خواطر امرأة: ما أجمل الغرباء حين يصبحون أصدقاء!

خواطر امرأة: ما أجمل الغرباء حين يصبحون أصدقاء!

 من الغربة الى الاستقرار ..

ثريا الطاهري الورطاسي
          ثريا الطاهري الورطاسي

       تمضي بنا الحياة ، ونسير في دروبها الأيام ، لنجد أنفسنا ملزمين للقيام بمجموعة من الأعمال، قد لا تكون لنا أي رغبة في القيام بها، إلا أنها أتت من باب ما يٌفرض علينا فنسير في خطاها دون أدنى تفكير ، وكأننا روبوتات متحكم فيها عن بعد، فنغرق في تيه حكايات ماضوية، ونعيش مرغمين لحظاتها المثقلة  بثنائية التناقضات، فنغدو مشتتين بين أمنيات كنا نرغب فيها وأخرى تاهت منا وانفلتت من بين أصابعنا، كأنها فقاعات صابون افتقد رغوته العطرة، فلا نعي أتحققت فعلا أم أنها ذهبت مع الريح على حد تعبير رواية ” مرغريت ميتشل”. وعلى حين غفلة  وتملصا من كل المطبات، أجدني في أمس الحاجة لهذا النوع من المصارحة مع نفسي أولا، والمكاشفة ثانيا معكن (م) أحبتي ، بغض النظر عن خانات تواجدنا ،وعليه ها أنا أشْرِعُها بوابة دواخلي لتسريب مشاعر وأفكار، غالبا ماحيرتني وطوحت بي بعيدا في عوالم متداخلة اللحظات من جغرافية ذاكرة مرهقة، حتى لا أقول مشروخة من جراء توالي ضربات الغياب ووجع الفقد، فصرت غير قادرة على التمييز بينها، أو في أي خانة يمكن أن أموضعها ؟ وهل طفت على السطح من بوابة الغبطة والرضا والقناعة، أو أن مردها عائد إلى الخوف من ذاك المجهول الرابض ببوابة ذاكرتي المثقلة بتناقضات، لم أعد قادرة على السير في متاهاتها ؟ فأجدني ملزمة بمجالسة نفسي لإعادة ترميم تلك الشظايا واعطائها نسقا بَيٌِنا، كتحايل مني لفهمها واستيعاب مكنوناته. فتمضي بنا الأيام لتمخر عباب الزمن، ويشاء القدر ان نقرر بشكل أسروي، خطوتنا الأولى في هجرة المدينة / الغول، مسقط رأس رفيق الدرب والمحتضنة لي بعد تأسيس عش الزوجية، وموطن تقبل واستقبال مولودي الوحيد. ليقع اختيارنا – بالصدفة – على عاصمة البوغاز ، عروس الشمال، حاضرة البحرين” المتوسط والمحيط ” وهي من أشرعت لنا أبوابها، معلنة الترحاب والاحتضان،  الشيء  الذي جعلني أعيش هواجس السكن والعيش في فضاءات  مدينة لا أعرف عنها الا ما كنت قد أخدته من دروس التاريخ، أو ماعلق بمخيالي وأنا لها عابرة في اتجاه ماوراء المتوسط، ذات زمان ولى بكل مافيه إنها المغامرة ولا ريب …

