قصة للكاتب محمد ياسين القطعاني
مات …جدي
تَعَجَبّتُ لَمّا علمتُ أنّ جارَنا (أمين) رفضَ السفرَ إلى أوروبا؛ لافتتاحِ فروعٍ جديدة لشركاته، يزهو الكثيرون بأنّهم من عملائها، اكتفى بالفرعِ الرئيس في مدِينته، هذا الفرعُ الأصغر حجماً مقارنةً بالفروع التي خرجتْ من رحمِه .
دَهشتي ازدادتْ عقبَ عِلمي أنّه تركَ إدارةَ الفروع الأخرى الأكبر حجماً، والأرقى مكاناً، والأفخم تجهيزاً لإخوته، في زمنٍ يَرْتجفُ الناسُ مِن ذوي القربى، فَبريقُ المالِ يُغير النفوس، ويَهوي بالأفئدة .
مُنذُ أشهرٍ قادتني قَدماي إلى منزلنا القديم في الحي العتيق، حيثُ كانَ يعيشُ جَدّي وحيداً، جَدّتي رحلت ْإلى السماء قبله بخمسِ سنوات، فارقَه أبناؤه مُكونين أسرهم، يَقطنون ضواحي المدينةَ حيثُ البناياتِ الفخمة، والمدارسِ الراقية، ووسائل ِالرفاهية.
أتذكرُ أنّهُ كلما زُرتُه لَمَسْتُ سعادتَه، فَكانتْ ترتَسم على وجهِه أماراتُ البهجة؛ لأنني المُقرب إليه من بينِ أحفاده الصّغار؛ كنتُ آتيه بما يَشتهيه من أشياءَ مَمْنوعة، كانَ مُغرماً (بالجبنة الرومي) التي حذّره الأطباءُ من تناولها؛ لأنها مُمِيتة في حالته لزيادةِ نسبة الأملاح فيها، عليه أنْ يُحافظ على سلامةِ ضغط دمه المرتفع دائماً.
كان يُمسك طرفَ أذني بأنامله المُرتعشةِ، ويَهمسُ مُرشداً إياي إلى عدة حيلٍ أخفي بها ( الجبنة الرومي)، كانَ يخشى أنْ تقع عليها أعينُ المتلصصين في بيتنا فيحرمونه منها .
ظَللتُ أبتاعها له خِلسة لِزمنٍ طويلٍ كوصيته لي، لم أكنْ أعلمُ ضررَها عليه إلا بعد مرورِ سنوات، كُنتُ مُعْتَزاً بنفسي لأنّه اصطفاني من بين أحفاده لهذه المُغامَرةِ الحبيبة إلى قلبِه ومعدتِه.
لازمني الشّعور بالزٍهو؛ لعدم اكتشاف مَنْ يأتي له بالجبنةِ الرومي، وأنني صاحبُ قدراتٍ خارقة، أولادُ عمومتي الذين يقطنون معنا لا يملكون من الدهاءِ ما أملك كما كان يُصرح لي، بهجتي تبلغُ ذروتها حينما أسمعُ مَنْ في البيت وهم في عَجبٍ يتساءلون :
– كيف وصلتْ إلى جدي ( الجبنة الرومي)، وهو لم يُغادرْ مكانَه؟
جَدّي كانَ يُقدر لي (رجولتي) كما يقولُ، وعدمِ كشف سره لأحدٍ، كنتُ أستلذُ رؤيتهم وهم دَهِشون، ما نَزعتْ نفسي أبداً أنْ أسِرَّ إليهم ما يَزيل دهشتهم، أو يَفُضَّ حَيرتَهم .
كانتْ تُساورني أحياناً شكوكُ انكشافِ أمري، فأتوجسُ خِيفةً من عقاب أبي، الأكثر ألماً هو خَسارةُ ثقةِ جدي، كنتُ أحْتالُ وأدعو أبناءَ عمومتي للسمر تحت إحدى أشجار الحديقة، أستدرجهم بلطفٍ إلى الحديثِ عن كيفية وصول (الجبنة الرومي) إلى جدي، أحدُهم يقولُ بصوتٍ خافت :
– الملائكةُ هي التي تَأتي لِجدي بِها.
وآخرُ يُضيف :
– جَدي من الصّالحين، يخرجُ ويبتاعُ ما يرغبه، ثم يعودُ، ولا يراه أحَدٌ.
وحفيدٌ ثالثٌ يميلُ برأسه بيننا كَمنْ يُفشي سرًا :
– العصافيُر على حافةِ نافذةِ جدي هي التي تأتيه بما يرغبه، فهو من يُطعمها ويَسقيها، خاصةً في فصلِ الصيف اللاهب .
أرهفُ سَمْعي لما يقولون فأطمئنُ، ظللتُ الوحيد الذي بيده مِفتاح الأسرار، تُرضيني رؤيتهم وهم حَيارى يَتخبطون، أنا الذي إنْ أرادَ رَوى ظمأهم، وكشفَ لهم ما يَجْهَلون، لكنْ هيهات.
ما زلتُ أتخيلُ نفسي جالساً بجوارِ جَدي مُسْترجِعاً صوت المؤذن يَترامى لنا من بعيدٍ عذباً يدعونا إلى الصّلاة، فاصطحبه إلى المسجدِ، يتوكأ على عصاه المَصنوعة من خشبِ (الأبنوس الأسود) بِمَلْمسها الناعم، ومِقبضها الذهبي المُزخرف بأشكالٍ مُنمنمة.
حينَ اقتربنا من بابِ المسجدِ سبقتنا سيارة؛ وقفتْ بالقرب من الباب، وإذ جارُنا ( أمين ) يَنْزلُ منها مُتوجهاً إلى بابها الخلفي، أخرجَ مَقعداً متحركاً، قرّبَه إلى الجالس في السيارة، أخذ بيده، أجلسه عليه مُنطلقاً به إلى داخلِ المسجد .
مَالَ (أمين) على قدمي والده، نزعَ عنهما النّعال في رِفقٍ، سار به الهوينى إلى الصفِ الأول، أدّيا معنا الصلاة، ثم آبَ بوالده في تُؤدة إلى السيارة بعد أنْ ألبسَه نِعاله.
سألتُ جَدي ونحنُ عائدان لبيتنا عمّا أصابَ والد صديقي (أمين)، فقد كانَ مًشهوراً بقوته الجسدية وبنيته الرياضيةِ، أخبرني أنه أُصيبَ في عموده الفقري، عِندما استنهضَه أحدُ الباعة الجائلين ذاتَ يومٍ، بعدما سقطت عربته الخشبية بما عليها من خضراوات وفاكهة في تُرعة الماء التي خلف منزلنا، فَشمّرَ عن ساعديه، وانتشلَ العربة وصعدَ بها من الترعة.
يتعجبُ الكثيرون مِنْ مُكْثِ (أمين) مع والده في بيتهم العتيق المجاور لبيتِ جدي، يَعلمون أنه قادرُ على السّكن في أرقى المناطق، وأعظم القصور…
أخبرني جدي أنّ ( أمين) أطاع والده، ولبّى رغبته في البقاء في بيته، لا يريد التحول إلى مكان آخر، هنا عاش حيثُ ذكرياته وأحلامه ورائحة زوجته التي سبقته إلى السماء، فآثر (أمين) أيضاً البقاء مع والده.
لمّا تزوجَ (أمين) اشترطَ على عروسه (فاطمة) أن يظلَ مع والده، تَمنعتْ في بداية الأمر مُتعللةً بأسبابٍ كثيرة، لكنّها في النهاية رَضَختْ، رُزق (أمين) بالبنين والبنات، انتعشتْ تجارتُه، صارَ مضربَ المثل على النجاحِ والثراء .
السّنون مَرّتْ، انتقلَ جدي إلى الرفيق الأعلى بسبب ارتفاع ضغط الدم المُفاجئ، زعمَ الأطباءُ أنّه تناولَ شيئاً أدّى إلى ارتفاع الضغط بِطريقةٍ مُميتةٍ، فَقضى عليه في لحظاتٍ.
أصابني حُزنٌ بعدَ وفاته، استمرّ لأيامٍ وسطَ دهشة أبي وأمي وأقاربي، تعجّب مَنْ بالبيت مِنْ شِدّةِ حزني وانعزالي عن الجميعِ مُنفرداً في غرفتي، خشيتْ أمي عليّ ، فاصطحبتني إلى الطبيبِ، سَرعان ما لَحِقَ جارُنا أبو أمين بجدي.
انتقلتُ إلى منزلٍ آخر في منطقة أخرى، بدأتْ تجاعيدُ السّنين تُعلن عن نفسها على مَلامحي، صِرتُ قليلَ الحركة كما كانَ جدي، أخذتني الحياةُ بضجيجها وأحداثها منْ نجاحاتٍ وإخفاقات .
أشعرُ بأصواتٍ تدعوني إلى زيارةِ بيتِ جدي، وأداءِ الصّلاة في المسجدِ نفسه الذي تعودتُ الصلاة فيه معه ومعَ أمين ووالدِه ، كلّما تَراخيتُ عن تلبيةِ هذه النّداءات تَملكني تأنيبُ الضّمير .
ذاتَ يومٍ استجبتُ للنداء، لَبّيْتُ الهاتفَ الذي يصرخُ داخلي لزيارة بيتِ جدي، اقتربتُ منه لَفتْ انتباهي شكلُه الفخم بطرازه المِعماري العريقِ ومساحته الشاسعة، وأبوابه العالية، ونوافذه الخشبية الفسيحة المُزخرفة .
فتحتُ الأبواب، أزلتُ بعضَ الأتربة التي عَلِقتْ بالمقاعدِ، جلستُ مُتأملاً السّتائر الحريرية، وقطعَ السجاجيد الفاخرة، واللوحات المعلقة على الجدران.
وَقَعَتْ عَيني عَلى أعشاشِ العصافير على الحوافِ الخارجية لِنافذةِ جدي، لا زالت العصافيرُ وفيّةً لمَوْطِنها، الأعشاش تظهرُ عليها آثارُ السّنين حيثُ يبسَ بعضُها، وبعضها بُنِيَ حَديثاً، قلتُ لنفسي:
– يَبْدو أنّ العصافيرَ الأمهات يُحافظنَ على القديم، ويُنشئن أعشاشاً أخرى جديدةً بجوارِها لفراخٍها الوليدة .
تَذكّرْتُ كلامَ جدي عندما قَصّ عليَّ قصةَ الحربِ التي دارتْ بينَ عصافيرِ بيتنا الأصليةِ وعصافير غريبة أرادتْ استيطانَ النوافذَ في أحدِ أيام ِالصّيف، استعدتُ صوَته عندما قال َ:
– عصافيرُ بيتنا بَعضُها منْ بعض، كلّ جيلٍ منها يُسلم الذي يَليه، ألا تَرى أنّ ألوانَها هِي … هِي .
وأضافَ وقد لَمعتْ عيناه، وظَهرتْ عليه الدّهشةُ :
– ذاتَ يومٍ رأيتُ معركةً بين عصافير بيتنا الأصلية، وعصافير أخرى غريبة حاولتْ بناءَ أعشاشِها على حَواف بعضِ نوافذنا، استمرّ القتال واحتدمَ، استخدمتْ فيها العصافيُر مناقيرها في الدفاعِ والهجوم، طالَ الصّراع، تَجمّلت عصافيرُ بيتنا بالصّبر، فكانَ لها النصرُ، فرّت العصافيرُ الدخيلة مَدْحورة، فإنّما النّصرُ صَبْرُ ساعةٍ .
يومَها جَدي نظرَ إليّ مليّاً، كأنّه اكتشفَ شيئاً غريباً لم يَفطنْ إليه أحدٌ منْ قبله، أوْ أرادَ أنْ يًزيدني عِلماً بالبشر والطّيور، فأضافَ بصوتٍ مُغلّفٍ بالحكمةِ :
– كما تَستخدمُ الطيورُ مناقيرَها للمداعبةِ والمُلاطفة فيما بينها، ويُطعم الذكرُ أنثاه بمنقارِه خاصةً قبيل التزاوجِ حتّى تَسكنَ له، ويَقضي وطرَه منها، فإنها تستخدمُ مَناقيرها كأسلحة في معاركها، فتسيلُ الدّماء، ويَتطايُر الّريشُ، فالمِنقار واحدٌ والأهدافُ شتّى، هزّ رأسَه وسألني :
– أليسَ كذلك ؟
تَحليتُ بالّصمت، ولا أدْري، أسألني، وينتظُر الإجابة، أمْ يقرُر شيئاً استخلصَه منْ خِبْراتِه بالطيورِ والبشر ؟!
