قصة قصيرة للكاتب المغربي عبد العالي أناني
فوضوية الأرق

في محاولة منه للتعايش السلمي وبلطف أرخى بدنه المنهك متسللا محاولا التمدد فوق عتبة النوم، ليغوص في أعماقه البعيدة، ناشدا الراحة، فالإجهاد أكل كل أسباب رشاقته وانتباهه. لكن عقله الباطني الذي كان يُضمر نفسه، بسبات عميق، أبى إلا أن يطفو بكل محموله السالب والموجب معلنا الحرب على النوم، فبدأ ينقلب ذات اليمين، وذات الشمال، بعينين مفتوحتين، يجلس فوقهما النعاس، ويغرس في بياضهما حمرة لهيب أظافره، التي تفقده القدرة على النظر بوضوح.
العينان متعبتان والجسد منهك بعد انهيار يوم طويل شاق، بينما عقله يتحرك بسرعة عجلة سباق، وفي دورانه الجنوني يشد الجفنين إلى الأعلى، ليظلا منفتحين، كأنهما جنديان في دورة حراسة، يترقبان قدوم العدو، وهما في حالة استنفار دائم. الدموع تنهمر من الجانبين كأنها رجال مطافئ هبوا لإخماد النار المشتعلة فيهما. بين الفينة والأخرى كان يحاول الجلوس، لكن جسده المثقل لا يطيعه، وكلما حاول ذلك يخال نفسه مربوطا بالسرير، أو كأن طودا يجثم فوق صدره، فيلغي المحاولة مستسلما لغفوة مستعصية تداعب رموشه، لكن الأرق يرفض الهدنة مواصلا الحرب، فتتسارع تداعيات جبل الجليد، بعشوائية وفوضى، تشتت أفكاره، لتتزاحم الصور وتفقد وضوحها ومعناها داخل رأسه.
هو يفكر في كل شيء، ولا شيء، في وقت واحد، لا يستطيع أن يحصر تفكيره في شيء محدد، أو فكرة بعينها، لأنها مضغوطة مع أخريات، سرعان ما تنصهر في خليط دامس يتعذر عليه فهمه. وكلما حاول عزلها وتصفيتها تهجم عليه من جديد متدحرجة في تكدس وازدحام، كحجارة تتساقط من أعلى المنحدر، محدثة صداعا يفضي للسهر المكره.
هذا هو حاله دائما، حين يكون باله مشغولا بشيء ما يظل تائها يقلب في عينيه حتى يولد الصباح، فيأخذ حماما دافئا ليريح جسده من الحرب الماضية، ويتجه إلى أقرب مقهى والتثاؤب يصطحبه، يحتسي بنا أسودا قويا مركزا، وهو يتفحص الجرائد، ليشغل تفكيره بشيء آخر، لكن دون جدوى، لأن الأخبار على تفاهتها لا تجذبه ولا تهمه، فيكتفي بقراءة العناوين البارزة ويرميها جانبا.
الأفكار التي تتمخض برأسه تكون عسيرة الولادة، فطلقها يتطلب منه جهدا كبيرا، لتخرج إلى الوجود في حلة جميلة تجعله يرضى عنها، وتكون مقبولة من الكل. هذا يؤثر عليه، ويجعله عصبيا سريع الغضب، الشيء الذي ينعكس على تصرفاته، فيبدو دائما منعزلا غارقا في التفكير. لأن الفكرة التي تشغله تحتويه وتشكل مزاجه، بشكل غير منطقي يكاد يكون الضد لحياته العادية، فمبادئه تقود تصرفاته وأفعاله. حتى الكلام لا يغادر شفتيه بلا معنى، وعادة ما يكون مقتضبا ومباشرا مفهوما، ذو دلالات محصورة ومحددة.
عنيد بطبعه لا يستسلم من غير قتال، لكن عندما يكون الأرق خصمه يخسر الحرب، لأنه يشتت انتباهه ويجرده من التركيز. أمام هذا العدو الصنديد يكون مجردا من سلاحه ـ من عقله ـ الذي اعتاد استعماله بواقعية ووضوح. تصبح الأفكار بالنسبة إليه سرابية، تختفي كلما اعتقد أنه أمسك بها وتفقد تسلسل تراكيبها العادية. المواجهة التي اعتادها في النقاش تصبح هروبا، أما إن أجبر على الكلام فيكون من غير النظر في العيون، ويتم بسرعة واختزال ليكون بذلك ردا لا غير. إعادته تغصبه وتفقده هدوءه، الذي كان ينشده منذ انهزامه مع مولد الصباح. لكيلا يُكره يتجنب النقاش ويِؤجله لما بعد النكسة حين يكون مصحوبا بواقعية الخالية من التشويش.
