وهم الحرية..

وهم الحرية..
موضوع

 بين ثقل الوعي ومأزق المعرفة في عالم يتقن التمثيل

   د. محمد جستي

في زمن تتسارع فيه التحولات المعرفية والتكنولوجية، يبرز سؤال الحرية بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحا وتعقيدا. لم تعد الحرية مفهوما بسيطًا يُختزل في غياب القيود، بل غدت إشكالية مركبة تتقاطع فيها أبعاد الوعي والمعرفة والسلطة والتمثيل. في عالم يتقن فيه الأفراد والمؤسسات لعب الأدوار، يصبح التمييز بين الحرية الحقيقية ووهمها مهمة عسيرة، إن لم تكن مستحيلة.

يُفترض في الوعي أن يكون أداة للتحرر، إذ يمكن الإنسان من إدراك شروط وجوده وتفكيك البنى التي تقيده. غير أن هذا الوعي ذاته قد يتحول إلى عبء ثقيل، حين يكشف للفرد حجم القيود البنيوية التي تحيط به دون أن يمنحه آليات فعالة لتجاوزها. فالإنسان الواعي لا يعيش فقط في عالم الواقع، بل في إدراك مستمر لتناقضاته، مما يولد شعورا بالعجز أو القلق الوجودي.
بهذا المعنى، يصبح الوعي سيفا ذا حدين: يحرر من الوهم، لكنه يثقل كاهل صاحبه بإدراك حدود الحرية الممكنة.

في زمن الوفرة، لم يعد نقص المعرفة هو المشكل الأساس، بل فائضها. في عصر الرقمنة، تتدفق المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، مما يخلق وهما بالتمكن والسيطرة. غير أن هذه الوفرة تخفي مأزقا عميقا:
المعرفة المتاحة ليست دائمًا معرفة نقدية، بل غالبا ما تكون مجزأة، سطحية، أو موجهة.
يتحول الفرد إلى مستهلك للمعرفة بدل أن يكون منتجا لها، وتصبح قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف محدودة.
هنا يتقاطع مأزق المعرفة مع وهم الحرية:
فالفرد يظن أنه حر لأنه يمتلك المعلومات، بينما هو في الواقع محكوم بخوارزميات وانتقاءات غير مرئية تحدد له ما يعرفه وكيف يعرفه.

حيث تتجلى إحدى أخطر ملامح العصر في هيمنة ثقافة التمثيل. إذ لم يعد الأفراد يعيشون ذواتهم بقدر ما يعرضونها. وسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، لا تنقل الواقع بقدر ما تعيد تشكيله وفق معايير القبول والانتشار.
في هذا السياق، تصبح الحرية أداء مسرحيا: يظهر الفرد نفسه بوصفه حرا، مستقلا، ومتحكما، بينما يخضع في العمق لمنظومات رمزية واقتصادية تحدد له ما يجب أن يكون عليه. التمثيل هنا لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل المؤسسات السياسية والإعلامية التي تنتج خطابات الحرية وتعيد تدويرها بما يخدم مصالحها.

إن وهم الحرية لا يعني غيابها الكامل، بل تشوه إدراكها. فالفرد قد يمتلك هامشا من الاختيار، لكنه لا يدرك حدود هذا الهامش ولا القوى التي تشكله. وهنا تتجلى المفارقة: كلما ازداد شعور الإنسان بحريته، زادت احتمالية خضوعه لبنى غير مرئية.
تتغذى هذه الجدلية على ثلاث آليات رئيسة:
التطبيع: حيث تُقدَّم القيود بوصفها طبيعية أو ضرورية.
الإيهام: عبر خلق بدائل وهمية تعطي انطباعا بالاختيار.
التشتيت: من خلال إغراق الفرد في تفاصيل هامشية تصرفه عن الأسئلة الجوهرية.

في ظل هذه التعقيدات، يصبح من الضروري إعادة تعريف الحرية بعيدًا عن التصورات السطحية. الحرية ليست مجرد قدرة على الاختيار، بل وعي بشروط هذا الاختيار، وقدرة على مساءلتها.
يتطلب ذلك:
تنمية حس نقدي قادر على تفكيك الخطابات السائدة.
تجاوز الاستهلاك المعرفي نحو إنتاج معرفة ذاتية.
استعادة العلاقة بين الفرد وواقعه بعيدا عن وسائط التمثيل المهيمنة.

إن الحرية في عالم اليوم ليست معطى جاهزا، بل مشروعا مستمرا يتطلب جهدا فكريا وأخلاقيا. بين ثقل الوعي ومأزق المعرفة، يقف الإنسان أمام تحدي إدراك حدود حريته دون الاستسلام لوهمها. وفي عالم يتقن التمثيل، قد تكون الخطوة الأولى نحو التحرر هي القدرة على التمييز بين ما نعيشه حقا وما نؤديه داخل المجتمع.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *