عطب في الذات

عطب في الذات
    منير لكماني 

ما لك…وما عليك

في المجتمعات التي تتوق إلى التقدم، لا يكون العائق دومًا في الخارج، ولا يكمن الخلل دائمًا في الأنظمة أو الظروف. بل قد يستقرّ العطب في قلب المشروع ذاته، في فاعليه لا في معوقاته، في الصورة المشوشة للإنسان الذي لا يكتمل، ولا ينقطع، بل يظل في حالة “نصف”… لا يرقى إلى الفعل، ولا يختفي من المشهد.
إنه “إنسان النصف”: ذاك الفرد الذي يُجيد المطالبة، لكنه يَغفل عن أداء الواجب؛ يُتقن الخطاب، لكنه يفرّ من العمل؛ يعيش في انتظار الحقوق، دون أن يسهم في بناء شروطها.
في مغرب اليوم، حيث تتقاطع الآمال مع الإكراهات، وتتنازع الإرادة مع الواقع، تبرز هذه الصورة كواحدة من التحديات العميقة التي تحتاج إلى قراءة هادئة ونافذة.
حين يختزل الإنسان ذاته
“إنسان النصف” ليس مجرّد وصف أخلاقي أو سلوكي، بل هو تشخيص لوضعية وجودية تتسلل إلى الوعي الفردي والجمعي. في المدرسة، يكون الحضور جسديًا، لكن الغياب ذهنيًا. في الإدارة، يتجسد في أداء يتعامل مع الوظيفة كعبء لا كرسالة. في الحياة العامة، يتحول إلى كائن كثير التذمر، قليل المبادرة، يرى الخلل في كل شيء إلا في مرآة ذاته.
تراه يطالب بالعدالة، لكنه يغض الطرف عن ظلمه الصغير لزميله أو جاره. يتحدث عن الكرامة، بينما يُهين الفكرة ذاتها حين يرضى بالتحايل والغش والواسطة.
سوسيولوجيا “النصف”: كيف يُصنع الضعف؟
في العمق، لا يولد الإنسان على هيئة نصف. بل يُعاد إنتاجه داخل منظومة تُطبع سلوكه وتُقيد طموحه. تعليم يُعلّم الحفظ لا الفهم، إدارة تُكافئ الولاء لا الكفاءة، إعلام يُصدّر الخطاب ولا يطرح الأسئلة، وثقافة تُبجّل الشكوى وتستخف بالاجتهاد.
إننا بإزاء نمط اجتماعي يتوارث العجز، فيتحول مع الوقت إلى قناعة باطنية بأن الفعل لا جدوى منه، وأن الأمل ضرب من السذاجة، وأن التغيير حكر على “الآخرين”.
وهنا تكمن خطورة “إنسان النصف” في كونه لا يُعارض التغيير علنًا، بل يُفرغه من مضمونه في صمت. هو عائق داخلي، لا يُرى، لكنه يُفرمل كل تقدم.
من النصف إلى المشروع الكامل: كيف نُعيد تشكيل الإنسان؟
لا يكفي أن نُدين الظاهرة، بل لا بد أن نطرح طريقًا للخروج منها. والحل لا يبدأ بإصلاحات تقنية فقط، بل بـ ثورة هادئة في الوعي، تستعيد للإنسان المعنى في وجوده اليومي.
• في التربية: يجب أن نزرع في الطفل منذ الصغر أن العلم ليس للحفظ، بل للفهم، وأن الجدّ قيمة في ذاته، لا وسيلة فقط.
• في العمل: نحتاج إلى بيئة تُكافئ الإنتاج لا الوقت، وتعترف بالاجتهاد لا بالمجاملات.
• في الخطاب العام: لا بد من الانتقال من ثقافة الضحية إلى ثقافة الفاعل، ومن انتظار المنقذ إلى التغيير بالذات.
• في المواطنة: يجب أن يتصالح المواطن مع فكرة أن الديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع، بل في الموقف اليومي، في السلوك الصغير، في احترام القانون ولو لم يُراقب.
الإنسان حين يكتمل
النهضة ليست مشروعا يُنجز من فوق، ولا تُصنع بالخطب والمجالس فقط، بل تنمو من تربة الوعي الفردي، حين يتصالح الإنسان مع مسؤوليته، ويخرج من شرنقة العجز.
في مغرب يتغير، ويطمح، ويجتهد في بناء غدٍ أفضل، لا بد أن نكسر هذا القالب الخفي: إنسان النصف. فنُعيد الاعتبار للإنسان الكامل، لا الكامل في قدراته، بل في صدقه مع نفسه، وفي سعيه الدؤوب نحو الأفضل.

فإذا كانت النهضة مطلبًا جماعيًا، فإن الإنسان هو مفتاحها الأصيل. لا نهوض بلا إنسان يؤمن بأن التغيير يبدأ منه، لا يكتمل إلا به.

27/06/25 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com