آفة التسول في رمضان
فاقة أم امتهان؟

تعد ظاهرة التسول من أكثر الظواهر الإجتماعية إزعاجا، وتشتد خلال شهر رمضان حتى تكاد تصبح جزءا من المشهد اليومي أمام المساجد وفي الأسواق ومحطات النقل. ويفسر هذا التصاعد بخصوصية الشهر الفضيل، إذ ترتفع روح التضامن وتكثر الصدقات والمبادرات الخيرية، فيجد بعض الأفراد والجماعات في ذلك فرصة لاستدرار العطف وطلب المال بطرق مباشرة أو مواربة. وبين محتاجين فعليين يطحنهم الفقر، وآخرين حولوا التسول إلى مورد دائم، تتعقد قراءة الظاهرة وتصبح الحاجة ملحة لفهم أسبابها وآثارها وبدائلها.
السياق الرمضاني وتكثف الظاهرة
يشهد رمضان حركية دينية وتجارية قوية: صلاة التراويح تجمع أعدادا كبيرة، والأسواق تعرف ازدحاما قبيل الإفطار وبعده، كما تتوسع موائد الرحمن وحملات توزيع القفف. في هذا المناخ، تتحول فضاءات العبادة والتجارة إلى “نقاط جذب” للمتسولين، أفرادا كانوا أو مجموعات. وتتنوع الأساليب بين الاستجداء الصريح، وعرض حالات مرضية حقيقية أو مدعاة، وحمل أطفال لإثارة الشفقة، وبيع مناديل أو سلع زهيدة بإعتبارها غطاء للطلب. وهكذا يصبح رمضان لحظة تضخم رمزي وعملي لظاهرة حاضرة طوال السنة، لكنها تتضاعف بفعل كثافة الحضور البشري والاستعداد النفسي للعطاء.
الأسباب الاجتماعية والاقتصادية
لا يمكن فصل التسول عن واقع الهشاشة الإجتماعية: بطالة، وفقر، وتفاوت مجالي بين المدن والقرى، وإرتفاع كلفة المعيشة، وضعف الدخل لدى شرائح واسعة. كما أن محدودية بعض آليات الحماية الإجتماعية، أو عدم وصولها إلى كل المستحقين، تترك فراغا تملؤه مبادرات فردية غير منظمة، من بينها التسول. ومع ذلك، لا يتعلق الأمر دائما بالحاجة القصوى؛ فهناك من اتخذ التسول “حرفة” تدر دخلا يوميا دون إلتزام مهني أو ضريبي، مستفيدا من التعاطف السريع وغياب المتابعة الدقيقة، وأحيانا من شبكات تستغل الأشخاص وتدير “مجالات” عملها.
كما تسهم الهجرة الداخلية وتفكك الروابط الأسرية في دفع بعض الأفراد إلى الشارع، خصوصا حين يغيب السكن اللائق أو الدعم الصحي. وفي حالات أخرى، يختلط التسول بالتشرد والإدمان، فتتحول المسألة إلى أزمة متعددة الأبعاد تتطلب تعاون الصحة والتعليم والسلطات المحلية، لا مجرد تعامل ظرفي مع الأشخاص في لحظة الطلب. ويظل الإحصاء الدقيق شرطا لفهم الحجم وتحديد التدخلات الناجعة.
البعد الديني بين التكافل والإستغلال
يحمل الوجدان الديني في رمضان طاقة إيجابية تدفع إلى الصدقة، وهو ما يشكل ركيزة للتكافل. غير أن هذه الطاقة قد تستغل عبر توظيف عبارات دينية مؤثرة، أو إبراز مظاهر عجز وإعاقة، أو ادعاء مآس عائلية. حينها يتداخل العبادي مع منطق الربح السريع، فتتضرر صورة الصدقة نفسها، ويضيع المحتاج الحقيقي وسط ممارسات موسمية أو منظمة. لذلك يبرز دور الوعي الديني والاجتماعي في التمييز بين الإحسان الذي يحفظ الكرامة ويسهم في التمكين، وبين العطاء العفوي الذي قد يعيد إنتاج الإعتماد على الاستجداء.
الآثار السوسيولوجية والأمنية
يخلف انتشار التسول آثارا على الثقة الاجتماعية وعلى صورة الفضاء العام. فهو يعمق الإحساس باتساع الفقر، ويضعف الإعتقاد في نجاعة السياسات العمومية. كما يكرس استغلال الأطفال والنساء وذوي الإعاقة، بحرمانهم من التعليم أو التأهيل، وتعريضهم لمخاطر الشارع والعنف والأمراض. ومن زاوية أخرى، قد يتقاطع التسول مع النصب أو مع شبكات تتقاسم النفوذ وتفرض إتاوات، ما يمنح الظاهرة بعدا أمنيا يستدعي يقظة قانونية واجتماعية.
سبل المواجهة والبدائل الممكنة
لا تكفي المقاربة الزجرية وحدها، رغم ضرورتها ضد الإستغلال المنظم وحماية القاصرين. المطلوب مقاربة شمولية: دعم إجتماعي منتظم للأسر الهشة، وبرامج إدماج إقتصادي وتكوين مهني ومواكبة نفسية وإجتماعية. كما يتأكد دور الجمعيات الجادة في جمع التبرعات بشفافية وتوجيهها بعد بحث إجتماعي وتنسيق مع السلطات. وإلى جانب ذلك، ينبغي تكثيف حملات التوعية في رمضان لتوجيه الإحسان نحو قنوات مؤسسية، وتشجيع مبادرات “التمكين” كالتشغيل الصغير، والتأهيل، والسلال الغذائية الموجهة.
رمضان بين رحمة العطاء وكرامة الإستحقاق
ليست آفة التسول في رمضان حادثا موسميا فحسب، بل مؤشرا على إختلالات بنيوية في الإقتصاد والحماية الإجتماعية والثقافة القانونية. وتجاوزها يقتضي إرادة مشتركة: دولة تنظم وتمكن، ومجتمع مدني يؤطر ويبتكر، ومواطنون يمارسون إحسانا واعيا يوازن بين الرحمة والحكمة. عندها يستعيد رمضان معناه الأصيل: تكافل يرفع الحاجة ويحفظ الكرامة، لا فرصة لتكريس الاستجداء أو تحويل الألم الإنساني إلى مهنة.
ألمانيا: 28/02/2026
