قراءة في رسالة اليوم العالمي للمسرحي

قراءة في رسالة اليوم العالمي للمسرحي

مجرد تساؤلات …!

بوسرحان الزيتوني

أين المسرح العربي من قضية المسرح؟

تُقدِّم رسالة اليوم العالمي للمسرح لسنة 2025، التي كتبها المخرج اليوناني ثيودوروس تيزوبولوس، تأملًا عميقًا ومقلقًا في دور المسرح وسط عالم يغرق في الأزمات. فهي لا تحتفي بالمسرح بوصفه احتفالًا شكليًا، بل تُحمّله مسؤولية أخلاقية وفكرية تجاه قضايا العصر. من خلال أسلوب تساؤلي متواتر، يُعيد تيزوبولوس صياغة الأسئلة الكبرى التي تواجه المسرح اليوم: هل ما زال قادرًا على الإصغاء لنداءات المعاناة؟ هل بإمكانه مواجهة عزلة الإنسان المعاصر وتشييئه تحت سلطة أنظمة قمعية وتحولات تقنية جارفة؟

تطرح الرسالة رؤية قاتمة لكنها صادقة، حيث يتحول الإنسان إلى مجرد رقم أو ترس صغير في آلة استهلاكية ضخمة، محاط بخوف عميق من الآخر المختلف، في عالم تتحكم فيه الخوارزميات والمصالح. المسرح، في ظل هذا الواقع، يبدو مراقبًا أكثر منه فاعلًا، عاجزًا عن مجاراة تسارع الأزمات. ومع ذلك، فإن السؤال الجوهري الذي تطرحه الرسالة لا يتعلق بقدرة المسرح على تقديم الحلول، بل على استمراره في طرح الأسئلة الجوهرية التي تحرّك الوعي.

الرسالة تنبّه كذلك إلى الأثر الكارثي للإنسان على البيئة، وتطرح سؤالًا أخلاقيًا حول دور المسرح في مواجهة التدهور البيئي، ذوبان الجليد، الحرائق، وانقراض التنوع الحيوي. تساؤل يدعو إلى أن يكون المسرح جزءًا من النسيج البيئي، لا مجرد شاهد على انهياره. في المقابل، لا تتجاهل الرسالة تحولات وسائل التواصل الاجتماعي، التي رغم ما تمنحه من تواصل ظاهري، تخلق عزلة مضاعفة، وتبعد الإنسان عن مواجهة ذاته وعن لقاء الآخر.

يتوّج الكاتب رؤيته باستدعاء ديونيسوس، إله المسرح، الذي يقدمه كرمز متعدد الهوية، متناقض، يحمل عبء الأسطورة ومعناها، ويتجول اليوم لاجئًا صامتًا بين مشاهد الحروب. ينظر تيزوبولوس في عيني ديونيسوس ليعيد طرح السؤال القديم المتجدد: ما معنى كل هذا؟ هذا السؤال هو ما يمنح المسرح شرعية وجوده، لأن الفن لا يحيا بالأجوبة بل بالأسئلة، ولا يتحرك بالخطب بل بالشك والحيرة والقلق.

ورغم أن الرسالة موجهة إلى المسرح بشكل خاص، إلا أن الأسئلة والمواقف التي تتضمنها تتجاوز هذا الفن لتشمل كل الفنون التعبيرية. فالموسيقى، والرواية، والسينما، والفن التشكيلي، وجميع أشكال الإبداع الجاد، معنية أيضًا بهذه النداءات. ذلك أن جوهر ما تدعو إليه الرسالة هو أن يستعيد الفن، أيًّا كان نوعه، مسؤوليته تجاه الإنسان، تجاه البيئة، وتجاه versus الحقيقة، وأن لا يتحول إلى أداة تجميل لعالم مختل، بل إلى قوة مقاومة جمالية وأخلاقية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا كمسرحيين عرب: أين نحن من هذه الرسالة؟ هل المسرح العربي يشتبك فعليًا مع هذه الأسئلة، أم أنه واقع خارجها؟ الحقيقة أن المسرح العربي لا يعيش خارج الأزمات التي تصفها الرسالة، بل هو في كثير من الأحيان غارق فيها حتى النخاع. مسارح بلا دعم، مبدعون في الظل، واقع سياسي خانق، رقابة صريحة أو مقنعة، وتهميش مؤسسي مستمر. ومع ذلك، ثمة تجارب مسرحية عربية تشتغل على الجرح، وتقاوم بإمكانيات قليلة ولكن بوعي كبير، تنبش في قضايا الإنسان، وتستعيد للمسرح بعضًا من وهجه كفنّ للطرح والمساءلة والمواجهة.

المسرح العربي يختبر كل ما جاء في الرسالة: الشعور بالعزلة، هيمنة الخوف، ضعف الحضور في الفضاء العام، الحاجة إلى أساليب تعبير جديدة. لكنه في كثير من الأحيان يصطدم بجدران من البيروقراطية، أو الإهمال، أو النمطية. لقد آن الأوان للمسرحي العربي أن لا يكتفي بالبقاء في الهامش، بل أن يستثمر في تحويل الخشبة إلى مساحة فكر واحتجاج وجمال. إن رسالة تيزوبولوس لا تخص الغرب وحده، بل تعني المسرحي في المغرب والخرطوم والنجف والجزائر والقاهرة وتونس وعمّان، تمامًا كما تعني زملاءه في أثينا وبرلين ونيويورك.

إن رسالة هذا العام تضعنا أمام مسؤوليات جديدة، ليس كمسرحيين فقط، بل كمواطنين في زمن التحولات الكبرى. إنها فرصة لمساءلة أنفسنا: هل ما ننجزه فوق الخشبة اليوم، أو على الصفحات، أو عبر الشاشات، يعكس عمق الأسئلة المطروحة؟

أم أننا، مثل العالم من حولنا، نبحث عن الضوء في مواضع لا جرح فيها؟

مراكش في 26 مارس. 

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *