ليس كل من غنّى… صار من أهل المعنى

ليس كل من غنّى… صار من أهل المعنى

ليس كل ما يسطع يُنير…

    منير لكماني

ليست المسألة في الصوت، ولا في عدد النقرات، ولا في قدرة اللحن على إشعال قاعةٍ مكتظّة. فالغناء، كما الفنّ، ليس ضجيجًا جميلًا، ولا صراخًا موزونًا، بل موقف. صوتٌ يحمل المعنى لا يتعالى به، بل يتورّط فيه.

لقد صار الغناء اليوم، في كثير من تجلّياته، واجهةً ناعمةً لفراغٍ صاخب. ألحانٌ تتكرر، كلمات تُستهلك، وأسماء تصعد بسرعة الضوء لتختفي قبل أن يتشكّل لها ظلّ. كلّ هذا، تحت شعارٍ بات يُردَّد باستهلاك مملّ: “لكل زمانٍ رجاله.”
وكأن الرجولة في الفن تُقاس بعدد المشاهدات، لا بعمق الرسالة.

 

حين يصبح الصدى أهم من الصوت

ما أكثر الأصوات، وما أقلّ المعاني. الغناء الذي كان يومًا دعوةً إلى التأمل، أو رجاءً صافيًا من عمق الشعور، تحوّل في حالات كثيرة إلى واجهةٍ بلا عمق، لا تُخاطب الوجدان، بل تملأ الفراغ المؤقّت. ليست العلّة في التطوّر، بل في الابتذال المُغلَّف بزخرفة الإنتاج.

فأن يغنّي الإنسان لا يعني بالضرورة أن يُضيف. الصدى لا يُغني عن الجوهر، والانتشار لا يضمن القيمة. لقد أصبح المظهر بديلاً عن التعبير، والحضور اللحظي تعويضًا عن الخلود.

ناس الغيوان… حين غنّى الصمت

حين نعود إلى تجربة ناس الغيوان، لا نعود إلى “أصوات” بل إلى “أزمنة”. لا إلى أغانٍ بل إلى أسئلة، كانت تُطرَح على مقامات الروح. لم يكونوا نجومًا، بل شهودًا. لم يصرخوا، بل همسوا… فجاء الهمس أشدّ وقعًا.

قالوا:
“فين غادي بيا خويا؟”
فسار السؤال معنا، لا يطلب جوابًا، بل يعيدنا إلى الداخل.

أنشدوا:
“يا صاح أنا حر… ما نرضى بالذل”
فصار اللحن بوابةً للكرامة، لا للعرض.

تغنّوا بـ:
“مهمومة بلا دوا… دواك مسموم”
فحملوا وجع الناس، لا ليبيعوه، بل ليطهّروه بالموسيقى.

هؤلاء لم يُقدّموا الغناء كبضاعةٍ تُساوَم، بل كلغةٍ تنبض من عمق الشعور. لم يُزاحموا على المهرجانات، بل أقاموا مهرجانهم في وجدان الناس.

ليس كل صوتٍ يُنصَت إليه

الغناء اليوم، في كثير من صوره، يشبه الموجة: عالية، متلاطمة، وسريعة الزوال. إنّه زمن تُستبدَل فيه القيمة بالكمّ، والمعنى بالإيقاع، والصوت بالضجيج. زمنٌ يصعد فيه الكثيرون، لكن يبقى القليل.

ليست المشكلة في كثرة الإنتاج، بل في ضآلة الرسالة. ليست في أن يغنّي الجميع، بل في أن يُصدَّق الكلّ. فليس كل ما يُغنّى يستحقّ أن يُسمع، وليس كل من علا صوته، كان له ما يُقال.

الاحتفال بلا معنى… سقوط هادئ للفن

نحن لا نعيش وفرةً في الفن، بل فقرًا في المعنى. حفلاتٌ تحتفل بلا سبب، ومنصاتٌ تروّج لمن لا يحمل سوى بضاعة العابر. لم يعد السؤال: ما الذي نسمعه؟ بل: كم مرّة تكرّر؟، وكأن التكرار علامة على النجاح.

لكن الفن، حين يُفرغ من رسالته، يتحوّل إلى زينة. وحين يُقدَّم بلا وعي، يتحوّل إلى خطر. ليس لأنّ الناس لا يملكون الذوق، بل لأن الذوق، في خضمّ هذا الانهيال، لم يُمنح فرصةً ليستفيق.

الفنّ يُحاك بالمعنى… لا بالصوت

من غنّى ليملأ الفضاء، انتهى مع انطفاء المكبّرات.
ومن غنّى ليملأ الداخل، بقي صوته في القلب، يتردّد وإن طال الصمت.

الفرق بين من يترك لحنًا، ومن يترك أثرًا، هو تمامًا كالفرق بين الضوء والوميض.
ليس كل ما يسطع يُنير… وليس كل من غنّى… صار من أهل المعنى.

04/07/25 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com