قالت لي الكتابة…

قالت لي الكتابة…

 اكتبني فكتبت.. 

فاتحة الكلام

   د. عبد الكريم برشيد

يقول الاحتفالي في احتفالية ( عبد السميع يعود غدا) : ( أنا ذلك الذي لا يمكن أن يجد نفسه إلا إذا ضيعها، ولا يمكن ان يعيش هذا الوجود إلا إذا أعاد تركيبه وصياغته صياغة إبداعية جديدة، وآمنت بأن صورة هذا الوجود لا يمكن ان تكون اجمل واكمل إلا في عيون الشعراء، وان معناه او معانيه لا يمكن ان تكون (حقيقية) إلا في عقول الفلاسفة والحكماء).
والاحتفالي الصانع له موعد غدا مع ذاته، ليجددها، وله موعد اخر مع السفر ليتجدد فيه وبه، وله موعد متجدد مع فنونه ومع فكره ومع علمه ومع شبكة علاقاته الإنسانية ومع وصناعاته الإبداعية المتعددة، وكل هذا من اجل ان يعيش فعل الخلق وإعادة الخلق، وان يعيش قبله فعل الموت المتجدد، مساء كل يوم، وبغير هذا الموت العنقاوي ( نسبة إلى العنقاء) فهل كان ممكنا لهذا الاحتفالي، المؤمن بالحياة والحيوية، ان يحيا الحياة، في كل يوم جديد، بصيغة أخرى مختلفة ومغايرة؟
وغدا، لدي موعد جديد مع البوح الصادق، وذلك من خلال لقاء تلفزيوني مباشر، مع قناة بلنكا tv وفي تقديم هذا اللقاء يمكن أن نقرأ ما يلي:

(نفتتح هذا الموعد الجديد لنناقش موقع المثقف بين الالتزام والواقع، وبين الحلم بالتغيير وإكراهات المرحلة، وهل مازال المثقف قادرا على التغيير وعلى التأثير في مجتمعه؟
وهل يملك أدوات المواجهة أمام تحديات التخلف والتعصب والاستلاب؟
أم أن صوته بات محاصرا بين دوائر ضيقة لا تصل إلى عمق المجتمع؟
لمناقشة هذه الأسئلة وغيرها نستضيف قامة فكرية بارزة، صاحب مشروع الاحتفالية في المسرح العربي الدكتور عبد الكريم برشيد، في حوار مفتوح حول المثقف العضوي ورهانات الفعل الثقافي اليوم)
ونحن، اهل الكتابة، أمام هذا الواقع في صراع ابدي و سرمدي، يريد هو ان يكون ساكنا ومتخلفا وعبثيا وفوضويا وقبيحا ومظلما وظالما، وفي المقابل، نصر نحن، وبشكل سيزيفي، على ان يكون متحركا وجديدا ومتجددا، وان يكون متقدما وعاقلا ومنظما و جميلا و مشرقا و عادلا و منصفا، ولا نقول اننا قد انتصرنا في هذه المعركة، او انه يمكن ان ننتصر في يوم من الأيام، لأن ما يهمنا هو .. هو ألا تنهزم وكفى ..

