قراءة لغوية نفسية لديوان الشاعر محمود محمد يوسف
ديوان (الشمسُ مُبدعةُ الظلال)
يقدمها الأديب المصري : محمد ياسين خليل القطعاني
( فَصاحَةُ الكلمةِ، وسُموّ المَعنى )
نحن أمام ديوان شعر تتمثل فيه المدارس الشعرية، كما تتمثل فيه الأغراض الشعرية، كما تتمثل فيه قضية اللفظ والمعنى، وإذا كانت لكل مدرسة شعرية خصائصها التي تميزها عن غيرها، فإن لكل غرض شعري سماته التي تميزه عن غيره كذلك .
الشاعر المصري محمود يوسف في هذا الديوان الذي بين أيدينا طاف على أغلب مدارس الشعر، فوقف، واستوقف، وعرّج على بعض أغراض الشعر، ففاض، وأفاضَ، وأحياناً فَرِح وأفرح، وأحايين أخرى بكى، واستبكى .
هذه قصيدته بعنوان: ( جنة تحت الثرى تتحاكى) في الصفحة السادسة والأربعين تُظهر ميله إلى الشعر العمودي، واحتفائه به، ويتأكد لنا ذلك من خلال أبيات القصيدة الموزونة المقفاة، ويبرز (التصريع) في أول أبياتها معلناً الولاء، ومؤكداً الانتماء.
ذلك الطفلُ الذي يتشاكى ليس يبكي إنه يتباكـــى
لو تراه في المدى كملاكٍ واقفاً يسقي النجومَ هناك
سارحاً يصطادُ أقمارَ مَجدٍ ويَلُمُّ الشُهْبَ والأفــــلاك
لم يكتف الشاعر بالتصريع؛ ليجذب أُذْن القارئ إليه بفضل جرس حرف (الألف الممدود)، بل لجأ إلى توافق الكلمتين في نهاية الشطرين من حيث إنهما فعلان مضارعان يدلان على الاستمرار والتجدد، وإنهما يتشابهان صوتياً من ناحية صوت المد في وسطهما وآخرهما، والكلمتان بينهما (جناس) منحَ البيتَ جرساً موسيقياً ترتاح له الآذان وتطرب .
ومن خلال الصورة الفنية في البيت الثاني (الانزياح الدلالي) شدّ الشاعر انتباه القارئ ونشّط ذهنه؛ لمّا جعل النجوم كائناً حياً يشرب ويرتوي على سبيل الاستعارة .
يأخذ الشاعر بعقل القارئ حين شبّه الطفل الواقفمتأملاً حائراً بصورة الملاك الذي يسترجع أيامَ مجد العرب وعزتِهم ، و صنع من كلمتين تشبيهاَ بليغاً، مُقدماً المشبه به على المشبه، فالمجد أقمارٌ، وهنا يداعب الشاعر وجدان المتلقي ، فكما لا يستطيع أحدٌ إخفاء نور القمر، فلا أحد يستطيع إخفاء مجد العرب القديم .
اختار الشاعر الصور الفنية التي تلامس وجدان المتلقي؛ ليؤثر فيه، ثمَّ انتقى الكلمات ا لتي تحمل دلالات الرفض والاستهجان لما عليه العرب الآن : ( يتشاكى/ يتباكى/ ليس يبكي ).
إذا رحلنا مع الشاعر : محمود يوسف إلى الصفحة الرابعةَ عشرةَ بعد المئة حيث قصيدته ( دمعات على ثوب أمي ) ، نقرأ:
اليومَ أزْمَعْتِ الرحيلَ وبدأتِه السفرَ الطــــويل
ونسجتِه ذاك الفراقَ يُبَرِّحُ القلبَ العـــــــليل
ورحلتِ مثلَ النورِ ودَّع دَرْبَه عند الأصيل
وتركتِ ذاك الظِّلَ يَغْزِلُ نَبْضَةَ الأملِ القليل
نلحظ كذلك التصريع في البيت الأول حيث ينتهي الشطران بحرف اللام ، وكذلك المقطع الصوتي الطويل ( صوت المد بالياء) في الكلمتين ( الرحيل / الطويل) الذي يشبه صوتَ الأنين و الندب على مَنْ رحلتْ.
هذه القصيدة الرثائية تلمس القلب، وتدمي الفؤاد، خاصةً أن الشاعر استعارَ الكلمات التي تحمل دلالات الرغبة في الرحيل والفراق ومغادرة الدنيا ، مما يجعل المتلقي يتعاطف مع الشاعر، ويتساءل عن السبب، هل لطول مرض الأم ؟ هل لأوجاع أرهقت الجسم ؟ حتّى أصبح الموتُ لديها مطلباً وأمنيةً.