 وتبعا للمثل المغربي لقد وقعت الفأس في الرأس ، وحتى بدون أي تخطيط مسبق ، قررنا العيش بها  ونحن نعيش مرحلة التقاعد ، مستحضرة في دواخلي تلك الطفلة الحالمة بمدينة طنجة ” العالية بسواريها ” حسب ما ردده الفنان المرحوم الحسين السلاوي. الأستاذة المتطلعة إلى الأقامة بها، بعد التخرج من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بفاس ظهر المهراز، أستاذة للإجتماعيات ، وللصدق أقول لطالما شاركت في الحركة الانتقالية قصد العمل بها، وأنا عندئد استاذة بمدينة الناظور، دون أن يتحقق ذلك فتوارى الحلم بها مع توالي السنين. ليظهر من جديد وكأنه فينق ينبعث من رماده، ويستجيب القدر للسماح برسو سفينة العمر على شاطئها، تحقيقا لأمنية تناسيتها بعدما كانت تراودني أيام الشباب. وأخيرا  ها أنا استوطنها وأدمن  التنقل بين زوايا المثلث الجغرافي الممتد من مدينة “بركان” مسقط الرأس وبيت  الوالدين لهما الرحمة والمغفرة. إلى الدار البيضاء بيت الزوجية . فمدينة طنجة التي أحاول أن أصنع لي فيها وبين أهلها مسلكا جديدا يتناغم مع كل ما يرافق حياة المتقاعدين، كيف لا وهي المدينة الدولية تاريخيا، التي أرخت علي ضلالها الساحرة، حيث الحدائق الغناء، الفضاءات المريحة، المقاهي الجميلة، وروائح البحر الأبيض المعانقة للاطلسي في انسجام أخاد، وحركات نوارسها تحلق صباح مساء، قريبة من شرفات بيتنا الجميل بموقعه واطلالته، والتواجد الدائم ل” القديس” في فضائه – كما يحلو لأخي وصديقي ورفيقي في المهنة الرائع علال بنور  أن يسميه – 
لقد آمنت، كما هي عادتي بسحر البداية الجديدة، بروعتها وسكونها، وتهت في زحمتها مكتفية بملاحظة انشغال الناس، والإحساس بالزمن الذي يثقلهم، فلا يكاد يلتفت الواحد منهم إلا لنفسه، لأضحى والحالة هذه غريبة أعاني الوحدة ، ولا مفر لي من الانشداد إلى كتاباتي ، سجينة تفكيري المرهق ، يهزني الشوق والحنين لبيتنا في البيضاء، وبيت والدي بمدينة بركان ،  بغية الارتواء من حوض الذكريات ، وقد أعياني الشعور بالغربة وأنا البعيدة عن الفضاءات التي أوتني وشكلت شخصيتي ، مستحضرة ماذهب اليه ” أبو الحيان التوحيدي ” عندما قال : أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه . إنها غربة مزدوجة ، تزداد استفحالا عندما يحلق ذاك القديس خارج أسوار المدينة ، فأبقى وحيدة أوراقي وتخيلاتي وأوهامي ، فتتمدد الغربة معششة في دواخلي وثنايا ذاكرتي ، فأسترجع شريط الذكريات المتقاسمة مع مهدي وزوجته راضية ابنتي لم الدها ،  بعض الأحباب ، الجيران ، المعارف ، عصافير الكناري الصداحة ، صراخ وضجيج حراس السيارات …. فأحس وكأني أقول مع محمود درويش : “يطير الحمام ، يحط الحمام ، أعدي لي الأرض لكي أستريح ، فإني أحبك حتى التعب ” ومع ذلك تبقى الغربة ، هي المدن التي تسكننا وتستوطننا ، نحملها معنا في ترحالنا الطوعي أو القهري ، فلعمري هي الوجع الأكبر ، لأنها غربة مكانية للروح الإجتماعية ، في غياب الأهل والاحباب والأقارب . ونحن نعيشه خريف العمر ، يبقى من الصعب علينا خلق علاقات جديدة فيحاصرنا الشعور بالاغتراب دون أن نقوى على إيقافه ، كلما هزنا الحنين إلى الماضي في بعديه ، القريب والبعيد على حد سواء .
هي خواطر – أحبتي-  أتعبتني جسديا وأنهكتني فكريا، وأدخلتني في بحور التيه، فواجهتها انطلاقا من القولة الخالدة لتوفيق زياد” قاوم ولا تستسلم ” ورجائي بالله كبير في كونه إذا أراد شيئا هيأ له أسبابه، بشكل لن يخطر على البال . ويبقى كل ماقلته حوارا من خلالكم مع الذات، حول غربة المكان بهدف إعطاء النفس متسعا من القبول والتقبل، لخوض غمار نقاشات تاوية، تنتابني وأنا أعيش سكون وروعة هذه المدينة الجميلة في انتظار لحظات أسعد، مستحضرة كل ماهو ماتع من الذكريات كلما ارتشفتها قهوة المساء في بهو شرفتي المطلة على منطقة  رياض تطوان الجميلة بموقعها وفخامة مسجدها الشامخ الذي  يتوسطها، يغمرني الحنين وتهزني الذكريات وأتطلع  إلى الغائبين الغالين على قلبي الدائمي الحضور في الوجدان، مترقبة المكالمة الهاتفية اليومية لابني ” مهدي ” وهو الحديث العهد بديار الهجرة الى العالم الجديد ، بحثا عن مستقبله وتحقيق ذاته ، رفقة الكثير من الأطر التي تنكر لها هذا الوطن. فأحلق سابحة مع النوارس، جيئة وذهابا مستعينة بسرعة قطار” البراق ” كلما أحسست بثقل الغربة أو اجتاحني الحنين وهزني الشوق إلى البيضاء ، بكل ما لها وعليها. دون أن أنسى القول بأن محطة الاستقرار بطنجة جعلتني أكتشف عوالم أخرى، وأعيش جمال المكان والزمان .             
 فشكرا من القلب لكل اللذين  واللواتي ساهموا ( ن ) في اذابة جليد الوحدة، فمعهم ( ن ) وبهم ( ن) ولهم ( ن) أقول : ما أجمل الغرباء حين يصبحون أصدقاء لنا بالصدفة .
ثريا الطاهري الورطاسي 
مدينة طنجة في 22 فبراير 2025

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية مديرة وإعلامية موقع صحيفة ألوان، باعتباره منبرا إعلاميا شاملا يهتم بمغاربة العالم في الميادين الابداعية والثقافية، الاجتماعية والاقتصادية و التواصل والإعلام. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: يرجى إرسال المقالات في حدود ألف ومائتين كلمة كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل و المراسلات:jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *