الفنان جمال الدين بنحدو في حوار خاص ب “ألوان”

الفنان جمال الدين بنحدو في حوار خاص ب “ألوان”

الملحون تراث مغربي أصيل ومرآة للهوية المغربية

             حوار: لحسن وريغ

ألوان (مكتب الدار البيضاء)

الفنان والباحث الدكتور جمال الدين بنحدو اسم فنان اختار أن يبحر في عالم الموسيقى الشاسع مع التخصص في فن الملحون الذي يعتبره مرآة للثقافة والحضارة المغربيتين. ومنذ أزيد من أربعة عقود، يعمل هذا الفنان على مشروع فني قوامه الحفاظ على التراث المغربي الأصيل. وتكفي الإشارة إلى أن جمال الدين بنحدو هو رئيس جمعية عشاق فن الملحون بالدار البيضاء، وعضو لجنة الملحون بأكاديمية المملكة، وعازف ممتاز على آلة العود، وأستاذ سابق للثقافة والحضارة بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، وصاحب أكثر من ألبوم غنائي، وحامل لشهادة الدكتوراه وله أكثر من إصدار في عالم الموسيقى.
في هذا اللقاء الصحفي، يتحدث جمال الدين بنحدو عن كتابه الجديد الذي سيصدر قريبا تحت عنوان “أدوات التحليل الموسيقي“، وعن علاقته بفن الملحون الذي جعل منه ملجأه الفني، كما يتحدث عن العراقيل والمتاعب التي تواجهه من أجل مواصلة مسيرته الفنية.

ألوان: علمت جريدتنا الإلكترونية “ألوان” أنك بصدد إصدار مؤلف فني جديد تحت عنوان “أدوات التحليل الموسيقي”. هل يمكنك أن تقدم للقارئ المغربي والعربي بعض الأفكار العامة عن كتابك الجديد هذا؟

جمال الدين بنحدو: بداية، اسمحوا لي بأن أتقدم بجزيل الشكر لجريدتكم الإلكترونية التي اختارت أن تجري مع شخصي المتواضع هذا الحديث الصحفي.
أما بخصوص كتابي الجديد “أدوات التحليل الموسيقي“، فيمكن الإشارة، بشكل مقتضب، إلى أنني منشغل بفن الملحون من مختلف الجوانب، ولاسيما الجانب العلمي والأكاديمي، باعتباري صاحب ثقافة موسيقية عامة.
هذا الكتاب، الذي سيرى النور قريبا، يشكل قراءة عامة لفن الموسيقى في أدوات قراءتها وتحليلها، أما فن الملحون فسيكون، إن شاء الله، موضوع كتاب آخر من أجل تعزيز المكتبة الموسيقية الوطنية.. وسيكون هذا الإصدار مفيدا للجميع لأنه يهتم بقضايا الملحون تاريخا وإنشادا وكتابة.
إن  كتاب”أدوات التحليل الموسيقي” يتضمن صفحات في الكشف عن أدوات تحليل النصوص الموسيقية وتفكيكها مما يؤشر على أننا بصدد التأليف الرصين والحقيقي للموسيقى.
وقد لاحظت، من خلال احتكاكي بهذا العالم الفني، أن عددا من الأعمال الموسيقية المغربية خاطئة ولا أحد يملك الجرأة بالتصريح بذلك، فبعض الفنانين المغاربة لهم أعمال غنائية خاطئة مقارنة مع نسبة الأعمال الغنائية الناجحة فنيا وشعبيا.
حاولت في كتابي هذا أن أضع بين يدي القارئ أدوات تساعده على فهم الإيقاعات الموسيقية والأنغام وكيفية التعامل معها ومع موضوع الأغنية ذاتها. وفي هذا السياق، لا بد لي من الإشارة إلى أنه من غير المعقول أن نضع لحنا حزينا لنص ينشد الفرح والسرور والطمأنينة، كما أنه لا يمكن أن نلحن عملا غنائيا موجها للأطفال بإيقاعات خاصة بـ “المراهقين واليافعين”. لذلك يجب أن نكون على بينة من طريقة التعامل مع النصوص الغنائية انطلاقا من الاختيارات اللحنية التي تتلاءم معها.
وفي ختام جوابي عن سؤالك هذا، لابد من التذكير بأن الكتاب هو باب من البحث الأكاديمي الذي تقدمت به إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط لنيل شهادة الدكتوراه. وبالمناسبة، أغتنم هذا اللقاء الصحفي لأتوجه بجزيل الشكر والامتنان إلى كل من ساعدني، من قريب أو بعيد، على إنجاز هذه الأطروحة الجامعية في أحسن الظروف وخاصة الأطر العلمية والإدارية التابعة للكلية.

كتاب”أدوات التحليل الموسيقي” يأتي مباشرة بعد كتابي الذي أصدرته من قبل تحت عنوان” للمحلون طرب.. ديوان شعر الملحون” عن دار الثقافة للنشر والتوزيع بالدار البيضاء، ثم كتاب “مدخل إلى تاريخ موسيقى الأديان” الذي صدر بسوريا دون إذن مني، إضافة إلى عدد لا يعد ولا يحصى من المقالات والدراسات واللقاءات الصحفية التي تم نشرها في أكثر من منبر إعلامي…

ألوان: لماذا هذا الاهتمام بفن الملحون على مستوى التنظير والتأريخ؟
جمال الدين بنحدو: أعتقد أن الاهتمام يأتي من باب الغيرة الفنية على هذا التراث المغربي الأصيل. كثير من الشعراء يعتقدون أنهم باستعمالهم للزجل المغربي  يكتبون قصائد ملحونية. هذا غير صحيح، لأن الملحون له أوزانه وتعبيراته وبحوره، كما أنه فن قح يعطي للمغاربة تميزهم عن مختلف الشعوب العربية. وأطلب من المسؤولين عن المهرجانات الموسيقية والغنائية الوطنية أن تهتم كثيرا بفن الملحون.
تاريخيا، نجد أن المغاربة سلطانا وشعبا اتفقوا على أن يحدثوا كلاما جديدا خاصا بهم وشعرا جديدا خاصا بهم، على خلاف الشرقيين الذي يمتازون بالشعر المقفى والأندلسيين بفن الموشح.. نحن شعب يتفنن في فن الملحون. وتشير المصادر التاريخية إلى أن أقدم قصيدة تم العثور عليها هي قصيدة “الحربة” التي وصفت الحرب التي جرت بين الوطاسيين والسعديين، وكان شاعرها هو ابن عبود الفاسي.. ألقيت القصيدة في عيد المولد النبوي، الشيء الذي يجعلها دائمة الترديد في أعياد المولد النبوي وفي مدح رسول الله..
إعلاميا، أصبح الإعلام الوطني مطالب اليوم قبل الأمس بضرورة الاهتمام بالملحون حتى يبقى حاضرا في الذاكرة الجمعية، ويبقى صلة وصل بين الماضي والحاضر. وأنا واحد من الذين تعلموا الإصغاء إلى قصائد هذا الفن المغربي الأصيل من خلال إدماني على الاستماع إلى ما كانت تبثه أمواج الإذاعة الوطنية من أغان ذاع صيتها آنذاك. كما أن والدي رحمه الله لعب دورا بارزا في تعزيز عشقي للملحون، وساعدني على مواصلة المشوار الغنائي وحفظ أمهات القصائد رغم صعوبتها شعرا وإنشادا.

الملحون لا علاقة له بالشعر العربي.. إنه يفوق “ديوان العرب”…

ألوان: يلاحظ المتتبع لمسارك الأكاديمي والغنائي أنك زاوجت بين الإنشاد والتأليف.. كيف تفسر لنا هذه المزاوجة الفنية؟
جمال الدين بحدو: يجب التأكيد على أني باحث وأستاذ التعليم العالي. اشتغلت في الكلية واستطعت أن أحصل على أعلى شهادة جامعية كما تمت الإشارة إلى ذلك في بداية الحوار.. وحاولت أن أزاوج بين الدراسة الجامعية وعشق الموسيقى عامة وفن الملحون على وجه الخصوص.. أنا باحث في فن الموسيقى قبل أن أكون متخصصا في الملحون إنشادا وتأريخا. ويجب أن أشير مرة أخرى إلى أن الملحون تراث مغربي أصيل ومرآة للهوية المغربية، وإذا قرأت قصائده واستمعت إلى أغانيه ستتعرف على جوانب كثيرة من تاريخ هذه الأمة المغربية، التي جعلها الله حلقة وصل بين العديد من الثقافات الإنسانية.
في السابق، حاول بعض الدارسين والباحثين الأكاديميين دراسة الملحون من حيث كونه جزء من الأدب العربي، غير أن السنوات التي قضيتها في البحث والدراسة، مكنتني من الوصول إلى حقيقة (يشاطرني فيها الدكتور عباس الجيراري رحمه الله) مفادها أن الملحون يحتاج إلى أن يدرس انطلاقا من خصوصيته المغربية دون إسقاطات منهجية وجغرافية. بمعنى آخر، هذا الفن لا علاقة له بالشعر العربي، بل يمكن الإشارة إلى أنه يفوق “ديوان العرب” في كثير من المناحي التعبيرية والموسيقية.
إن شاعر الملحون يمكنه أن يخلق عروضا جديدا وينظم فيه قصيدته دون أن ينزاح عن الإطار الأساسي الذي يحكم عروض النص كلية، كما أن مواضيع الملحون تأتي مكررة ، لكنها لا تتشابه،  ولا تجعل المستمع يشعر بالملل،  ودليل ذلك قصيدة “الحراز” التي نجدها عند أكثر من شاعر.
خلاصة القول، الملحون فن متميز وله خصوصياته الخارقة، وهو شعر مغربي أصيل كتب فيه الملوك والعظماء والمفكرين على خلاف الذين يدعون أنه فن الحرفيين الأميين.
ألوان: في نفس السياق، حاولت أن تكتب بعض القصائد في فن الملحون إسوة بالرواد، ولم تقتصر فقط على الإنشاد.. حدثنا عن هذه التجربة؟
جمال الدين بنحدو: إن هذا الجانب الفني يأتي متمما لاشتغالي بالجانب العلمي والأكاديمي. وينقسم الجانب الفني إلى أقسام من بينها:

إعادة الأغاني القديمة والتقليدية بطريقتها التي اشتهرت بها، ثم إعادة نفس الأغاني بطريقة ما أسميه بـ”الأغنية الملحونية” أي أغنية تتضمن روح الملحون.
ألوان: هذه مغامرة فنية محفوفة بالمخاطر…؟
جمال الدين بنحدو: صحيح.. إنها مغامرة فنية. ويجب أن يعرف القراء أن الملحون “فراجتو في كلامو“. وقد سبق لي أن اشتغلت على قصائد الملحون بمزجها مع إيقاعات موسيقية عالمية (الهيب هوب مثلا). وكانت غايتي من هذه المغامرة الفنية هي ضخ دماء جديدة في الملحون والعمل على تقريبه من الشباب والأجيال الصاعدة ، إذ حينما أقدم هذه الأعمال الغنائية في المهرجانات التي أشارك فيها، يحصل معها التفاعل من طرف الجمهور رغم اختلاف جنسه وسنه.
وسبق لي أن كتبت بعض القصائد مثل قصيدة ” مول الطاكسي” و”مدينة فاس”، و”يا شهيد الأمة”، و”زواج الفيسبوك”، و”ملاك”… إلخ. أما على المستوى الموسيقى فلي تجربة متواضعة في التوزيع الموسيقي إسوة بالعازف الكبير الوالي.
تبقى مؤاخذاتي على بعض الفنانين أنهم يعتبون الملحون أغنية سهلة التقليد ولا ينتبهون إلى أنهم أمام فن يتطلب منهم السليقة الفنية والغنائية مثلما كانت متوفرة في دواخل رواد هذا الفن.

ألوان: ما هو حجم التفاعل مع أعمالك الغنائية والتأليفية؟
جمال الدين بنحدو: هذا يتطلب مني الإدلاء بملاحظة بسيطة يمكن صياغتها كالتالي : لا أفهم موقف بعض المسؤولين في كثير من القطاعات الوزارية والإدارية والمجالات الفنية من تجربتي الغنائية تأليفا وإنشادا…؟؟؟ ورغم ذلك، أشتغل بكل ما أوتيت من إمكانيات، حيث أزاوج بين الإنتاج العلمي والإنتاج الموسيقي كما أسلفت. وهذا دليل على مدى اهتمامي الحقيقي بعالم الموسيقى عامة وتعلقي بفن الملحون خاصة..
ألوان: ماذا عن إصداراتك الفنية؟
جمال الدين بنحدو: الإصداران الأولان حققا أعلى نسبة من التوزيع،  حتى أنه يصعب  العثور على نسخة منهما بسهولة، الشيء الذي يدفعني إلى إعادة طبعهما من جديد،  ووضعهما رهن إشارة القارئ المغربي والعربي على حد سواء.
ألوان: ماذا  عن مستوى الأعمال الغنائية… ؟
جمال الدين بنحدو: ما قلته عن الإصدارات الفنية أكرره بخصوص أعمالي الغنائية التي وجدت صدى طيبا وسط الجمهور العاشق للملحون..

ألوان: وماذا عن دعوات حضورك لبعض المهرجانات الفنية والثقافية؟
جمال الدين بنحدو: من هذه الناحية، يمكن أن أصارحك … وأخبرك أني أعيش حالة ركود تام.. ولا أعرف سبب هذا التجاهل الذي طال أمده…؟!
ألوان: هل هذا التجاهل راجع إلى موقف سلبي تجاه فن الملحون أو تجاه الفنان جمال الدين بنحدو؟
جمال الدين بنحدو: لا أعرف مصدر هذا التجاهل الذي يطالني من طرف من يدبرون الشأن الفني والثقافي ببلادنا.. لكن، على كل حال، أعرف أن هناك مغاربة لهم غيرة على الملحون ويستثمرون إمكانياتهم المادية من أجل تنظيم المهرجانات هنا وهناك حتى يظل هذا الجنس الموسيقي حيا ودائم الحضور في وجدان وذاكرة كل مغربي.
لقد سبق لي أن نظمت مهرجانا خاصا بهذا الفن اعتمادا على إمكانيات محدودة. وأحمل اليوم مشروع تنظيم مهرجان آخر، لكن ينقصني الدعم المادي الذي لم أستطع الحصول عليه. ومن هذا المنبر الإعلامي، ألتمس من كل المسؤولين على قطاع الثقافة والفنون داخل المدينة وخارجها، الاهتمام بالفنون التي تعكس الهوية المغربية، لأن الملحون فن مغربي محض.. لا ينتمي إلى منطقة جغرافية أخرى غير هذه الأرض التي ولد فيها وترعرع بها. فشعراء الملحون يوجدون في مختلف المدن المغربية مما يعني أنه فن منفتح على جميع المناطق الجغرافية.
وبهذه المناسبة، أشيد  بالراحلة الفنانة والوزيرة ثريا جبران التي كانت قريبة من الفنانين المغاربة حيث لم تتوان في الاستجابة لمطالبهم. كما أتوجه إلى الوزير الحالي السيد محمد مهدي بنسعيد بدعوة مواصلة دعم هذا الفن المغربي والعمل على صيانته وكرامة أهله ، سواء كانوا روادا أو معاصرين، ودعم كل المبادرات الخاصة ولاسيما المهرجانات التي تعتبر مناسبة للتواصل بين ذوي الاختصاص.
ألوان: …. الدعم يكون في غالب الأحيان رهينا بوجود جمعيات فنية يشرف عليها أشخاص لهم مرجعية خاصة…؟
جمال الدين بنحدو: أنا صاحب “جمعية عشاق فن الملحون” بالدار البيضاء، وسبق لي أن حصلت على دعم من أجل تنظيم إحدى الدورات الخاصة بالملحون، لكن لم أتمكن من مواصلة مشروعي بسبب وجود عراقيل غير مفهومة على الإطلاق.. أنا فنان محب لفن الملحون ولا أطمع سوى في جعله قريبا من أهله.
ألوان: من هم رواد الملحون الذين أثروا في مسيرتك الغنائية؟
جمال الدين بنحدو: أولهم وأبرزهم الفنان الراحل الحسين التولالي. ولا أنسى ما صرح به لبعض الأصدقاء عندما أخبرهم بأن جمال بنحدو هو خليفته في فن الملحون.

الحسين التولالي منشد للملحون وأنا شاعر للملحون

ألوان: هل تعتبر نفسك تلميذا نجيبا للراحل الحسين التولالي؟
جمال الدين بنحدو: لا.. لا.. الحسين التولالي منشد للملحون وأنا شاعر للملحون. وبالتالي لست امتدادا للمدرسة التولالية لأني فنان يكتب القصيدة الملحونية الحديثة وينشدها. وإذا أردت أن أضع نفسي في خانة ما، يمكن لي أن أقول لك إني تلميذ مدرسة الحاج أحمد سوهوم، مع أني سأبقى مخلصا للمدرستين معا.

ألوان: كيف توظف وسائل التواصل الاجتماعي في تقريب إنتاجاتك الفنية والإبداعية من جمهورك؟
جمال الدين بنحدو: كل وسيلة تواصيلة بين الفنان والجمهور تبقى ضرورية. أي إنتاج فني يجب أن يعتمد على كل الوسائل التواصلية حتى يصل إلى نسبة كبيرة من الناس التي تحب الفنان وفنه. ثم إننا هنا أمام صناعة والصناعة تحتاج إلى استثمارات وإمكانيات كثيرة.
ألوان: سؤالي الأخير، كيف يمكن تطوير فن الملحون…؟
جمال الدين بنحدو: جوابي سيكون مقتضبا.  من أجل تطوير فن الملحون نحتاج إلى شيء واحد: التكوين وإعادة التكوين. أي يجب أن نتجه إلى المعاهد الموسيقية وإعادة الاعتبار إليها من أجل قراءة قواعد الموسيقى والبحث فيها.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com