قبلَ وفاته بيومٍ دَعاني لغرفتِه، وجدتُه يتأملُ صورةَ جدتي، وعيناه مُغرورقتان بالدّموع، يُتمتُم بكلماتٍ غير مَفهومة، طلبَ إلىّ أنْ أبتاعَ له (الجبنة الرومي) أتذكرُ أنّه طلبَ أضعاف ما يُريدُه في كلِّ مَرةٍ، لَبيْتُ رغبَته في سريةٍ كما تَعودنا .
حَملتني قدماي إلى غُرفتِه التي قَطَنها لسنواتٍ وَحيداً، شيءٌ ما دَفَعني إلى تفَقدِ حاجياتِه، وَقَعتْ عيناي على صُندوق صغيرٍ مصنوعٍ من الخشبِ المُطعمِ بالنحاسِ، كانَ لا يَسمحُ لأحدٍ بفتحِه، أوْ العبث به حتى أنا أقرب أحفادِه، وحامل أسرارِه، كنتُ أتعجبُ مُتسائلاً :
– ما سَببُ حرصِه الّشديد على سريةِ ما فيه؟
تَسلّلَتْ يَدي برفقٍ إلى ذلك الصندوق، شَعرتُ بأنفاسِ جَدي مِنْ خلفي، يَدهُ تقتربُ من كَتفي تَسْتوقفني، تَمنعني من الاقترابِ منْ صندوقهِ، ارتجفتْ يدي، أحْسَسْتُ أنّه يَراني، ولا يُريدُ أنْ يكشفَ سرَه أحدٌ بعد موته.
بباطنِ كفّ يدي مَسحْتُ بعضَ الغبار العالق به، الفضولُ يُسابقُ يدي، أسْرعتْ يدي بفتحِه وجَدتُ فيه صورةَ جدّتي المُتَوفاة قبله بسنواتٍ وقطعةً مِنْ
(الجبنة الرومي) التي كُنتُ ابتاعها لهُ في الخَفاءِ.
خَذلتني قدماي، ارتَميْتُ على مَقعدِه الذي كانَ يَجلسُ عليه، ويتأملُ العصافيرَ على حافةِ نافذته، تلك العصافيُر التي كانَ يُطعمها من جوعٍ، ويَرويها مِنْ صدىً في أيامِ الصيفِ اللاهب.
جُدرانُ غرفتِه أشعرُ بها تَضيق عليّ، سَمعتُ صوتَ المؤذن، تناولتُ عُكازتي (الأبانوس السّوداء) المزخرفة برسوماتٍ مُنمنة، وتوجهتُ مُلبياً الدعاء .
سَبقتني سيارةٌ إلى بابِ المسجد، نزلَ منها شابٌ مُتوجهاً إلى بابها الخلفي، أخرجَ مَقعداً مُتحركاً، أخذَ بيدِ الجالسِ في السّيارة، أجلسَه عليه، سارَ به نحوَ باب المسجدِ، انْحنى على قدميه نازعاً نِعالَه في رِفقٍ.
اقتربتُ من الشّخص الجالسِ على المَقعد، وأنا أتوكأ على عُكازتي، لَمَحَ الشّابُ في تَعابيرِ وجْهي الرّضا عَمّا يقومُ به، فَطالعني، وأضافَ :
– هذا واجبي يا عَمي، هذا أبي، وسَبيلي إلى الجَنةِ .
نَظَرتُ إلى الرّجل الجالسِ على الَمقعد في سَكينةٍ ، وقد تَغّضنَ وجهُه بالتّجاعيد، وحَدّثتني نفسي :
– هذه الملامحُ مَألوفةٌ، هذا الوجهُ ليسَ غَريباً، تَسمّرتُ أمامَ الرٍجلِ أنظرُ إليه، وهو يَنظُر إليَّ، افترَّ ثغرُه عن ابتسامةٍ، وقالَ بِصَوْتٍ واهِنٍ :
– مَرْحباً، ألا تَتَذكرني ؟! وأكَملَ حَديثَه:
– أنا جارُكَ، وصَديقُكَ (أمين).
– وَهذا وَلَدي.
محمد ياسين خليل القطعاني : الكويت / مصر