اختار الشاعر الفعل (أزمعتِ)، والفعل (أزمعَ) يستخدم في مواطن العزم على الرحيل، واتخاذ القرار الحاسم، كما ورد على لسان امرئ القيس حيث يقول:
أفاطمُ مهلاً، بعضَ هذا التدللِ
إنْ كنتِ أزمعتِ صَرْمي فأجملي
كما استخدم الفعل ( بدأتِه) ، كأنها صاحبة الإرادة والمباداءة، ويعمق الشاعر الإحساس برغبتها في الرحيل باستخدام الفعل ( نسجتِه) لما يحمله من دلالات الرغبة والأناة، وها هو يشبه رحيلها برحيل نور الشمس وقت الأصيل في انزياح دلالي يحمل معاني المغيب والفراق، وتركت خلفها الظل يغزل بمِغزله نبضةَ أملٍ واحدةٍ لا تغنيه في (انزياحٍ دلالي آخر) .
اختار الشاعر ( القافية اللامية) في هذه القصيدة الرثائية التي يرثي فيها( أمه)، فحرف اللام يُناسب التفجع على الميتِ ، وقديماً استُخدمت القافية اللامية في الرثاء كما في لامية ( الحارث بن عبّاد) في رثاء ابنه( بُجير) حيث يقول:
كلُّ شيءٍ مصيرُهُ للزوالِ غيرَ ربي وصالحِ الأعمـــــال
ولَعَمْري لأبكينًّ بُجيراً ما أتى الماءُ من رؤوسِ الجبال
إذا انتقلنا من غرض الرثاء إلى غرض :( النصح )، فعلينا أن نذهب إلى قصيدة :( عبادٌ لنا) في الصفحة الخامسةِ والثمانين، ونسمعه يقول:
يا قومُ ، حَيَّ على العُليا وذُروتِها
لا يعرفُ المجدَ إلا مَنْ يُراسلُهُ
يخاطب قومه مستخدماُ أداة النداء (يا) ، وهي لنداء البعيد على الأغلب، مفضلاً إياها على أدوات نداء القريب، مثل:( الهمزة/ وأي ) موحياً للقارئ بأن قومه بسبب ضعفهم وخنوعهم أصبحوا بعيدين عن تاريخِهم المجيد، كما أنّ ( يا ) تتميز بطول الصوت والتنبيه وتقريع المنادى أحياناً، وجعل المنادى ( يا قومُ ) ( نكرة مقصودة)، لذلك بنى المنادى على الضم ؛ لأنه يقصد قومه بالتحديد، ولم يقل ( يا قوماً) بنصبالمنادى، وإلا لأصبح المنادى قوماً غير محددين وغير مقصودين بالخطاب .
نلحظ التناص في قوله ( حَيّ على العُليا ) ، المأخوذ من النداء للصلاة ( حيّ على الصلاة/ حيّ على الفلاح) كأنه يذكرهم بأن ما يدعوهم إليه هو من أعمدة الدين وأصوله،كما أنه لا يقبل منهم أقل من معالي الأمور بذكره كلمة ( ذروتها) ، وذروة كلِّ شيء أعلاه وسنامه.
استخدم اسم فعل الأمر( حيًّ) بمعنى ( اقبلوا) بدلاً من أي فعل أمر آخر؛ لأن اسم فعل الأمر هنا يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، إذاً النداء للجميع .
وإذا كانت النصيحةُ لقومه واجبةً، فهي لولدِه أوجبُ وأولى ، ها هو في الصفحة الرابعةِ والتسعين من قصيدة ( إلى ولدي) يهمسُ له :
لا تركنَنَّ إلى وَهَنٍ به خَدَرٌ
فاللهُ ، قد خلقَ الإنسانَ في كَبَدِ
هنا ينحو النصحُ منحى النّهي الذي يتضمن الأمر مستخدماً أداة النهي ( لا)، وبعدها الفعل المضارع المؤكد بنون التوكيد الثقيلة التي تأتي مشددة ( ترْكنَنَّ)، ولم يستخدم نون التوكيد الخفيفة التي تأتي ساكنة ( تركنَنْ)؛ ليؤكد على أهمية ما ينهاه عنه، ونلحظ أن الشاعر يحذر ولده من الوهن ( بفتح الهاء أو تسكينها) ويقصد به ( الفتور وضعف العزيمة)، وحذف بعدها أداة التعليل، وحقه أن يذكرها وهي:( لأنًّ) ، فيكون الشطر هكذا :
لا تركنَنًّ إلى وهنٍ لأنَّ به خدرٌ …
ونلحظ التناص مع القرآن الكريم في عَجُزِ البيت نفسِه في قوله : فالله قد خلق الإنسانَ في كَبَد
وجاء في سورة البلد، الآية الرابعة ” لقد خلقنا الإنسان في كبد“
الشاعر يُذّكر ولدَه: بأنّ الله خلق الإنسان؛ ليعمل ويجتهد، فهو يُكابد السراء بالشكر، ويُكابد الضراء بالصبر.
ننتقل مع الشاعر إلى الصفحة السادسةِ والتسعين حيث قصيدة: ( في ذِكرى مولدي)، ونقرأ:
فإذا حانَ للرحيلِ أوانٌ يأكلُ اللحدُ ما زَوَتْ أرحامُ
فإذا كان الشاعر فيما سبق قد تناص مع القرآن الكريم فهو هنا يتناص مع الحديث الشريف، فقد استعار الفعل ( زوت) من الحديث النبوي، عن ثوبان قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” إنّ الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقَها ومغاربَها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكُها ما زوى لي منها …” صحيح الإمام مسلم.
التناص لجأ إليه الشاعر؛ ليضع هالة من الإجلال والمهابة والتصديق للمعنى الذي أراده .
أما إذا يممنا أعيننا نحو الصفحةِ التاسعةِ والعشرين؛ لنقفَ عند قصيدة:
( الشعرُ ذِكْرُ العاشقين، فإننا سنجد ضرباً آخرَ من الشعر، فهذه القصيدة المكونة من ثمانيةٍ وأربعين بيتاً تندرج تحت مسمى ( الشعر المرسل).
عندما نطالع الصفحة:( التاسعةِ والتسعين) فسوف نتوقف عند قصيدة: ( سميرُكَ يا نيلُ) التي يخاطب فيها الشاعر نهر النيل في مصر، ويتأمل مجراه، ويستذكر خيراته، والقصيدة من ضربٍ آخرَ من أضرب الشعر، هو: (الشعر الحر) أو( شعر التفعيلة) لنسمعه وهو يناغيه قائلا:
وأعرفُ أنّ إشارةَ دِلْتاكَ نصرٌ / وأنّ أماناً / وكوخاً بظلكَ قصرٌ/ وأنّ على راحتيكَ / يُصَنّفُ معنى الغرام)
هذه الأسطر الشعرية المُفعمة بالمشاعر النابضة، والأخيلة المتنوعة، واللغة الرقيقة التي تناسب المعنى، يلفتُ الشاعرمن خلالها عيني القارئ إلى تلك الصورة التي رسمها بكلماته حينما استخدم المنهج السيميائي في ربط الكلماتبالشكل الجغرافي لنهر النيل (الدال والمدلول)، فنهر النيل يُقبل من الجنوب على شكل وادٍ رفيعٍ، ثم يمتدّ إلى الشمال، ثم يتحولُ عند القاهرة إلى فرعين هما فرعا:( رشيد ودمياط)، والفرعان على شكل إشارة النصر التي هي عبارة عن إصبعي السبابة والوسطى منفرجين على شكل حرف : ( فِي) في اللغة الإنجليزية.
في القصيدةِ نفسها نجد التلاقي (التناص) بين الشاعر محمود يوسف والشاعر الكبير إيليا أبي ماضي في قصيدته: ( كنْ بلسماً) ، فنسمع إيليا وهو يقول:
أحببْ، فيغدو الكوخُ قصراً نيّراً
وأبغضْ ، فَيُمْسي الكونُ سِجناٍ مُظْلِماً
ونسمع محمود يوسف وهو يقول:
وأنّ أماناُ وكوخاً بظلكً قَصْرٌ.
كل إبداع مهما بلغت درجة كماله لابد فيه من بعض الهَنات التي لا تقلل من شأنه، ومن هذه الهنات أنّ الصنعة غلبتْ على المعنى في بعض قصائد الديوان ، فخلقتْ فجوةً بين الشاعر والمتلقي، وظهرتْ تلك الفجوة بوضوح في قصيدة: ( عرفتك) في الصفحة الخامسةَ عشرةَ .
والشيءُ نفسُه نجده في قصيدة: ( من أنت) في الصفحة الثامنةَ عشرةَ ، فقد طغت على الأبيات الرؤى الفلسفية، والنظرات التأملية، والثنائيات اللفظية ، فغَمُضت المعاني على المتلقي العادي الذي يريد أن يستمتع بما يقرأ، ولا يرهق ذهنه في التفسير والتأويل .
في قصيدة: ( هي وأخواتُها) في الصفحة الخامسةِوالثلاثين نقرأ:
ألا ترى الحُبَ سهماً قد يَدخُلُ الصّبَّ رِمْسا
أما سمِعْتَ بلــــــيلى وكيفَ أردتْه قَــــــيسا
في الفعل المضارع ( يدخل) خطأٌ مطبعيٌ في ضبط حرف المضارعة ( الياء أول الفعل)، فالحرف مشكول بالفتحة والصواب الضمة ليستقيم المعنى .
وخطأٌ آخر في ضبط كلمة🙁 رمسا) حيث ضُبط حرف الراء بالكسرة، والصواب بالفتحة، ( فالرَّمس) بالفتح هو القبر.
وفي البيت الثاني غموض سببه التعقيد اللفظي كما يُسَمى في علم البلاغة، فقد جاء البيت على هذا النحو :
أما سمعتَ بليلى وكيفَ أردته قيسا
والأقرب للفهم أن نقولَ :
أما سمعتَ بقيسٍ وكيفَ أردتْه ليلى
الشاعر محمود يوسف يقصد من وراء الحذف تحقيقَالإيجاز، فالحذف يتكرر كثيراً في قصائد الديوان، و أحياناً يمكن تقديره بقرينة في البيت أو القصيدة، وأحياناً تغيب تلك القرينة، لذلك فإن من شروط الإيجاز بالحذف ألا يَخَلَّ الحذفُ بالمعنى.
