قراءة نقدية في رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل

قراءة نقدية في رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل

البنية الفلسفية وتأثيرها في النقد الأدبي المعاصر

بقلم: وفاء داري 

يُمثل الأدب وسيلة فعالة لنقل الأفكار الفلسفية، حيث يدمج السرد بين القيم الجمالية والتأمل الفلسفي في القضايا السياسية والاجتماعية. تعدّ مزرعة الحيوان (1945) لجورج أورويل تُقدِّم نقدًا رمزيًّا لتحوُّل الثورات إلى شمولية، مُتجسِّدة في صعود الخنازير (نابوليون/ستالين) عبر تزييف الأيديولوجيا (سكويلر) وتشويه التاريخ واستغلال العمال (بوكسر).  حيث تُعَدُّ رواية مزرعة الحيوان لجورج أورويل من أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت الأنظمة الشمولية والديكتاتورية من خلال سرد رمزي يحاكي الواقع السياسي والاجتماعي. يهدف هذا المقال إلى تحليل الرواية من منظور نقدي من حلال الإسقاط السياسي، مستندًا إلى المنهج النقدي التحليلي.  والكشف عن الآليات التي استخدمها أورويل في توظيف الرموز لبناء معانٍ أعمق حول السلطة والهيمنة.  العمل يكشف انهيار المبادئ الثورية لصالح ديكتاتورية جديدة، مُحذِّرًا من فساد السلطة المطلقة وضرورة اليقظة لحماية العدالة. تعتبر نموذجًا للروايات الرمزية التي تعكس مفاهيم السلطة، واليوتوبيا، والديستوبيا. تتقاطع هذه الرواية مع نظريات فلسفية مثل مفهوم السلطة لدى ميشيل فوكو، ونقد الإيديولوجيا عند ألتوسير، والتلاعب بالخطاب عند جاك دريدا. يحاول هذا المقال تحليل المفاهيم الفلسفية الأساسية التي بُنيت عليها الرواية، مع مقارنتها بالسياقات النقدية المعاصرة وتقديم أمثلة حديثة من وسائل الإعلام والخطاب الأدبي. تُعتبر واحدة من أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين، حيث تعكس بشكل رمزي الصراعات السياسية والاجتماعية التي شهدتها أوروبا في فترة ما بين الحربين العالميتين. الرواية، التي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان “مزرعة الحيوان”، تقدم نقدًا لاذعًا للأنظمة الشمولية، وخاصة النظام الستاليني في الاتحاد السوفيتي، من خلال قصة حيوانات تقوم بثورة ضد مالك المزرعة البشري، لتأسيس نظام جديد يدعي المساواة والعدالة، لكنه سرعان ما يتحول إلى ديكتاتورية جديدة. والمفارقة هنا تذكرنا هذه الرواية بثورات الربيع العربي لربما. ام هي إعادة تفكير وتفكر حول الاحداث التاريخية والسياسية اتلي تعيد على ذاتها، يضهد الشعب يقوم بثورة فينتخب ما يحلم لتغير والتطور وما يلبث بضعة سون ليكتشف أنها عادت لذات الصراع والمتاهة والاضطهاد بشخصيات أخرى. لتعود لمواجهة ومكابدة الدكتاتورية لعدة قرون أخرى لتنضج وتطفح على السطح معالم ثورة أخرى وإعادة الكرة مرة بعد مرة. ولكن هل نتوقف عن الحلم!

تناولت العديد من الدراسات مزرعة الحيوان من منظور نقدي سياسي، إذ ركزت على إسقاطاتها على الثورة البلشفية والنظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. ومن جهة أخرى، درست بعض الأبحاث الجانب السردي للرواية، مثل البنية الرمزية والشخصيات المجازية. لكن هذا العمل يسعى إلى تقديم مقاربة تجمع بين الإسقاط السياسي وتحليل اللغة والخطاب كأداة للهيمنة. يعتمد المقال على المنهج النقدي التحليلي الذي يجمع بين النقد الأدبي والدراسات اللغوية، إذ يتم تحليل النصوص اللغوية داخل الرواية للكشف عن الأساليب التي استخدمها أورويل في بناء عالمه الرمزي

الثيبات الرئيسية:

المفاهيم الفلسفية في بنية الرواية: تقوم مزرعة الحيوان على مفهوم السلطة القمعية، وهو مفهوم جوهري في فلسفة ميشيل فوكو الذي يرى أن السلطة ليست مجرد هرم، بل شبكة علاقات تتحكم في الخطاب والسلوك. يمكن ملاحظة ذلك في تطور شخصية “نابليون”، الذي يجسد تحوّل الثورة إلى نظام استبدادي من خلال آليات الرقابة وإعادة تشكيل الخطاب. كما يتوافق هذا مع مفهوم ألتوسير عن الدولة الأيديولوجية، حيث تستخدم الشخصيات مثل “سكويلر” وسائل الإعلام والخطاب الدعائي لإعادة صياغة الحقيقة، مما يتماشى مع ما أسماه رولان بارت “أسطورة اللغة” (Mythologies).

الأسلوب الادبي: أورويل استخدم أسلوبًا بسيطًا، ولكنه محمل بالمعاني الرمزية العميقة. تُعَدُّ الرواية أداة قوية لنقل الأفكار السياسية والاجتماعية، ويتميز جورج أورويل بأسلوبه النقدي اللاذع الذي يعكس من خلاله رؤية تحليلية للمجتمع والسلطة. مزرعة الحيوان ليست مجرد قصة عن الحيوانات، بل هي نقد رمزي للأنظمة الاستبدادية. من هنا تنبع أهمية دراسة هذه الرواية، إذ إنها تقدم نموذجًا فريدًا لكيفية تلاعب السلطة باللغة لتوجيه الجماهير والتحكم بهم. حيث وظف جورج أورويل الرموز السردية في مزرعة الحيوان لنقد الأنظمة السياسية الشمولية وتأثيرها على الوعي والسيطرة على الفكر الجمعي. يعتمد المقال على المنهج النقدي التحليلي الذي يجمع بين النقد الأدبي والدراسات اللغوية، إذ يتم تحليل النصوص اللغوية داخل الرواية للكشف عن الأساليب التي استخدمها أورويل في بناء عالمه الرمزي، إذ إنها تقدم نموذجًا فريدًا لكيفية تلاعب السلطة باللغة لتوجيه الجماهير والتحكم بهم.

تحليل الشخصيات الرمزية: نابليون كرمز للديكتاتورية. أما سنوبول كرمز للثورة المغدورة. والحصان بوكسر كرمز للطبقة العاملة.

اللغة كأداة للسيطرة: إعادة تعريف الشعارات لتبرير القمع. والتلاعب بالمفاهيم عبر الخطاب الدعائي. ثم الدور الذي لعبته الصحافة والدعاية في تزييف الحقائق. لتكون أداة للسيطرة على الوعي الجماهيري.

 مقارنة بين استخدام المفاهيم في الأدب والنقد المعاصر: في الأدب، تظهر هذه المفاهيم غالبًا في روايات الديستوبيا مثل 1984 لأورويل والعالم الجديد الشجاع لألدوس هكسلي، حيث تتحول السلطة إلى جهاز يراقب الفرد ويتحكم في وعيه. أما في النقد الأدبي والفلسفي، فقد تطورت هذه المفاهيم لتظهر في تحليلات معاصرة، مثل دراسات نعوم تشومسكي عن “تصنيع القبول” (Manufacturing Consent) في الإعلام، أو تحليل جوديث بتلر للهوية كخطاب سلطوي يتم تشكيله باستمرار.

أمثلة حديثة من وسائل الإعلام والخطاب الأدبي: يمكن رؤية تأثير مزرعة الحيوان في الأدب والإعلام الحديث من خلال العديد من الأعمال التي تعكس استبداد السلطة والدعاية الإعلامية، مثل مسلسل Black Mirror الذي يستكشف كيفية تلاعب التكنولوجيا بالوعي الجمعي. كما أن الخطاب الإعلامي في العصر الرقمي أصبح أكثر تشابهًا مع الأساليب التي استخدمها “سكويلر”، حيث يتم التلاعب بالمعلومات لتشكيل تصورات الجماهير بطرق تخدم السلطة السياسية والاقتصادية.

الثورة والسلطة: من المثالية إلى الاستبداد: تبدأ الرواية بثورة الحيوانات ضد السيد جونز، مالك المزرعة، الذي يمثل الطبقة الحاكمة المستغلة. بقيادة الخنازير، وخاصة نابوليون وسنوبول، تنجح الحيوانات في طرد جونز وتأسيس نظام جديد تحت شعار “كل الحيوانات متساوية”. ومع ذلك، سرعان ما تظهر الانقسامات بين الخنازير، حيث يتنافس نابوليون وسنوبول على السلطة. ينتهي الأمر بنابوليون، الذي يمثل جوزيف ستالين، بالاستيلاء على السلطة بطريقة ديكتاتورية، مستخدمًا الكلاب (التي تمثل الأجهزة الأمنية) لقمع المعارضة وإسكات أي صوت معارض.

التلاعب بالتاريخ والأيديولوجيا: أحد أهم جوانب الرواية هو كيفية تلاعب نابوليون بالتاريخ والأيديولوجيا لتعزيز سلطته. من خلال شخصية سكويلر، الخنزير الذي يعمل كمنظّر للنظام، يتم إعادة كتابة التاريخ لصالح نابوليون، حيث يتم تشويه سمعة سنوبول، الذي كان يمثل ليون تروتسكي، وتحويله إلى عدو للثورة. يتم تغيير الوصايا السبع التي وضعتها الحيوانات بعد الثورة، مثل “كل الحيوانات متساوية”، لتصبح “كل الحيوانات متساوية، ولكن بعضها أكثر مساواة من الآخرين”. هذا التلاعب بالأفكار والمبادئ يعكس كيفية استغلال الأنظمة الشمولية للأيديولوجيا لتبرير استبدادها.

الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي: تعكس الرواية أيضًا كيفية استغلال الطبقة الحاكمة للطبقة العاملة. الحيوانات العاملة، وخاصة الحصان بوكسر، تعمل بجد لبناء الطاحونة التي تمثل التقدم الاقتصادي، لكنها لا تجني أي فائدة من عملها. بوكسر، الذي يمثل الطبقة العاملة المخلصة، يعمل حتى الموت، ليتم بيعه في النهاية إلى الجزار من قبل الخنازير. هذا الاستغلال الاقتصادي يعكس كيفية استغلال الأنظمة الشمولية للعمال لتحقيق أهدافها، دون أي اعتبار لرفاهيتهم أو حقوقهم.

النقد الاجتماعي والسياسي: من خلال هذه القصة الرمزية، يقدم أورويل نقدًا قويًا للأنظمة الشمولية، وخاصة النظام الستاليني، حيث يتم استغلال الثورة لصالح طبقة حاكمة جديدة. الرواية تظهر كيف أن المبادئ الثورية، مثل المساواة والعدالة، يمكن أن تتحول إلى أدوات للقمع والاستبداد عندما تسيطر عليها نخبة فاسدة. كما تعكس الرواية كيفية تلاعب الأنظمة الشمولية بالتاريخ والأيديولوجيا لتبرير سلطتها وقمع المعارضة.

في النهاية: تمثل مزرعة الحيوان نموذجًا أدبيًا فريدًا في نقد الأنظمة الاستبدادية عبر الرمزية واللغة، إذ توضح كيف يمكن للسلطة أن تعيد تشكيل الواقع من خلال التحكم باللغة والخطاب.  أن أورويل لم يكن مجرد روائي، بل ناقد سياسي ولغوي بامتياز، ما يجعل هذه الرواية ذات أهمية دائمة في فهم التلاعب السياسي باللغة. هذه الرواية تعتبر درس في الحرية واليقظة، تقدم “مزرعة الحيوان” درسًا مهمًا حول أهمية اليقظة والحفاظ على المبادئ الثورية. الرواية تذكرنا بأن الثورات يمكن أن تتحول إلى ديكتاتوريات إذا لم يتم الحفاظ على قيمها الأساسية، وأن السلطة المطلقة تؤدي دائمًا إلى الفساد. من خلال هذا العمل، يقدم أورويل تحذيرًا قويًا من مخاطر الأنظمة الشمولية، ويؤكد على أهمية الحرية والعدالة الحقيقية. هذه الرواية، برمزيتها القوية ورسالتها السياسية العميقة، تظل عملًا أدبيًا ذا أهمية كبيرة في فهم الصراعات السياسية والاجتماعية المعاصرة، وتقدم دروسًا لا تزال ذات صلة في عالمنا المعاصر. هنا علينا التفكير بشكل أعمق حيث أظهرت الرواية كيف يمكن للغة أن تكون أداة للسيطرة على الوعي الجماهيري. فتلك الاعمال هي من تستحق أن تكون مدرجة ضمن المناهج التعليمية كنموذج لفهم العلاقة بين الأدب والسياسة، ولدراسة دراسة تأثير اللغة في تشكيل الأيديولوجيات السياسية من خلال السرد الأدبي.

*** وفاء شاهر : كاتبة وباحثة من فلسطين

–    أصدرت عدة مقالات أدبية ونقدية، ودراسات بحثية، ومنها ما نشر في مجلات محكمة دوليًا.

–    فازت بتكريم ضمن أفضل 100 شخصية عربية لعام 2024. من مركز الدراسات المصرين في مصر

 – صدرت لها  المؤلفات التالية:

  • صورة البطل في قصص أطفال فلسطين
  • العنقاء تروي قصصًا وعبرًا
  •   جبر الخواطر
  •  العقد الثمين من الذكر والوعظ المبين
  •  اطلالات
  • ويبقى الأثر

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية مديرة وإعلامية موقع صحيفة ألوان، باعتباره منبرا إعلاميا شاملا يهتم بمغاربة العالم في الميادين الابداعية والثقافية، الاجتماعية والاقتصادية و التواصل والإعلام. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: يرجى إرسال المقالات في حدود ألف ومائتين كلمة كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل و المراسلات:jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *