خواطر امرأة

خواطر امرأة
صورة عن : بالعربي

فراغ الفقد

ثريا الطاهري الورطاسي
ثريا الطاهري الورطاسي
صعب أن نحاول التأقلم في غياب من رحلوا – ومع ذلك أقول الحمد لله على كل أقداره، التي لا راد لها – وهو ماجعلني لاأعرف كيف أصف مجال حرقتي ولا مكان وجعي، إنه وجع الروح وأنا لاأعرف مكانها، إنها غصة تسحق الحلق لينفجر معها – في كل وقت وحين – سيل من الدموع الحارقة، فكبر علي الأمر ولم أعد أدري كيف أخبركم، عن ذاك التعب، الذي لم يعد مجرد إرهاق عابر، بل هو سلاسل ثقيلة تسحبني إلى الذكرى إلى الأسفل، وأن كل زاوية في كياني ينهشها الألم.
فراق الأم امتحان قاس للروح وكأن الزمن يتوقف بها عند الذكريات، ذكريات قديمة جدا ذكرتني بها هذه الأيام الأخيرة التي نعيشها من شهر رمضان.
عندما كنت طفلة صغيرة، أياما كنت أعيشها حين أقف بجانب المرحومة ” أمي”، أغفو تارة وأصحو أخرى على صوت ماكنة الخياطة – أمي كانت تجيد الخياطة وصناعة الحلوى والطبخ – حيث كانت تخيط لنا كسوة العيد رغم أن المرحوم والدي كان يشتري لنا دوما أحلى وأجود الملابس، من المتجر الوحيد الموجود آنذاك بمدينتنا ” بركان ” المعروف بالمونوبري monoprix لصاحبه اليهودي”سعيدو” ودائما ما كانت تردد الرضا باب الله الواسع.
كانت رحمها الله طيلة العشر الأواخر بعد التروايح تصنع الحلوى على أشكالها المختلفة لمعظم من نعرفهم، تلبية لطلب والدي رحمة الله عليه، ليجود بها على أصحاب الضيعات المجاورة لضيعتنا الفلاحية أو يتبرع بها على الشغيلة في تلك الضيعات، خاصة وأن الأفران لم تكن موجودة بتلك المناطق القروية آنذاك، كما كان لأقاربنا نصيب من كل ما تجود به أسرتنا. وكم كانت فرحتنا كبيرة ونحن نأخذ صحون الحلوى فوق رؤوسنا إلى الفرن الخارجي- كما هو حال جميع الساكنة حينها – ونظل ننتظر إتمام عمليات الطهي طوال الليل، حتى ندخل الفرحة على قلوب الآخرين، متضامنين ومقدرين لفعل الخير والجود بما استطاعته العائلة. وقد يحدث – أحيانا – أن تبقى الوالدة ساهرة حتى الثانية صباحا، لتمطر الكل من سحب العطاء وتسقيهم بنسائم الفرح دون أن تبخل يوما على أحد، رغم كثرة مسؤوليتها خاصة مع والديها – وهو البيت الذي قضيت به أحلى فترات عمري –
انه بيت ” سيدي” كما كنا نناديه، وهو المسمى قيد حياته سي علي بن البشير الحسني الورطاسي .
اه من غيابك أمي، فأنت القوة وقت الشدة، والصبر عند الذي عجز عنه الصبر، غيابك يؤلمني، يسحقني، دواخلي تتمزق كلما تذكرتك، وذكراك جمرة لايمكن كبح لهيبها، فتنسل مني الدموع وتنساب عن غير قصد، رغم مقاومتي المستمرة على التحمل والتحلي بالصبر، وأنا المؤمنة بأن الموت حق، غير أن غيابك يبقى شيئا اخر، فالوجع لم يكن برحيلك فقط، بل بتفاصيلك التي رفضت أن ترحل معك، كثيرا ما أدعي أني بخير وأنا في أمس الحاجة إليك، أحارب بكل ما أوتيت من صبر، وبمظهر ثابت وروح مهزومة في نفس الوقت، فرحيلك عن الدنيا وهجرة ولدي الوحيد “مهدي” إلى كندا في الوقت ذاته، شكلا فراغا قاتلا وشاسعا بمساحة الكون كله، وحشتكما ليست هينة، مازالت عالقة في يوم وفاتك حبيبتي الأبدية، ومازال سفر ولدي قيد لايمكن كسره ومع ذلك ها أنا أتحمل حتى الانهاك ومازلت.
ولن أزيد عن قولي رمضانك أمي في الجنة، وافطارك فيها أطيب، مع كل من التحق بالرفيق الأعلى من أفراد الأسرة والعائلة والأهل والمعارف والأحباب فالكل يرحمك، لأنك كنت أما للجميع، اما لكل أصدقاء وصديقات إخواني وأخواتي، أما لكل ازواج بناتك وزوجات أبناءك، أما لكل الجيران والأقرباء، القريب منهم / منهن والبعيد، كنت الباحثة عن اكتمال صورة الحياة في بيوتنا والعطوفة على كل أحفادك . اكرمتهم في حياتك، وشاء القدر أن يكرموك بحملك على نعشك لتقام عليك صلاة الجنازة بمسجد “عمر بن الخطاب ” فعيدك أمي عند رحمن رحيم أنت وكل موتى المسلمين أجمعين، وقبوركم مضاءة بضياء من الله الكريم ، فاللهم أحسن إليهم جميعا كما أحسنوا إلينا وارزقهم الفردوس الأعلى من غير حساب برحمتك يا أرحم الراحمين .

ثريا الطاهري الورطاسي

صبيحة الجمعة 28 مارس 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *