى معنى “المغني في صيغة الجمع“.
ومن هنا لابد من الإشارة إلى أن الكورال يلعب دورا أساسيا في الحفاظ على مستوى الذوق الفني الرفيع أمام انتشار تجارب غنائية تفتقد إلى الإبداع. أي أن الكورال يعني البوابة التي نلج عبرها نحو التراث الغنائي الأصيل.
وخلال اشتغالي مع كورال “راحة الأرواح”، أعمل جاهدا على استثمار كل الإمكانيات الموسيقية والغنائية من أجل الحفاظ على كل ما هو طربي في هذا المجال، ولذلك ستلاحظ أني أختار دائما الأعمال التي تعبر عن الهوية المغربية والعربية على حد سواء.
ـ هل هذا معناه أن دور الكورال يتحدد فقط في الحفاظ على التراث وليس الإبداع؟
ـ ـ من المهام الأولى للكورال أنه يعمل فعلا على الحفاظ على موروثنا الموسيقي والغنائي واستمراريته، ثم هناك مهمة إبداع أعمال فنية تتلاءم وتوجهاته. وفي هذا السياق، أشير إلى أننا في كثير من المناسبات نعمل على توزيع بعض الأغاني بطريقة جديدة مما يجعلها تساير عصرها وتبقى حية في الذاكرة والوجدان.. ولا أخفيك أني أفكر مع الأعضاء في هذا الكورال في إنتاج أعمال ذات بصمة خاصة بنا.
ـ ما هي درجة حضور “راحة الأرواح” في الساحة الفنية الوطنية؟
ـ منذ سنة 2014 ونحن نشتغل بكثير من الصبر والتأني، ولا نتوانى عن إحياء الحفلات هنا وهناك. ومع الأزمة الصحية التي شهدها العالم سنة 2019 بسبب تفشي وباء كورونا، والحالة الاستثنائية التي مرت منها الإنسانية جمعاء، قدمنا أعمالا غنائية عن بعد، واستطاعت أن تحصل على تنويه عال من الجميع بعد بثها على شاشة القناة الثانية “دوزيم”.
ثم إن اسم هذا الكورال أصبح حاضرا بقوة في الساحة الوطنية، ويعتبر من بين الكورالات التي تم تأسيسها على أسس موسيقية علمية دقيقة، الشيء الذي تولد عنه انطباع إيجابي لدى المهتمين بالشأن الموسيقي ببلادنا.
ـ هل يمكن للكورال أن يحيي أكثر من سهرة موسيقية خلال السنة الواحدة؟
ــ هذا السؤال يحيل مباشرة إلى قضية الإمكانيات المادية. ويمكن الاعتراف بأن هذه الإمكانيات هي الأساس في تحديد عدد السهرات الموسيقية خلال الموسم الواحد. ثم نحن داخل مجموعتنا الموسيقية نعتمد بالأساس على التمويل الذاتي نظرا لأن أغلب الأعضاء، كما قلت سابقا، يمارسون الموسيقى من باب الهواية.
صحيح.. ليس لدينا محتضن ولا مستشهر، ولا من يأخذ بأيدينا حتى نتمكن من الحضور باستمرار في الساحة الفنية الوطنية أو حتى العربية… وبالتالي فأنا المسؤول الأول والأخير عن الكورال وفي تدبيره المالي وحل مشاكله المادية.
ورغم كل ما يمكن أن يطرحه الخصاص المالي، أنا متشبث بالأمل في مواصلة الحضور والعمل وإنتاج أعمال فنية. كما أرغب فيها مع هؤلاء الأعضاء الذين يؤمنون بالمشروع ويعملون على بقائه على قيد الحياة.
ـ ما دور المايسترو جمال همراس داخل الكورال الكورال؟
ـ يتحدد دوري داخل المجموعة في عملية التأطير والتكوين.. فأنا ألتقي بأفراد المجموعة كل أسبوع من أجل الاشتغال على الأغاني التي نختارها بعناية فائقة، وضبط تقنية الصوت وتقنية التنفس وتقنية الانسجام الجماعي.. بل إني أحاول الوقف على أدق التفاصيل التي يتطلبها العمل قبل وأثناء السهرة الغنائية.
وفشخصية المايسترو تتحدد في كونه هو القائد الذي يمتلك القدرة على خلق حوار موسيقي بين العازفين والمغنيين.
ـ هل كل صوت يمكنه أن يكون عضوا داخل الكورال؟
ـ ـ القاعدة الأولى التي نشترطها في من يرغب الانضمام إلينا، تتمثل في حب الفن، ثم تأتي بعد ذلك القواعد الأخرى مثل: الأخلاق وحسن السلوك والانسجام مع المجموعة والمواظبة على الحضور… إلخ. أما قضية جودة الصوت ورداءتها فهذه مسألة نسبية ورهينة بدور المايسترو. وأحمد الله على أن علاقتي بالأصوات الجديدة تكون دائما ناجحة ومتميزة.
ـ بعيدا عن المجموعة الغنائية، ما هي علاقة الفنان جمال همراس بالموسيقى؟
ـ أعتقد أن علاقتي بالموسيقى تعود إلى السنوات التي كنت فيها طفلا صغيرا.. لقد عشت وسط جو عائلي موسيقي بامتياز.. كان شقيقي الأكبر يشرف على كورال تحت اسم “زرياب“، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.
وفي سنة 1995 التحقت بهذه الجمعية التي سمحت لي باكتساب معرفة موسيقية عالية عزفا وغناء. وكان لي الحظ أن أتتلمذ على أشهر العازفين المغاربة آنذاك ومن بينهم عازف الناي الفنان ابن إبراهيم.
تخصصت في العزف على آلة العود وأداء الموشحات واستطعت أن أحصل على أكثر من شهادة موسيقية تتويجا لما حققته، وتشجيعا لشخصي على مواصلة المسار، ثم التحقت بفرقة الفنان مصطفى الركراكي الحرة.. وامتهنت مهنة التدريس الموسيقي في أكثر من مؤسسة تعليمية عمومية حوالي ثماني سنوات.. وعندما التحقت بمدينة الدار البيضاء ساهمت في البدايات الأولى لجمعية “نغم“… ثم ها أنا أشق طريق “الكورال للجميع”.
ـ وماذا عن إنتاجك الموسيقي؟
ـ بعد هذا المسار، حاولت أن أشتغل على إنتاج بعض الأعمال الغنائية الخاصة، ويمكن أن أشير إلى أن رصيدي لا يتجاوز اليوم خمس أغاني، والتي ما زالت حبيسة مكتبتي الشخصية بسبب عقبة التسويق والإمكانيات المادية. ثم هناك سبب ثاني ويتمثل في كوني فنان لا يعطي للكم أهمية أكثر ولا يمكن لي أن أنتج أغان لا أرتاح إليها.. وبالتالي فأنا متحفظ كثيرا وأرفض رفضا قاطعا مسايرة الموجات الغنائية الحالية، كما أني لن أغني تلك الأغاني التي لا تنسجم مع هويتي وثقافتي وتقاليدي.
وبناء عليه، ظلت تلك الأعمال القليلة منحصرة في مجال ضيق ولم تحقق الصدى الواسع. وها أنا اليوم أعمل في تقديم خبرتي المتواضعة إلى المواهب الفنية الصاعدة من خلال ورشات للغناء الفردي. وهذا يتطلب مني الكثير من الوقت.
وعلى كل حال، يمكن لي أن أشير هنا إلى أغنية” كن فيكون” التي حاولت أن أوظف فيها بعض قناعاتي الفنية التي راكمتها خلال السنوات الماضية. وأملي أن يأتي اليوم الذي تسمح لي فيه الظروف بإنتاج عمل غنائي جديد يحمل في طياته شخصيتي الفنية.
ـ هل تتوفر على قناة خاصة على موقع تبادل الفيديوهات “يوتيوب”؟
ـ ـ بداية، يجب الإشارة إلى “يوتيوب” حرر الفنان كثيرا ومنحه حرية تقديم أعماله الغنائية والموسيقية عبر حسابه الخاص.. إنه وسيلة تسمح لأي فنان أن يتواصل مع جمهوره ويقيس درجات تفاعلهم معه ومع ما يقدمه لهم. ثم إن هذه الوسيلة تحولت اليوم إلى منافس قوي للإعلام التقليدي المتمثل في الإذاعة والتلفزيون.
إذن، الـ”يوتيوب” شيء إيجابي وأساسي في حياة الفنان، لكن لا بد من الانتباه إلى الوجه الآخر المتمثل في التفاهة والرداءة والقبح. وهناك إجماع على أن التفاهة كثيرة والجودة قليلة..
وجوابا عن سؤالك، أنا أشتغل بطريقة احترازية مع ما أنشره على صفحاتي الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي، ولا تهمني الأرقام ولا أن أصبح “مؤثرا” فنيا يجري وراء الربح المادي في مقابل الخسارة الفنية.
ـ ما هي درجة حضورك في الإعلام الوطني..؟
ـ ـ حضوري في الإعلام الوطني قليل بعض الشيء.. ربما أتحمل بعض المسؤولية عن ذلك .. لك الطرف الآخر له النصيب الأكبر من القضية. سبق لي أن كنت ضيفا على بعض البرامج الفنية خلال السنوات الماضية بالقناة الثانية دوزيم أو بعض الإذاعات الوطنية.
نحن متفقون جميعا على أن دور الإعلام يكمن في تشجيع جميع الفنانين الذين يحملون رسالة فنية متكاملة وواضحة المعالم. وعندما لاحظت أن الأمور تسير في اتجاه عكسي، قررت الابتعاد عن الأضواء والاشتغال في مناطق أخرى أكثر رحابة وشساعة وإبداعا.. وفي اعتقادي الخاص يبقى الإعلام النزيه والحقيقي هو الذي يبحث عن الفنان المبدع والمؤمن بمشروعه الفني.
ـ وكيف هي علاقتك بالمهرجانات؟
ـ ـ ما قلته عن الإعلام، أكرره بخصوص علاقتي بالمهرجانات الثقافية والفنية.. ربما أنا بحاجة إلى تغيير طريقة تواصلي مع الآخر من خلال خلق خلية للتواصل والإعلام وفرض اسم “كورال راحة الأرواح” على أجندة هذه المهرجانات. نحن نتوفر على المادة الفنية التي تسمح لنا بالحضور في الكثير من المناسبات الفنية التي تشهدها بلادنا على مدى السنة.
ـ وعلى المستوى العربي…؟؟
ـ ـ شاءت الصدف أن يحصل بيني وبين مهرجان فني في المملكة العربية السعودية تواصل من أجل المشاركة هناك، غير أن الظروف المهنية لأغلب أعضاء الكورال لم تسمح لنا بإحياء هذا الحفل.
ـ ما هي علاقتك بالتجارب الغنائية المماثلة لكورال “راحة الأرواح”؟
ـ ـ هناك تجارب غنائية تستحق التشجيع والدعم والمساندة. وأنا على علاقة بهذه المجموعات الغنائية وأتواصل مع رؤسائها من حين لآخر.. و أشير هنا إلى كورال الفنان عدنان مطرون ثم كورال: Les voix du chœur” بالرباط.
وأنا أحس بسعادة كبيرة عندما أشاهد كورالا له حضور فني وازن ويعمل بشكل احترافي وله رسالة فنية قيمة.