في البدء قرأت، ثم كتبت

في هذا البدء الجديد، من هذه الكتابة المتجددة، اجد من الضروري ان اقف اليوم لحظة تأمل، وان أكون أقرب إلى نفسي وروحي وإلى اسئلتي اكثر، ولا اظن أنني يمكن ان أجد مثل هذا الصحو الذهني والوجداني والروحية إلا في هذه الليالي الرمضانية
لقد وقفت أمام مرآة ذاتي وقلت لنفسي، ومن خلالها اقول اليوم لكل الناس ما يلي:
لقد كان قدري هو ان اكون كاتبا، وأنا اليوم سعيد بأن اكون كاتبا، وان ابحث عن معنى الوجود وعن معنى الحياة في الكتابة وفي عالم وفي كون هذا الكاتب، وانا لو لم أكن كاتبا لوددت ان اكون كاتبا، وأن أكون قارئا ايضا، وهل تكتمل الكتابة إلا بفعل القراءة؟ وهل تكون هذه القراءة سليمة بدون رؤية سليمة؟وهل يكفي ان ننظر إلى هذا العالم بالعينين فقط، من غير ان ننظر اليه بالعقل وبكل الجوارح وبكل الملكات الكائنة والممكنة؟
وقد يكون ذلك القارىء الخفي بداخلي هو الذي أوصلني إلى درجة الكاتب، واعرف ان ما يميز هذا القارئ هو أنه فضولي، وان فضوله مشروع، ومتى كان عشق المعرفة، عشقا صوفيا، يمكن ان يكون في دائرة الممنوعات والمحرمات؟
انا الذي كتبت كتابا عن مساري الوجودي وأعطيته عنوان ( غابة الإشارات) وفي هذه الغابة وجدت الإشارات ووجدت العلامات وجدت الرموز ووجدت الرسومات الغريبة و العجيبة تتحداني، وتقول لي ( اقرأني) وافهمني ان كنت تستطيع، وهل كان يصح ان أقول لها ( ما أنا بقارئ)؟
وبعد هذا قالت لي ( اكتبني) ان كنت تستطيع، ولأنني في احتفاليتي أومن بالتحدي، واعتبر أن الوجود هو التحدي، واعتبر أن الحياة هي التحدي، فقد قرأت ما رأيت، وكتبت ما ادركت وفهمت،
ولو كان ممكنا أن يعود بي الزمن إلى البدايات الأولى من حياتي فإنني لن أختار إلا هذه الكتابة، والتي هي صوت الحياة والأحياء، وهي ظل الوجود و الوجودات، ولهذا القدر الحكيم، والذي انصفني، والذي قادني في طريق الكتابة أقول له اليوم شكرا، ولقد علمني معلمي الفقيه الورطاسي بمدينة ابركان، وانا في الكتاب، كيف ارسم الحروف اولا، ثم كيف أركبها، ثم كيف أنطقها لغتها السحرية، ثم كيف اطرب لموسيقاها، وقبل كل هذا فقد علمني كيف اعشق اللغة العربية عشقا صوفيا، ولقد لاحضت في البيت ان اهلي يمسحون زجاج النوافذ بالجرائد القديمة، والتي يمكن ان تكون بكل اللغات، إلا باللغة العربية فهي عند الجميع لغة مقدسة، ولهذا الفقيه المعلم، ولكل المعلمين الذين جاءوا بعده اقول اليوم شكرا.. شكرا ..
ولقد علمتني الحياة، و علمتني الأيام، كيف أعشق هذه الكتابة، وكيف اقرا ما اكتب في اللوح، وكيف احفظ ما كتبت، وكيف استظهر ما كتبت، وكيف امحو مساء كل يوم ما حفظت، وكيف اكتب على اللوح ما يمليه علي شيخي.
وفي البدء كانت هذه الكتابة رسما على لوح، ثم من بعد أصبحت حياة، وهي اليوم عندي نظام وجود ونظام حياة، واليوم أواصل فعل الكتابة، واصل فعل الحضور في الكتابة، و أواصل فعل الشغب الفكري في هذه الكتابة
وأنا الكاتب، تعاملت دائما مع هذه الكتابة باعتبارها كائنا حيا، وهي عندي ليست فعلا آليا يتم باليد التي ترسم الحروف والكلمات فقط، ولكنها قوة خفية، قد يكون معناها الحلم او الإلهام او الحدس او النبوءة، وهل كان المتنبي يمكن ان يسمى المتنبي بغير هذه الطاقة السحرية الخفية في فكره وروحه؟
ولقد آمنت دائما بان هذه الكتابة تعرفني كما اعرفها، وانها تسمع صوتي كما اسمع صوتها، وانها تكتبني قبل ان اكتبها، وانا عندما اقرا اي كتاب، فإن اول ما يصلني هو روح الكاتب قبل كلماته وعباراته، ووجود كتاب بلا روح هو مجرد أوراق مرتبة

لغة الكاتب هي الكاتب هي الكاتب

ولقد أحببت اللغة في هذه الكتابة، لأنني (حيوان ناطق) واحببت كل اللغات التي تكشف عبقرية الإنسان، والتي تخفي جانبا واسعا من عبقرية الإنسانية، ولكنني تزوجت اللغة العربية وحدها، وقلت نفس ما قاله شيخ الحكمة الشعبية سيدي عبد الرحمن المجذوب، والذي اختار واحدة من البنات، مع ان بنات العالم جميلات، ولكنه لا يمكن ان يختار إلا واحدة، ولقد قال،
الــبــنــات الــبــنــات انـــخــلات رواضــــي
انـتـما كـلـكـم زينات وانا اختاريت غير هادي
وبهذا فإنني أقول ما يلي، انا لم اختر الكتابة فقط، ولكنني اخترت لغة الكتابة أيضا، والتي هي اللغة العربية، وهذا هو الوجه الآخر لهذا القدر الجميل الذي اختارني لأن اكون كاتبا بهذه اللغة العربية أكلم ربي، في سري وعلانيتي، وبها اقرا كلامه في كتابه الكريم، والذي هو اصدق كل الكتب، وادعو الله بها، وانا في احلامي وهذياني لا أنطق  إلا بها. وهذه الحروف الحية، في الكتابة الحيوية، لها بالتأكيد أرواح حية، مثل كل الكائنات الحية، ولقد رتبها الصوفيون في مراتب، وجعلوا الألف في مقدمتها، ربما كان لإستقامة هذا الألف ولأنه منتصب القامة، وأنه في حركته يتجه من الأسفل إلى الأعلى ليربط الأرض بالسماء.
لقد كلمني صوت من داخلي وقال لي، عشق المعرفة يقودك إلى الكتابة، وهذه الكتابة تقودك إلى نفسك اولا، و تقودك إلى العوالم الجميلة، وأوصاني بالكتابة والكتاب خيرا.
انا الذي صرخت عند الولادة، لم اكن اعرف ماذا اريد ان اقول تحديدا، ولو كنت اعرف الكلام لتكلمت ولما صرخت، ولقد لجأت كثير من الشعوب الى الحروب، ربما بأنها لا تعرف كيف تقنع بالكلام، فكان الحل السهل بالنسبة إليها هو ان تلجأ إلى الحرب.
وعن هذه الكتابة اليوم ، وعن الكاتبين فيها وبها أقول اليوم ما يلي:

هناك من الكتاب من يكتب الواقع القبيح بنفس لغة هذا الواقع القبيح، والتي هي لغة لا شعرية فيها ولا جماليات فيها.
وهناك من يكتبه بلغة جميلة، حتى يصبح هذا الواقع أقل قبحا، حتى لا اقول اكثر جمالا.

مسافر زاده المعاني والقيم الجميلة

في طريق هذه الكتابة مازلت أمشي، و سأظل امشي ( ان شئت هذا أم أبيت) وطريق السائر المسافر طويل جدا، و زاده قليل، ولكن أحلامه واسعة ورحبة جدا حدا، واكون كاذبا لو اقول بانني انتظر ان اصل، واصل إلى أين، وليس لي في مشروعي (اين) محدد أقصده؟
وانا في هذا السفر لا أعشق إلا السفر وحده، كما انني لا اقول بانني في سفري قد اصبحت اعرف نفسي، واكون كاذبا اكثر لو اقول بانني اعرف هذا الاحتفالية، ولو كنت اعرفها لانتهت الحكاية، و لمات الكاتب المسافر الذي بداخلي، و لكنت قد قد أصبحت إنسانا متقاعدا، وهذا الكاتب الذي يحيا في الكتابة و بالكتابة، هل يمكن ان يتقاعد في اي يوم من الأيام؟
ويقول نفس هذا الاحتفالي في مقدمة كتاب ( مسافر وجهته السحاب): ( لقد عشقت الكتابة ، لأن العمر كتابة، ولأن كل خطواتنا في هذا العمر كتابة، فقد كنت الكاتب والكتابة معا
ولقد عشت المسرح، لأن الحياة مسرح).
هذا الكاتب الذي يسكنني يكره الغموض و يكره الالتباس، وهو من عشاق البيان والتبين، ومن دعاة البلاغ المبين، وهو الذي قال في احتفالية ( عبد السميع يعود غدا) ( انني اكتب لأوضح اشياء واشياء، وليس لأخفيها عن اعين الناس، ولو كنت اسعى للغموض والالتباس ما كتبت، ولو كان يخجلني هذا الذي أعلنه أمام كل الناس ما أعلنته، و لما بينت حالاتي و آرائي في البيانات وفي المسرحيات).
وبالنسبة إلي، فإن أصدق وأجمل ما في هذه الكتابة هو أنها رهان ومخاطرة، اقول هذا واكتب هذا، وانا اعرف ان الأصل في هذه الحياة التي نحياها هو انها مخاطرة وجودية، كما يمكن ان تكون هذه الكتابة سفرا وجوديا، ولعل اجمل ما في هذا السفر هو السفر نفسه، او هو متعة السفر، واسوا كل المسافرين هو من يسافر يوميا، من البيت إلى العمل، ومن العمل الى البيت، ومن البيت إلى المقهى
وبالنسبة للاحتفالي بان متعة السفر لا تتحقق، وبشكل حقيقي وكامل، إلا بوجود الرفاق في السفر، ولهذا كتب الاحتفالي مسرحية ( يا مسافر وحدك) مؤكدا على انه لا احد يسافر وحده إلا في حالة واحدة واحدة، والتي هي حال الموت وحال الموتى، ولا وحدة ولا وحدانية في الاحتفالية، ولا عزلة ولا انعزالية في الكون الاحتفالي، ولا غربة ولا غرباء في المجتمع الاحتفالي، ولا وجود لفعل يوم ان يجمع الناس إلا فعل احتفال الصادقين في الزمن الصادق وفي المناخ الثقافي والاجتماعي الصادق.

آخر الكلام

وعن علاقة الكاتب الاحتفالي بالكتابة يقول الاحتفالي في كتاب (زمن الاحتفالية) ما يلي:
( وتبدأ هذه الكتابة البيانية والتبيينية من درجة الخلق الأولى، او من نقطته الأساسية والأولية، والتي هي الحروف، وعن هذه الحروف المؤسسة للكون الاحتفالي نقول ( وفي الكتابة، قد نستعين بالحروف، مع انها الأصل والكل, وقد نعتبرها رسما ووشما ومجرد أدوات صغيرة، مع انها جوهر الموجودات وروح المخلوقات وفيها يختبئ كل العلم والفهم) الاقتباس الداخلي من مقالة (العلماء و العوالم ـ سوق الكلام ـ جريدة الميثاق الوطني 1996)
(ودائما، يتعامل الاحتفاليون مع هذه الحروف بحذر شديد، وهم يعرفون مكرها، ويدركون زئبقيتها، ويرون ان خطورتها تكون اساسا في تركيبها، وان فعل التركيب قد يتم بشكل صحيح، تماما كما يمكن ان يتم بشكل خاطئ ومغلوط، وانها، في كتابتها النظرية او الإبداعية، قد يكون لها معنى ما، وانه في قراءتها يمكن ان يكون لها معاني اخرى، مختلفة. مغايرة بالضرورة، ولقد عانت الحروف الاحتفالية والكلمات الاحتفالية كثيرا من القراءات المنحرفة و المحرفة والفقيرة و المغلوطة والمسطحة والملساء والماكرة والعرجاء والحولاء والعوراء العمياء والصماء والبكماء)

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com