في لحظات معينة ومميزة من كل مسيرة عمرية، يجد الواحد منا نفسه في موضع اتهام بالقسوة، الجفاء، التَبَدل، ويبقى الغريب جدا أن هذه الاتهامات أو الكليشيهات لا تأتي نتيجة سلوك عدائي أو فظاظة في التعامل، بل تكون نتيجة طبيعية لأننا قررنا التوقف عن تقديم كل التنازلات المعنوية والمالية والتأمينية، التي اعتدنا أن نمنحها بطواعية متناهية وسخاء حاتمي، وتنازل مُوَلَّدٍ من طيبوبة متأصلة وسخاء متجذر، أو وصية من كَبِير، كما قد يكون من فعل محبة ومودة. لكنه عندما يتحول إلى قاعدة دائمة وسلوك واجب اتجاه الآخر فإنه يصبح فعلا مُخِلاًّ بكل مقاييس المحبة والأصول. وتبقى الحقيقة المتغافل عنها ملخصة في تحول تلك ” الطيبوبة ” إلى نمط دائم من التنازل فتصير استنزافا وعبثا لا مصدر له. بعد أن كانت في بداية الامر جسرا ممدودا للمحبة والتواصل، لتتحول مع منتصف الطريق إلى أداة لتفادي الفُرْقَةِ والخلاف، وينتهي بها الأمر متحولة إلى عبء لا يحتمل. إذ لا أحد يستطيع أن يداوم العطاء بلا نهاية. وبالتالي فلا يجوز أن تبنى العلاقات على معادلة، حدُّها الأول يعطى وفق دالة تصاعدية، وثانيها جهة لا تعرف سوى تقبل تلك التنازلات وذاك التسامح الطوعي، وما إن تبدأ في تحديد معالم حدودك وافاق تنازلاتك، حتى ينظر إليك على أنك تغيرت وتبدلت، أو أنك صرت قاسيا ولا تعير الآخرين أي اهتمام. إذ ليس من السهل على من اعتاد التلقى – لمدة طويلة – أن يقبل بتغيير قواعد اللعبة، فحين ترفض أو تتخلى أو تصحح، فكأنك تقول ( لا ) بعد سلسلة متواصلة من ( نعم ) وتطلع عنك ثوب الرضى الذي ضاقت عنك جوانبه، وتكشف وجها جديدا – رغم أنه ليس كذلك – منسجما مع ماينبغي أن يكون، أو ما أنت عليه في الأصل. وأنك قررت أن تمنح نفسك ماكنت للآخرين مانحا.
فالتوقف عن التنازل ليس خيانة، بل هو لحظة وعي تعيد الإعتبار للكرامة، للهوية، للحماية من استمرارية الانزلاق في متاهات اللامبالاة . فحين تتوقف عن ” اسعاد الآخرين”، تلك السعادة المقرونة بالعطاء والتي تأتي على حسابك الشخصي، فأنت لا تجرح أيا كان، بقدر ما أنك قررت أن تداوي حالك، وما الحدود التي رسمتها إلا تعبيرا صريحا عن استحضارك قيمة حمايتك من كل استغلال مجانب للصواب حتى وإن بدا للآخر أنك صرت “أقل لطفا ” أو ” أكثر وقاحة” أو ” منبعا للقسوة “. وهو ما يجعلني أسأل نفسي مرارا : ما القسوة ؟
* القسوة ليست في وضع حدود للالتزام بها، بل تكمن في الإعتراف بها.
* القسوة هي أن يتوقع منك الآخر البقاء على أن تظل دائما ذاك المرن، المتسامح ، المتساه ، المتفهم، الصموت، حتى ما لا نهاية .
* القسوة، أن يُحملك الناس ما لا تطيق ويرفضونك حين تتراجع خطوة أو خطوات إلى الخلف، من أجل التأمل، التقييم، تحديد خارطة الطريق، إعادة البناء .
* القسوة، نتهم بها عندما نقلع عن تقديم نفس الامتيازات التي كنا نقدمها بسخاء، ونبدأ في نسج خيوط التوازن بين الذات والمهية، بين الذات والآخرين، بين الذات وما ينبغي أن تكون عليه حالا ومستقبلا. فنحن لسنا مطالبين بأن نعيش دوما كظل لرغبات الآخر، ولسنا مضطرين لأن نكون طيبين حد الذوبان، فالحياة عامة والظروف الحالية خاصة تفترض أن نكون بالأساس عادلين مع ذواتنا، حتى ولو أُسِيء فهمنا.
وخلاصة القول فإن طريق الحياة وعر وشاق ومرهق، إن لم نقل بأنه مُضْن . وما حياتنا إلا طرقات، مسارات، متفرقات… وهي ممر للكثيرين من أفراد العائلة والأسرة والرفقة والأحباب وباقي المعارف،
فهناك من يسلكها آمنا مطمئنا، وهناك من يتيه في دروبها ومنعرجاتها – عن قصد أو غير قصد – فليختار الواحد لحياته مَعْناً وطريقا، يفضي به ومن خلاله إلى ماهو مأمول، مستحضرا أسئلة جوهرية مركزة أقدمها لنفسي أولا قبل أي كان ، وهي :
* هل أنا موجود فقط حينما يحتاجون الي؟ .
* هل من واجبي القيام بالكثير من الأعباء، دون أن يطلب مني القيام بها ؟
* هل يفترض مني أن أتفهم وأقدم، ولا أتلقى أي إعتراف بالجميل، أو تقدير لمواقفي التضامنية ؟
* هل يفترض توقفي عن العطاء – تحت أي طائلة – أن يُقَابل بالتقصير، الجفاء، اللامبالاة ؟
ختم كالبدء :
من عروس الشمال المغربي، وفي صبيحة يوم صيفي قائض، أقول صباح الورود العطرة الندية لِخُطَانا، صباح الأمل لمن يسلكون دروب التفاؤل، لمن يحملن ويحملون بعد النظر، النقاء ، الصفاء، المحبة …. في قلوبهم ( ن ) وهم لطرق الحياة عابرون وعبارات.
ثريا الطاهري الورطاسي
24 يونيو 2025
Related
Zahra
زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم.
Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian
Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic
language. (French)
هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر.
كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة.
رابط الموقع: Alwanne.com
للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com