يونس قيروش: يوم سعادتي بدأ يوم حملت “كمبري” والدي

يونس قيروش: يوم سعادتي بدأ يوم حملت “كمبري” والدي

!على اختلاف أوتارها… وقع الموسيقى دواء الروح

 الصويرة :سلمى سعد

ابن لمعلم

يونس قيروش:  من مواليد الصويرة عام 1975.موسيقي ، عازف ماهر على ألة الكنبري ، ونحات يطُوع له خشب العرعار الذي يستخرج منه تحفا من فن منذور للنجار الصويري،  فضلا عن هذا

و ذاك يعشق يونس صيد السمك .تعلم من تهامس أهل موغادور لغة، يحسن بوساطتها  تبليغ الجذل كما الشجون ، لغة تتوسل الكلام و حركات الجسد  لأنها تمتح من معين شفوي انصهرت فيه الأبعاد العربية الإسلامية و اليهودية  المغربية  و الأفريقية ،  لازالت بقاياها محفورة و قائمة في تجاويف مدينة  الصويرة ، هذه البلورة الدامعة  مثل قطر ندى  في قلب المحيط الأطلسي . لغة، من مضامينها حكم النادرة و أقوال مأثورة  و فنون كثيرة و طرق و زوايا ، موروث شفهي بديع ، منه ما اندثر و تلاشى مع الزمن خلف الذاكرة البعيدة للأهالي (حاحيين أو شياضمة  أو باعمرانيين..أو سواهم) و منها من لازال يردده لسان الحال إلى اليوم. مجمل كلامه مثير للفرح لأنه غالبا ما يصدر عن عفويته الثاوية ، هي الدليل الشاهد على بساطة موروثة جُبِل عليها ولد تعلم عن والد معلم ، مشتركهما الجيني ، رفيف الولع بهذه المدينة المحارة

          قال الوالد: “باكا” لولده وقد أجاد اختيار الوصية “ إلى  حفات بيك الوقت، دير قصبة ورجع حوات ، راك تعش “

 أما صلته بآلة الكنبري التي حضنها المعلم عبد الرحمان قيروش( المعروف بباكو أو باكا: معلمه الأول و الأخير) بين ساعديه في سن مبكرة كما تحضن العصفورة فراخها تحت جناحيها ، إلى أن تخطى بمعيتها عتبات زاوية سيدنا بلال  المحفوفة بالهدوء و السكينة في أحد المنعرجات  الضيقة  بدرب لعلوج ، ليشهرها إشهار تحفة طال عليها الزمن محصورة في قمقم يحرسه عفريت مارد تحث الاضواء الساطعة ، فوق مختلف خشبات مسارح  المغرب  قبل أن تنتقل برفقته نحو عالمية تشهد عليها كبريات المسارح و المهرجانات العالمية  مع  المجموعة الاسطورية، ناس الغيوان

 يونس قيروش: متى بدأت علاقتك بآلة والدك ؟

بدأت علاقتي بآلة ” الكنبري” و يسمى “الهجهوج “أو “ السنتير ” منذ نعومة أظافري . حاليا، أصبح بالنسبة لي موئلا يشدني إليه عشق لا يقدر، ورغبة مصدرها حبي و احترامي و تقديري لوالدي رحمه الله المعروف بين الصويريين من بين لعراسي إلى درب أهل أكادير وغيره “بالمعلم عبد الرحمان باكا ” . فقد  نشأت علاقتي بالكنبري بحكم حضوره القوي في حياة  العائلة ، حيث دائما ما نرى هذه الآلة العجيبة مركونة  عموديا في زاوية معينة من زوايا  صالون بيت الأسرة،  أو ممددة  مثل طفل مستسلم للراحة في مهده ،  و كانت العادة أن يجلس المعلم باكا حيث كانت آلته مركونة أفقيا ، يمسكها بطريقته المعروفة جداـة يشرع في الاشتغال . أجل كان يقوم بذلك كما لو أنه حرفي في ورشته، منهمك في صنع تحفة من خشب العرعار. لهذا، لم يعرف لهذه الآلة في بيتنا صمت أو سكون إلا في ما نذر.  ببساطة تعودت و تعودنا معها على الشرب من هذا النغم المشحون بأنات و آهات عبيد تم اقتناؤهم من تجار النخاسة في داكار أوتامبوكتو دون معرفة أين سوف ينتهي المطاف بهم 

هل كان لزاوية سيدنا بلال دور في  إقبالك على موسيقى كناوة ؟ أم أن نهلتك الأولى من سقي الوالد؟

  كان يستهويني عزف والدي ، خاصة عندما يسمعني بعض ألحانه الغيوانية أو ما يشتغل عليه مع المجموعة من الميزان الحمدوشي أو الكناوي في أحيان أخرى ، يمتعني بما كان يعشقه لفنانين آخرين كان يحبهم من مقاطع تستجيب من حيث المقام و القرار لأصواتهم الشجية و الفريدة مثل الحاج الحسين التولالي، عبد الصادق شقارة، أو مجموعة أودادن…مرات كثيرة أسمعني بصوته العميق إنشاد الفنان الهندي رافي شنكار. هو من جعلني مسكونا بما كان يحييه من ” ليالي كناوية “ والتي أحببناها أنا و إخوتي من شدة ما كان يرفض منا حضورها ، بدعوى حداثة سننا وبأننا لن نستطيع وقتها استيعاب طقوسها ذات البعد الروحي بل الغرائبي أحيانا . لقد كان بالنسبة لي كما بالنسبة لأخي، المعلم الأول والأستاذ الذي يروقه تطويع موهبة تلميذه و الاستمتاع بتلمس كيف تثمر جهوده و تطور هذه الموهبة يوما عن يوم

