قصة قصيرة للكاتب محمد ياسين القطعاني
ابنُ الجنّيّة
عيَناه غائرتانِ في مَحْجريهما، فيهما وَميضٌ، فيهما انكسارٌ، يَمْشي مُتَمَهلاً، كأنّه يَعدُ خُطواتِهِ، مَلابسُهُ مُتَواضِعةٌ، لكنّها مُتناسقة، حذاؤه تَظهرُ عليه تَقلباتُ السّنين .
شَعْرُه طويلٌ غَيرُ مُمَشط، شاربُه كَثُّ، فوقهَ أنفٌ مُدببٌ، كفاه خَشِنتان، مُتوسطُ الطّول، وجهُه مَألوفٌ، عندما تَراه تَهُشُّ له، ربّما تُشاهدُه في أماكنَ كثيرةٍ.
قَدماه تَخطوان صَوبَ قاعةِ المُحاضرات، كلّما مَرّ على زُمْرةٍ من الطّلبة تَغامَزوا، أحياناً يَسمعُ أحدَهم يقولُ لمَنْ حَوْله :
– ها، قَدْ جاءَ المَفتون.
يَلْمح إحدى الطّالباتِ وهي تَلْمزُ أخرى؛ لِتَنظرَ إليه، يَتغافلُ عمّا يُثْرثرونه، وعمّا يَفْعلنْه.
دَخلَ قاعةَ المحاضرات، توجّهَ إلى حيثُ يجلسُ في كلِّ مُحاضرةٍ، يَعلمُ منْ في القاعةِ المكانَ الذي سوفَ يَتقوقعُ فيه، هذا مَكانُه الأثير الذي يَتْركونه لهُ جَبْراً بخاطرهِ.
إنّه آخر مَقعدٍ في طرفِ الصّف الثّالثِ بجوار الجدارِ، يَسْتوطنُ هذا المَكانَ كي يَراها حِينما تَدخلُ القاعةَ .
تَدْخلُ بَعْدَه بقليلٍ، تَتَهادى في دًلالٍ، تَتَطايرُ خُصلاتُ شعرِها بِفِعلِ تيارِ الهواءِ القادمِ مِن النّافذة، تتناولُ خُصلاتِها بأناملِها، تُعيدها إلى مكانِها، لكنّ الخُصلاتِ عَصيِّةٌ، تأَبى الطّاعة، فتظلُ تداعبُ جبهتَها البيضاءَ المُستديرَة، وخديها الزّهريين.
الطّلبةُ يتأملونَها حالَ دُخولِها، جَمالُ وجهٍ، وفِتنةُ جَسدٍ، ثِيابٌ فاخرة، عُطورٌ نفّاذة، يُعيرونها آذانَهم عِندما تُقْبل، فطَرْقعات حذائها تعزفُ حينَ سيرها.
مِن مَكانه يَختلسُ النّظرَ إلى مُقْلتيها الكَحيلتين، وصدرِها النّاهض، وثغرِها البسّام، ووجهِها الوَضاء، وشعرِها الجَموح .
لَحظةُ دخولِها تَأخذهُ رَعدة كعادتِه عندما يراها، يظلُ يَتْبعها بطرفِ عَينيه، هَكذا شَأنهُ على مَدى السّنوات الثلاثّ الفائتةِ .
الطلبةُ يَعلمونَ عِشقَه لها، حًين يُريدون مُمازحتَه يقولُ له أحدُهم :
– ( أ أملُ )، فيبتسمُ ابتسامة الفَرِحِ المَحزونِ، يُحملق في القائلِ مُعاتباً، ولا يَنبسُ بِحَرْفٍ، شهرتُه عندهم : مَجْنونُ ( أمل ) .
غافلَه أحدُ زملائه ذاتَ يومٍ، وتَلَصّصَ على إحدى كُراساتِه، قرأَ فيها قصيدةً ضَمّنها مُكابدتَه ونَجْواه، وما يَلقاه من الهَجرِ والحرمانِ، ويَسْتجديها الوِدادَ، ويَسْترحمُ الوِصالَ، واستفتحَها بالنداءِ 🙁 أَ أملُ ) .
مَقهورٌ بفقرِه، مَغلوبٌ بثرائِها، مَسْحورٌ بجمالِها، حُلمُه أنْ تُحادِثَهُ؛ ليبثَها ما يَكُّنه مُنذُ سنواتٍ، فقد أزفَ الرّحيلُ، هذه سنَةُ التّخرجِ لهُ ولَها، سوفَ يَذهبُ كُلٌ في طرَيق .
تَدورُ القِصصُ والأساطيرُ عنْ عِشقِه وفِطنتِه ونبوغهِ، أحدُهم يقولُ :
– هو مَكتبةٌ تسيرُ على قَدمين، ذكاءٌ حادّ، ذاكرةٌ حافظة .
– آخر يُضِيفُ: ذِهنٌ مُتقد، وبَديهةٌ حاضرة .
– أمّا الثالث فَيُكملُ: لِسانٌ مُبين، يأسرُ السّامعين، فِطرتُه نقية، لمْ تُهجنها العاميةُ، لولا حَياؤه لرأيتم مِنهُ العجب .
أجلّ حالاتهِ حينَ يَتحلقُ حولَه الطلبةُ يسألونه عنْ بيتِ شعرٍ غامض، أو وَصفٍ شارد، فَيُطلِّق خجلَهُ، ويَنسلخُ من حيائِه، وتتلبسه الجُرأةَ، ويَجلس مُسنداً ظهرَه إلى المَقعد، ويَسترسلُ بحديثٍ كأنّه يَغرفُ مِن بَحرٍ، ويَفيضُ بشواهدِ الشّعراء، وأقوالِ الحكماءِ .
أحَدُ أساتذتِه قالَ عنه ذاتَ يومٍ في إحدى المحاضراتِ :
– كلماتُه فَصيحة، ولغتُه بَليغة، يأتيكَ بالغريبِ فتُدْهش، وبالشاردِ فتَنتعش، اللغةُ تُطيعُه، وتَخشى عِصيانه .
جَلساتُه مَعَ رفاقِه تُفتتَح بالقليلِ من الحضورِ في (كافيتريا الكلية)، بَعدَ وقتٍ قصيرٍ يَصيرُ القليلُ كثيراً، وتُهرولُ إليه الأقدامُ، وَأعْجبُ عَجَبِه إذا استَنْشدوه مِن الغزلِ، وأحوالِ المُحبين، فلنْ يَتوقفَ كأنّه سَيْلٌ مُنْهَمِر .
بَعْدما يَنتهي مَجلسُهُ، يَصيرُ الذين تَحلقوا حولَه غيرُ مُصدقين ما رأته عَيونهم، وسَمِعته آذانهم، يُحدّثُهم عَنْ ألمِ المُحبين، وأوْجاعِ العاشقين، فيُسحونَ الدّمعَ، ويَنْفطرُ منْهم الفؤاد.
عامِلُ ( كافيتريا الجامِعة ) رأه يَوْماً ساهماً، أطالَ إليه النّظرَ، ثم استجمعَ إرادتَه، وَدَنا، وسأله :
– أستاذ، كيفَ تظلُ تتحدثُ بكلامٍ مُهمٍ لمدةٍ طويلةٍ ؟
هو : هل يُعجبُك كلامي ؟
العامل: لا .
هو : لِماذا لا يُعجبكَ ؟
العامل : لأنني لا أفهمُ أغلبَ ما تقولُ .
هو : إذنْ، كيفَ عَرفتَ أنّ كلامي مُهمٌ ؟
العامل : لأنّني أشاهدُ ذلك على وجوهِ الذين يَسْتمعونَ إليكَ .
هو : هَزّ رأسَه .
العامل : زملاؤك يَقرؤون ما تَقرأ، لكنّهم لا يَتحدثون كما تتحدثُ .
هو : ابتسمَ، هَشّ في وجهِه، مَسحَ رأسَه بيده، وانصرفَ .
عِشقُه ل (أمل) تَتناقلُه ألسنُ دُفعاتِ الطّلبة والطاّلبات، السّابقُ يَنقلُ قصتَه إلى الّلاحقِ مع زياداتٍ جَعلتْ مِنْ قِصتِه أسطورةً، ومنْه مِثالاً .
هو مِنْ قَريةٍ رابضةٍ في عُمْقِ الرّيفِ، هيَ مِنْ بناتِ المدينةِ المُترفاتِ، خَجلُه وعَوزُه قُضبانُ حَديديةٌ تُكبلُهُ مِن البَوْحِ بحبها.
تَتَعالى على هذا الرّيفي القادمِ مِنْ مَرامِغِ الطّينِ كما تقولُ، تتأففُ أنْ يَقْرِنَ أحدٌ بينها وبينه، هي بنتُ الأكابر، وهو ابنُ الأصاغر، فأنّى يَلتقيان، شَتانَ ما بين الثّرى والثّريا .
زملاؤه يَتحلقون حولَه قُبيلَ الامتحاناتِ، هذا يسألُ عن صورةٍ بلاغيةٍ، وذاكَ عنْ مُعضلةٍ نَحْوية، وتلكَ تَسْتفسرُ عنْ مَثلٍ سائرٍ، وأخرى أعْجزتْها مَسألةٌ صَرْفيةٌ .
ظَلَّ مَحطَّ فَخرِ زملائه، يُتحفهم بالغريبِ منْ أيام الأقدمين، والمُدْهِشِ منْ حكاياتِ الغزليين حتّى ظنّوه مَولوداً مِنْ جِنيّة، وليسَ منِ امرأةٍ بشرِيّةٍ، فكانوا يُنادونه :
– يا بنَ الجنيةِ، فَيبتسمُ ابتسامَته الفِطْرِيةِ، وَيَهزّ رأسَه يَمنةً ويَسرة، ويَمْضي لحالِ سبيلِه .
يَحكونَ يومَ لَمحَ أحدَ زملائه يُسرعُ خارجاً من بابِ قاعةِ المُحاضراتِ، فَحذّره مِن الوقوعِ بين الأقدام، وحَدثَ ما تَوقّعه، يومها قال :
– ” رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثاً “، فاُسْقطَ في أيديهم، وتَناظروا دَهِشين، عَلّ أحدَهم يُفسرُ ما سَمِعوه، وحالَهم يقول :
– ” ماذا قال آنفاً ؟”، فقصدَه أشدُهم عَجباً سائلاً :
– هل هذا مَثلٌ ؟ وما ( عَجَلة ) ؟ وما ( رَيْثاً ) ؟
مالَ بظهرِه إلى مَقعده، وأطنبَ شَرحاً حينَ يُسْتَحبُّ الإطناب، وأوجزَ حينَ يَحْسُن الإيجاز، وبعدما انتهى من البيانِ والتّبيين، َولّى مُدبراً لحالِ سبيلِه، وهو يُغادرهم سَمعوه كأنّه يُحدثُ نفسَه :
– إنّ الأمثالَ مَصابيحُ الأقوالِ .
عامُه الدّراسي انتهى، تَفرّقَ الجمعُ في دروبِ الحياةِ، ما يُكدرُه غيابُ وجهِ حبيبتِه عنْ ناظريه، هي عِنده جامعةُ الحُسن، وفريدةُ الزّمان .
خَذلته الجامعةِ، لم تُعينْه عضوَ هيئةِ تدريسٍ، رَغْمَ أنّه أولُ دفعتِه، فَتنازَعَه كَرْبان، كربُ فِراقِ الحبيبةِ، وكَربُ ظلمِ الجامعة.
عَمِل في مِهنٍ شتّى، يَأبى العودةَ إلى قريتهِ، قلبُه مُعلق ٌبالمدينةِ التي فيها أمل، يُمَنّي نفسَه أنْ يراها ذاتَ يومٍ، أملُ ما زالتْ تَسكنُ قلبَه، يتذكرُها في حَركاتِها وسَكناتها، لينِها وقَسْوتِها.
قَرأ إعلاناً عنْ حاجةِ إحدى المُؤسسات الثّقافية إلى مُدققٍ لغويّ، عدّلَ هِندامهِ، تأبّطَ أوراقَه، يَمّمَ وجهَه صَوبَ المُؤسسة، استقبلته إحدى الفتيات بفتورٍ، نظرتْ إليه مُصَعدةً وهابطةً كأنّه كائنٌ غَيرُ مَألوف، أوْ شيءٌ غيرُ مَعروفِ، أمَرتْهُ بالجلوسِ بإشارةٍ منْ إصْبعِها قائلةً:
– اجلسْ هُناكَ، المديرةُ قادِمةٌ في الطّريقِ، هي التي تُجري المُقابلات.
وهي تُوليه ظهرَها سَمِعها تقولُ في سُخريةٍ لمَنْ مَعها مِن المُوظفاتِ:
– هذا مَظْهرُه يُنْبِئ عنْ مَخْبره، ما الذي أتى بهِ إلى هُنا ؟
على أحدِ المَقاعدِ أسلمَ جَسدَه، تَفَقّدَ ملابسَه، نظافةَ حذائِه، نسّقَ أوراقه، صَدّرها بشهادةِ تخرجهِ المَمْهورة بِتَميّزِه، يأملُ أنْ ينالَ حقَه ِمن الدّنيا التي جَفته، واتخذتْه غَرضاً لسهامها، مَرةً تُصيبُه بالفقرِ، ومَرة تَسلبُه تفوقَه، وتُفضلُ منْ هو دونَه، وثالثة …
تَناهتْ إلى سَمْعِه أصواتُ نَغماتِ وَقْعِ حذاءٍ، شاهدَ مُوظفات الاستقبالِ يَقفنَ، فتاةٌ مَمشوقةُ القوام تُقْبِل، تَتهادى في دَلالٍ، تتطايرُ خُصْلاتُ شَعْرها ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمال، تَلْمسُها بأناملِها، تَرْفلُ في مَلابسَ فاخرة، حذاؤها يَعزفُ نَغماتٍ حِينَ سَيْرها .
قَدماه وَقَفتا به، نَظرَ إليها في دَهْشةٍ، نَظرتْ إليه مُتعجبةً، ابتسمتْ، وقالتْ :
– مَرْحباً بأولِ الدّفعة، لنا الشّرفُ أنْ تعملَ مَعنا، تفضلْ إلى مَكتبي .
سَمِع ما قالتْه، هَوى عَلى مَقعدِه، حَثّ قدميه على النّهوض؛ ليلحقَ بها كما أمَرتْ، قدماه خَذَلتاه، انتصبتا بعد َلأيٍ، لكنْ سَرعان ما خَرَّ على مَقعده مُضطَرِباً .
المُتقدمون للوظيفةِ يَنْظرون إليه مُتعجبينَ مِمّا ألمّ به، سَمِعوه يُحدثُ نفسَه بِصوتٍ مُتَقَطّعٍ :
– إنّها هِيَ، يَبدو أنّ القدرَ صالحني بَعدَ طولَ جَفاء .
ضرباتُ قلبِه في تَدافعٍ، عاودتْه الرّعدةُ كعادته عِندما يراها، انبَسَطتْ أساريرُه، ثم انقبضتْ، يُجاهدُ كي يقفَ؛ ليلْحقَ بها، إنّها (أمل )، إنّها مَنْ نَظمَ فيها قَصائدَه.
يَمّمَ وجهَه شطرَ كَعْبتِه مَكتبِ حَبيبتِه، لَحظاتٌ ويَكونُ في حَضْرِتها، ضَرباتُ قلبِه تَتسارعُ، حَملتْه قدماه صَوْبَ مكتبِها، سَقط َمَغْشياً عليه أمامَ بابِها، تّجمّع حَولْه مَنْ بالمَكان، سَمِعَ مَنْ يُحوقل، ومَنْ يُبسمل، ومَنْ يُكررُ كَلِماتِ الشّهادةِ .
خَرَجَتْ أمل ِمنْ مَكتبها مُسرعةً تَسْتطلعُ الأمرَ، هَالها لَمّا شاهدتْه مُمَدداً على الأرضِ، شاحبَ الوجه، غارقاً في عَرقِه، يَعلو صَدرُه ويَهبِط ، شَهاداتُه الدّراسية وأوراقُه في يَدِه قابضاً عليها .
نَظرتْ إليه، اقتربتْ مِنْه، أشتمّ رائحتَها، فَتحَ عينيه، ابتسمَ لها، شَهقَ شَهْقَةً، ثُمَ أغْمَضَ عَينيهِ.
وَجْهُ أمل آخر شَيءٍ شاهدَهُ .
محمد ياسين خليل القطعاني : الكويت/مصر
