مدينتي ترفض ثوب الحداد

مدينتي ترفض ثوب الحداد
محمد التهامي بنيس

فاس العلمية مهمشة اليوم

فاس التي عشقناها ، أحببنا تفاصيلها ، هواءها ، ماءها ، تضاريسها ، أحياءها وكل الأجزاء فيها ، أزقتها ، أسواقها ، ساحاتها ، منابرها ، قصورها  رياضاتها ، طباع أهلها . دخلنا فيها ودخلت في دمنا فصارت فصيلتنا واحدة ، نردد فيها نشيد الترحاب والإخاء الأبدي

                 فاس واسعة القلب ، قديمة الحضور، عاصمة روحية ثقافية علمية حضارية كانت ، هي الآن مهمشة ، منهوشة ، تئن من رحلة النسيان  والأسى والجفاء ، رافضة للموت البطيء ، مستنكرة أن تدفن أبناءها أو يدفنها أبناؤها بالنسيان والتهميش وعدم الرعاية والحفظ وما يستلزم من تطور يوافق هويتها ووهجها ، حتى لا تصبح أثرا بعد حين . ولدنا وعشنا وترعرعنا ونعيش تحت سمائها ، في صفاء وإخاء وتحضر يسوق نموذجا لكل البلاد ، وها نحن نرى بعيونها ، أنها اليوم ، مرثية عمر جميل ، ونحس أنه كلما زاد إهمالها زدنا فيها حبا وتعلقا ، لأنها مدينة بدولة ولا تستحف هذا الجفاء ، ولأنها كلها مع بعضها دروب حب وكرم ، ولأنها حتى في جدلية الحضور والغياب ، تغفر وتصفح بحب . لا نستطيع أن نرثيها ، وقد لبسوها ثوب الحداد ، وهي تتأبى الرثاء كما قال الأخ العزيز عبد الحي الرايس. ( أنها تتأبى على الرثاء ) – أي تأبى الرثاء وتتأبى الذل والظلم –  ولكن ما نعيشه وما نراه من حال الإهمال والتهميش والجفاء الذي نال منها ، أشعرنا وكأنها غدت ترثي نفسها وترتدي ثوب الحداد مكرهة ، منبهة ، منذرة عددت شكواها ، رفعت أناتها ، ملت جفاء من تولى أمرها ، يئست من جحود معظم سكانها ، معظم المهاجرين  من أبنائها ، ضاقت درعا من الحسرة لحالها ، صرخت وبكت ، فجفت عبراتها ، سكتت فزادت وحشتها ، تكبدت وصبرت فكساها القنوط ، هي الآن لا تجدد شكوى ولا ترفع دعوى ، لكنها في شموخها متأبية ، وبقلبها الواسع  رحبت بالالتفاتة الأخيرة التي جعلتها من بين المدن الكبيرة المقترحة لاحتضان بعض مباريات كأس العالم 2030 وقبلها بعض مباريات كأس إفريقيا 2025 ، رحبت بوعود أن تشملها 10 برامج مشاريع ضخمة من شأنها أن تمسح غبنها وتعيد لمكانتها الاعتبار وتنهض بشأنها وهمم أهلها

وقفت قبلا تنعي وجودها
وارتدت ثوب الحداد
كساد ، بوار ، ضياع إهمال ، عبوس ، شرود ، أحزان
الطيور فيها جاثمة
الأغصان فيها
كسيرة جريحة
شوارعها نتن
أزقتها عفن
دورها خرب
جداولها أسن
بيوت علمها خرائب
جوامعها ، مساجدها
كم فيها غرائب
كأن اللصوص
فرضوا للصلاة فيها ضرائب
أوكار ماخورها زرائب
فضاءات ترويحها مصائب
تقلب أمواجها غضب وعطب
إنها كانت عجائب
*
كنا في مدينتي إخوة أحبة
لها توددنا وسواعدنا عضد
غاب الوفاء ومات الإخاء
وحيدة تعزف لحن الوفاء
فيها انتحر نضال الشرفاء
هنا موت مناضل ، هناك إحجام عالم
هنا انزواء مثقف ، هناك هجر خبير
هنا ضياع صانع ، هناك كساد تاجر
للمجهول صار منها الهروب
وصف الانتظار أطول مهيب
حال أهلها
تجهم وشدوه
حسرة وتضور
*
لصقت بها سوء الأخبار
دافعت عنها نفضت الغبار
مدينتي تنعي نفسها ؟ إنذار
وحيدة تثقلها الهموم ؟ إنذار
تناسيها ، تحجيم مجدها ؟ إنذار
أن تغيبها المآسي دوما ؟ إنذار
تموت كل يوم ألف ميتة ؟ إنذار
*
…طلبت الإله أن يمنحنا القوة 
كي نزيح عنها بعض الأثقال
كي نؤنس شكوى وحدتها
تقوى فيها سواعد أشرافها *) 1 )
تعيد لها مجدها . بسمتها . إشعاعها
يا إلهي لين قلوبا ترد اعتبارا لها
وها قد لاح في الأفق كأس العالم
فرحبت بالعناية ، وإنها أهل لها
فاس لن يخبو لها نور
شعاع آمل البلاد ، في نورها
هذا أوان رفع الحداد عنها ؟
ستكون في الموعد
ستتثبت جدارتها

 ليس المقصود هنا أشراف النسب فقط بل كل من يتمتع بأخالق ووفاء وإخلاص *

محمد التهامي بنيس

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com