دراسة نقدية في “عطر لازوردي” للكاتبة ابتسام عبد الله البقمي

دراسة نقدية في “عطر لازوردي”  للكاتبة ابتسام عبد الله البقمي

 سرد أنثوي يشق طريقه مترجما لعدة لغات وإلى القلب الإنساني..

كلمة ألوان:

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة لهذه السنة، اخترنا الاحتفال من خلال هذا العمل الإبداعي للكاتبة السعودية ابتسام عبد الله البقمي التي ترجمت ﻣﺠﻤﻮعتها القصصية إلى أكثر من عشرين لغة لما ضمته من إبداع متميز.
نضع بين يدي القراء والمتابعين هذه القراءة النقدية للدكتور سي محمد البلبال الذي أصدر كتابا نقديا حول المجموعة القصصية الأسابيع القليلة الماضية…

كل عام ونساء العالم حاضرات بثقلهن الإنساني و الإبداعي في كل شيء يلمسنه بأناملهن الذهبية…

********************

تقدم الكاتبة السعودية ابتسام عبد الله البقمي من خلال عملها عطر لازوردي تجربة أدبية تتجاوز حدود السرد التقليدي لتلامس جوهر الإنسان وأسئلته العميقة. فهذا الكتاب ليس مجرد نصوص أدبية، وقصص قصيرة جدا بل مشروعا إنسانيا كونيا، تشكل عبر رؤية واضحة تجعل من الكلمة جسرا، ومن النص مساحة لقاء، ومن الأدب أفقا للتقارب بين الشعوب والثقافات.

لقد تمت ترجمة عطر لازوردي إلى أكثر من عشرين لغة عالمية، في مبادرة ثقافية نادرة، تؤكد أن الإبداع حين يرتكز على القيم الإنسانية الكبرى يستطيع أن يعبر القارات، ويتجاوز الفوارق الحضارية، ويخاطب الإنسان في عمقه المشترك. انطلق هذا المشروع من إيمان راسخ بأن الكتابة ليستترفا فكريا، بل فعل وعي ومسؤولية، وبأن النص الأدبي قادر على أن يكونرسالة سلام ومحبة في عالم مثقل بالصراعات والانقسامات.

يحمل هذا العمل في بنيته الداخلية شحنة وجدانية عالية، ويشتغل على الذاكرة، والحب، والفقد، والأسئلة الوجودية، بلغة شفافة، وإيقاع داخليهادئ، وصور رمزية تفتح مساحات واسعة للتأويل، مما يمنح القارئ فرصة المشاركة في بناء المعنى لا الاكتفاء بتلقيه. وفي منتصف هذا المشروع الإنساني، تتجلى بصمة الكاتبة ابتسام عبد الله البقمي بوضوح، حيث استطاعت أن تجعل من تجربتها الشخصية ومن رؤيتها للعالم مادة حية لنص يتفاعل معه القارئ مهما اختلفت لغته أو ثقافته.

لم تكن ترجمة عطر لازوردي إلى هذا العدد الكبير من اللغات أمرا يسيرا، بواجه المشروع صعوبات متعددة، من تنسيق جهود المترجمين عبر بلدان مختلفة، إلى التحديات التقنية واللوجستية، وصولا إلى الإكراهات المادية والتنظيمية. غير أن قوة الفكرة، وصدق الرؤية، وإصرار القائمين على المشروع، جعلت من المستحيل ممكنا. لقد تحقق هذا الإنجاز بفضل إرادة جماعية آمنت بأن الثقافة قادرة على بناء الجسور، وبأن الأدب يمكن أن يكون شكلا من أشكال المقاومة الناعمة ضد الكراهية والعنف.

يقترح عطر لازوردي لغة بديلة عن لغة الصراع، لغة تقوم على الإصغاء،والتعاطف، والاعتراف بالآخر. فهو لا يقدم خطابا مباشرا أو شعارات جاهزة، بل ينسج عالما داخليا يجعل القارئ يعيد النظر في علاقته بذاته وبالآخرين. ومن خلال تعدد لغاته، تحول النص الواحد إلى مرايا متعددة، تعكس في كل سياق ثقافي معنى جديدا للحياة، دون أن تفقد روحها الأصلية.

يمثل هذا العمل نموذجا لما يمكن أن يحققه التعاون الثقافي العابر للحدود،حيث التقت أصوات مترجمين من مشارب مختلفة حول نص واحد يحمل رسالة واحدة مفادها أن البشر، مهما اختلفت لغاتهم وأديانهم وألوانهم،يتقاسمون الحاجة نفسها إلى الحب والسلام والكرامة. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لهذا المشروع، ليس فقط في عدد لغاته، بل في قدرته على خلق فضاء إنساني مشترك.

إن عطر لازوردي للكاتبة ابتسام عبد الله البقمي يشكل لحظة مضيئة في المشهد الثقافي العربي والدولي، ودليلا على أن الإبداع حين يقترن بالقيم الأخلاقية يصبح طاقة تغيير، ورسالة أمل، وشهادة على أن السلام قد يبدأ أحيانا من كتاب، وأن المحبة يمكن أن تجد طريقها عبر الكلمات.

عطر لازوردي هو دعوة مفتوحة إلى التأمل، وإلى المصالحة، وإلى إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في زمن تتسارع فيه الأحداث وتبهت فيه المعاني. وهو في جوهره شهادة على أن المشاريع العظيمة قد تولد من فكرة بسيطة، لكنها تحتاج إلى قلوب مؤمنة، وعقول مثابرة، وأرواح ترى في الأدب رسالة قبل أن تراه منتجا أدبيا.

ابتسام عبد الله البقمي: صوت أنثوي يعبر بين الوجدان واللغة

تعد ابتسام عبد الله البقمي من الأصوات الأدبية المعاصرة التي استطاعت أن تشق لنفسها مسارا خاصا داخل المشهد الإبداعي العربي، حيث  تزاوج في كتابتها بين الحس الإنساني العميق واللغة الشفافة، وتشتغل على التفاصيل الصغيرة بوصفها مفاتيح كبرى لفهم النفس والعالم.

تتميز تجربتها بوعي واضح بالبعد النفسي للكتابة، فالنص عندها ليس مجرد حكاية أو بناء لغوي، بل هو مساحة اعتراف، ومختبر شعوري، ومرآة تعكس صراعات الذات وأسئلتها الوجودية. القارئ لأعمالها يلمس حضورا قويا لموضوعات مثل الوحدة، الذاكرة، الحب، الفقد، الهوية، والبحث عن المعنى، وهي ثيمات تصاغ بلغة هادئة لكنها مشحونة بالإيحاء.

أسلوب ابتسام البقمي يتسم بالرهافة والاقتصاد في التعبير، حيث تعتمد على الجملة المكثفة، والصورة الرمزية، والانزياح الدلالي، فتترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل. نصوصها لا تعطي نفسها كاملة من القراءة الأولى،بل تحتاج إلى إعادة التصفح، لأن طبقاتها العاطفية والفكرية تتكشف تدريجيا، وكأنها تراهن على قارئ مشارك لا متلق سلبي.

ما يميز كتابتها كذلك هو قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى أفق إنساني عام. فهي تنطلق غالبا من الذات، لكنها لا تبقى أسيرة السيرة الفردية، بل تعبر إلى المشترك الإنساني، فتغدو مشاعرها قابلة للتداول،وتصبح حكاياتها مرايا لوجع الآخرين وأحلامهم. وهذا ما يمنح نصوصها بعدا تعاطفيا واضحا، يجعل القارئ يشعر بأن الكاتبة تهمس له مباشرة.

في أعمالها، تحضر المرأة لا بوصفها موضوعا زخرفيا أو خطابا احتجاجيا مباشرا، بل ككائن واع بذاته، متأمل لعلاقته بالعالم، ومشتغل على إعادة تعريف موقعه داخل شبكة العلاقات الاجتماعية والعاطفية. إن أنوثتها الكتابية ليست صاخبة، بل عميقة، هادئة، ومتأملة، تقوم على مساءلة الداخل قبل مواجهة الخارج.

كما يلاحظ في مشروعها الإبداعي اهتمام خاص باللغة بوصفها جسدا حيا،لا مجرد أداة نقل. فهي تعيد تشكيل المفردة، وتمنح العبارة إيقاعا داخليا،وتستثمر الصمت بين الجمل بقدر ما تستثمر الكلمات نفسها. وهذا ما يجعل نصوصها قريبة من الشعر حتى حين تكتب النثر.

ابتسام عبد الله البقمي تمثل نموذجا للكاتبة التي ترى في الأدب فعل مقاومة ناعمة، مقاومة للنسيان، للتهميش، للفراغ الوجداني، ولابتذال المعنى. كتابتها ليست استعراضا بل بناء داخلي متأن، يراكم التجربة، وينصت للوجع الإنساني، ويصوغ منه جمالا.

إن تجربة ابتسام البقمي تظل مفتوحة على التطور، وقابلة للقراءة من زوايا متعددة، أدبية، نفسية، وجودية. وهي بذلك تضيف إلى المشهد الثقافي العربي صوتا صادقا، يكتب من القلب، ويصل إلى القلب، دون ادعاء أو افتعال.

Si mohamed balbal boughnim 🌿

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *