في اليوم العالمي لأب الفنون
المسرح أقدم أشكال التفكير
في اليوم العالمي للمسرح تتجاذبنا الكثير من الأسئلة، نلخصها في:
هل المسرح مجرد فرجة عابرة، أم أنه لحظة نادرة نواجه فيها أنفسنا بصدق مؤلم ؟
وفي هذا النص التأملي – بمناسبة اليوم العالمي للمسرح – سنسافر معا، لنكتشف كيف ظل هذا الفن فضاء حيا للمعنى، وللانسان.
في السابع والعشرين من مارس من كل عام، لا يحتفي العالم بالمسرح بوصفه فنا من فنون الفرجة فحسب، بل بوصفه أحد أقدم أشكال التفكير لدى الإنسان، وفي احدى أعمق تجاربه
وفي تأمل مصيره، واعادة صياغة علاقته بالعالم. فالمسرح منذ نشأته الأولى، لم يكن مجرد منصة للتمثيل بل كان فضاء للانكشاف، حيث تتعرى الأسئلة الكبرى خلف أقنعة الشخصيات ، وتنبض الحياة في أكثر تجلياتها صدقا وهشاشة.
فالمسرح كما يقول أرسطو في”فن الشعر” ليس مجرد محاكاة ، بل هو تطهير للانفعالات ، حيث يتعلم الانسان أن يرى خوفه وشفقته خارج ذاته ، ليعود اليهما بوعي أعمق . فالمسرح
في جوهره ،لم يكن يوما مجرد تمثيل لأنه – في حقيقته – فعل كشف واكتشاف . وأن الركح عبر العصور لم يكن سوى مراة تعكس ما نحاول إخفاءه ، وهنا نستحضر ما قاله شكسبير ذات زمن 【 الدنيا مسرح كبير وكل الرجال والنساء ماهم الا ممثلون 】 في اشارة منه الى تلك اللعبة المعقدة بين الأدوار والحقائق ، بين مانعيشه زما نؤديه . لكن اذا كان المسرح الكلاسيكي قد انشغل بمصير الانسان ، فان المسرح الحديث ذهب أبعد ، ليشك في هذا المصير ذاته . ومن هنا جاء صوت بريخت الذي لم يرد للمسرح أن يُغْرِق المتفرج في التعاطف ، بل أن يوقظه عندما قال 【 المسرح ليس مراة تعكس الواقع بل مطرقة لتشكيله 】 . وهي دعوة صريحة لتحويل الفن من تأمل سلبي الى فعل نقدي ، ومن تماه عاطفي الى وعي يقظ . وفي نفس الاتجاه يرى أنطوان أرتو ، أن أقصى حدود الرؤية ، هي حين يرى أن المسرح ينبغي أن يكون “طاعونا ” يهز الكيان الانساني ، وليس مجرد تسلية مهذبة . فالمسرح عنده صدمة ضرورية ، تعيد الانسان الى جوهره العاري بعيدا عن الأقنعة الاجتماعية .
أما غروتوفسكي فيدعو في حديثه عن المسرح الفقير الى اعادة الاعتبار الى أبسط عناصر الفرجة الممثل والجمهور ، في علاقة حية ومباشرة ، فيقول 【 جوهر المسرح هو اللقاء 】 . وكأن كل ماعداه من ديكور،اضاءة اكسسوارات ليس سوى تفاصيل زائدة أمام لحظة انسانية خالصة .
وفي هذا الأفق يكتسب المسرح المغربي خصوصيته ، لا باعتباره امتدادا لنماذج جاهزة ، أو مجرد صدى لتلك التحولات ، بل تجربة أصيلة سعت الى بلورة صوتها ، لغتها الخاصة
من خلال أعمالة الطيب الصديقي الذي أعاد قراءة التراث لا باعتباره امتدادا لنماذج جاهزة ، بل كتجربة تبحث عن لغتها الخاصة . فقد أدرك الصديقي في اشتغاله عن التراث أن المسرح ليس استعادة للماضي ، بل اعادة خلق له بروح معاصرة . بينما انحاز عبد القادر البدوي الى نبض الشارع ، محوِّلا اليومي الى مادة درامية حية ، وصولا الى الطيب لعلج الذي جعل من الكلمة المسرحية نصوصا نابضة بحكم شعبية عميقة ، حيث الكلمة ليست مجرد حوار ، بل ذاكرة جماعية . فظل المسرح المغربي فضاء لطرح أسئلة المجتمع وتحولاته . وفي هذا الأفق ، يبرز مشروع عبد الكريم برشيد ، بوصفه أحد أبرز الاجتهادات النظرية في المسرح المغربي والعربي – على حد سواء – من خلال تنظيره للاحتفالية . ففي كتاباته يدعو الى مسرح يستمد روحه من الجماعة ، ومن طقوسها الثقافية ، ومن ذاكرتها الحية ، قائلا : 【 المسرح الاحتفالي هو مسرح الجماعة ، مسرح الفرح المشترك ، مسرح يستمد وجوده من الناس ويعود اليهم 】 . ولم يكن عبد الكريم برشيد يرى في المسرح مجرد عرض يشاهد ، بل تجربة تعاش لذلك شدد على أن 【 المسرح لا يكون الا اذا كان احتفالا واذا لم يكن احتفالا ، فانه يفقد أحد أهم مبررات وجوده 】 وفي هذا المعنى ،يتحول المسرح من فضاء للتمثيل الى فضاء للمشاركة ، حيث يذوب الحد الفاصل بين الممثل والمتفرج ، ليصير الجميع جزءامن الفعل المسرحي كما شدد على ضرورة امتلاك المسرح لهويته الثقافية ، رافضا منطق الاستنساخ ، ويرى أن 【 لا مسرح حقيقي بدون هوية ، ولا ابداع بدون انتماء الى الذاكرة الثقافية 】 وهي دعوة الى مسرح لا يكتفي باستعارة الأشكال ، بل لاعادة انتاجها انطلاقا من خصوصيته الحضارية .
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في زمن السرعة الرقمية ، نلخصه في : هل لايزال المسرح قادرا على أداء هذه الوظيفة العمبقة ؟
في عالم تختزل فيه التجارب الى شاشات ، ويستهلك فيه المعنى بسرعة ، فيبدو المسرح وكأنه ينتمي الى زمن اخر . لنخلص أخيرا الى أن سرَّ بقاء المسرح يكمن في جوهره، فعل حضوره
لحظة يلتقي فيها انسان بانسان ، دون وسائط ودون أقنعة رقمية . انه مقاومة للغياب ، للتفكك للفقدان التدريجي ، للمعنى . فالمسرح لا يموت ، لأنه لا يعيش خارجنا . انه يسكن في كل حكاية لم تُرْوَ بعد ،
في كل صمت ينتظر أن يقال ، وفي كل انسان يبحث – وسط هذا الضجيج – عن معنى … ولو على خشبة صغيرة مضاءة بحلم يكبر مع الأيام .