هل هذا لأنه أخبر روح الطقوس الكناوية التي لازمته خلال تجربته مع ناس الغيوان ؟

 ما يجهله غير أهل الصويرة عن والدي “لمعلم قيروش “ هو ميولاته الصوفية . إذ كان من مريدي الزاوية الحمدوشية و الزاوية العيساوية بشكل مستمر، و بمواظبة المريد المتعلق بشيخه  في تربيته لأبنائه ، لم يشهد له أبدا أنه كان في أي يوم متشددا أو قاسيا معهم . كان يعلمنا و يترك لنا كامل الحرية في الاختيار، و في تقرير مستقبل اختياراتنا،  أما في مجال الفن عموما بدء  من النقش على خشب العرعار، إلى الموسيقى بمختلف أشكالها و أنواعها فقد حرص على حماية هذه الحرية

احترم أذواقنا وميولاتنا الفنية ، لكنه كان يتابعها بالعناية و الرعاية و بالمتابعة و الدعم ، كان همه منصبا على أن نتعلم العزف على ألة الكنبري وفقا لأصولها، و بإدراك واعي للقواعد الأساسية التي تجعل من العزف طقسا كناويا و ليس أداء محض ميكانيكي ، و قياسا على ذلك ، كنا نشعر بدقة حرصه  على كيفية الأداء و الغناء سواء فيما يخص العزف أو الأداء الغنائي ، إضافة إلى  هذه العوامل المساهمة في تأطير موهبتنا الموسيقية . كان يتيح لنا الفرصة و يسمح لنا بتقاسم لحظاته الإبداعية في خلوته الفنية مع بعض أصدقائه ، مثل الفنان الراحل العربي باطما وغيره من رواد ألأغنية المغرية والعالمية. فكثيرا ما شعنا عن قرب لحظات تدريب و اشتغال على جديد الغيوان في بيته في قلب الغابة بأقرمود  . من هنا جاء تأثري بالموسيقى الغربية بإيقاعات عربية كموسيقى الروك في بحر الإيقاعات العيساوية حتى أن فكرة تكوين فرقة موسيقية خاصة بي أنا و أخوتي شرعت في التبلور و عمري وقتها لم يتجاوز السبعة عشرة سنة و هذا ما تحقق لي فعلا تحث إشرافه و برئاسته ضمن فرقة أولاد باكا

حدثنا عن تجربتك مع  الفرقة الموسيقية ؟

كنت مغنيا بهذه الفرقة،  ورغم ذلك ظل يلازمني شعور غريب و أنا أشتغل مع بقية الأعضاء، كنت أشعر بأني محتاج لشيء ما دون أن أستطيع تحديد ما هو ، كان شعورا قويا يتملكني لحد جعلني أرى  دوري أبعد مما كنت أقوم به ضمن  بقية العناصر. لم يشف الغناء و لا الإيقاع غليلي

لك أن تقول عني أني استنفدت ما كان ملك يدي حتى تعداه طموحي ، لم أبح لغير عمق البحر و سكون الليل بحقيقة  سر كنت أعيش تفاصيله في عزلتي حتى صرت موقنا أن يوم سعادتي سيبدأ يوم أحمل (آلة) والدي. كانت الرغبة مثل شعلة تلتهب بداخلي و لا مناص لي للتخلص من نارها الحارقة سوى بالعزف في حضرته،  و أمام العارفين بأسرار الكنبري من المولعين مثلي   بفن تاكناويت، لهذا اقترحت على المجوعة أن نبحت في التراث الكناوي من خلال المرساويين، في ألغاز لونهم الأزرق،  وما يحمله هذا اللون القوي الساطع من انسياب لحفيف الريح المصحوب بنبضات و إيقاع أصوات الموج ، تارة هادئ وتارة غاضب ، مع كلام يغوص بالفنان قبل السامع في أعماق البحر،  ويجعله جزأ لا يتجزأ منه.  قد يكون دافعي في اختيار هذا اللون، حبي وارتباطي بمعشوقتي: مدينة الصويرة 

   كم كنت سعيدا بتسجيل أول جزء من هذا البحث قبل إطلاع والدي عليه.و بعد استماعه، أمدنا ببعض التوجيهات الفنية .لازلت أذكر تأكيده على ضرورة احترام النص الكناوي ، خاصة فيما يخص” الملوك ” لأن مجرد تغير جملة واحدة ، يفقد النص ككل ملامحه الروحية . فليس مسموحا بذلك إلا في حالة الاشتغال على توظيف إيقاع أو مقام أو حتى مقاطع كناوية لخدمة لون موسيقي مغاير. التوظيف الفني الناجح ،لا يمنع الاجتهاد في النص الكناوي الأصلي كما في الإيقاع و اللحن

      بفضل “فلسفة” والدي الموسيقية تعلمت أن الروح هي الأساس و هي أصل كل ما هو جميل في الإنسان. يكفي أن تغمض عينيك وتترك العنان لأحلامك وتدع لقلبك حرية ركوب ما يستهويه من نبض لتشعر بنفسك مبحرا فوق موج المقام ورجع النغم العابر نحو اللانهائي

هل نسيت شيئا لم أسألك عنه ؟

شكرا لقد أبريت تعبي بما جعلتني أحدثك و أتحدث به أمام العموم و منهم عشاق ظاهرة الغيوان و موسيقى كناوة التي أصبحت اليوم موسيقى عالمية بفضل مهرجان الصويرة العالمي

فالشكرلكم على المقابلة

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com