سئل يوما والسلم مشع من تنفسه الهادئ.
– لماذا تبدو أحيانا، خاصة في الصباح، غارقا في تفكير عميق كمن يحمل هموم الإنسانية على ظهره؟
أجاب بدون استغراب، فهو عالم بحاله.
– أ أبدو هكذا كل صباح؟
– لا، غالبا ما يكون ذلك على فترات متباعدة، ولكن في بعض الأحيان يكون ذلك لأيام متتالية، فتبدو كمن أغرقته في متاهاتها نظرية فلسفية متعددة الأبعاد.
– ليس لهذه الدرجة!
– إن ملامحك تشي بك، ففي تلك الأيام تكون ذابلة والتعب يلبسك والقلق يصطحبك، وهذا خير دليل على أنك تكون قد استهلكت طاقة كبيرة في التفكير.
– لماذا التفكير؟ أ لا يمكن أن يكون ذلك من جراء العمل اليومي المضني؟
– ربما! لكن تعب العمل الجسماني يغادر البدن بأكل جيد ونوم عميق، يزودان النفس بالحيوية والنشاط، لاستقبال يوم جديد شاق. أما الإرهاق النفسي الذي يسبب الأرق قد يتطلب التخلص من مخلفاته أياما وربما شهورا، خاصة للذين لا يعتمدون على عضلاتهم في أعمالهم، والتي تتطلب أحيانا تركيزا مبالغا فيه.
– لقد صدقت، هذا هو قدري.
– لا لا، ليس قدرك! أنت الذي لا تستطيع أن تدير ظهرك للمشاكل العالقة، حتى التي لا تخصك.
– ماذا تقصد؟
– أقصد أنك عملة نادرة.
– بمعنى؟
– أنك صاحب ضمير.
– وضح أكثر؟
– الذين لهم ضمير حي يكون الأرق عدوهم اللدود.
ظل ينظر إليه، وهو يفكر فيما قال عن الضمير الحي، كأنه وضع سبابته على مكان الألم. فطن السائل إليه فاسترسل في الكلام.
– أجل الضمير، هو يختلف من إنسان لآخر بأخذه صفة الذي ينتمي إليه. قد يكون حيا أو ميتا، وأحيانا نائما غير مبال أو مستهترا ومتعجرفا، وتبعا لذلك تتعدد حقول الصيد للأرق، فحين يكون الضمير ميتا لا يكلف نفسه مجرد المحاولة لعلمه بالنتيجة مسبقا، أما إذا كان حيا فالحرب هي العنوان. كما تختلف نوعية حروب الأرق مع الضمير، فقد تكون ضروسا، أ ومجرد نزال بسيط سرعان ما يخبو ويُنسى، وهذا ما يميز الضمير المسالم الذي قد يثور مع الثائرين في لحظة حماس مفاجئة، لكن سرعان ما يعود لهدوئه مقتنعا بتسجيل حضوره ـ لضمان هدنة مشروطة مع الأرق ـ الذي سرعان ما يتحول إلى غياب مستمر.
أنهى كلامه وأخذ ينتظر الرد، وعيناه لا تفرقان مخاطبه، الذي قال بعد صمت قصير.
– هذه حكمة لا يمكن تجاهلها.
– لا، هذا شيء معروف، فأصحاب الضمائر الحية التي تشتغل بالواضح هي التي يسهل على الأرق اصطيادها.
– وما العمل للوقاية من الأرق.
ـ للأسف ليس له وقاية ولا علاج … ليس هناك إلا التعايش معه لتستمر الحياة.
منذ من ذلك الوقت وهو يحاول التعايش مع فوضوية الأرق ومخلفاته، لكن في كل حرب يخسر الكثير من طاقته ومن متعته بالحياة، الشيء الذي يعجل بدخوله في دائرة المصابين بمرض العصر، أي الضغط النفسي الذي يعجل الرحيل المبكر.
عبد العالي أناني
