أثر صناعة الأحداث السياسية..

أثر صناعة الأحداث السياسية..

 كآلية للتمويه على سلوك الفرد والجماعة داخل المجتمع

قراءة في البعد السوسيولوجي والنفسي.

       د. محمد جستي

تلجأ بعض الأنظمة السياسية إلى صناعة أحداث أو تضخيم وقائع معينة بهدف توجيه انتباه الرأي العام وصرفه عن قضايا أكثر حساسية أو تأثيرًا. ويُعرف هذا الأسلوب في الأدبيات السياسية والإعلامية بآليات إدارة الرأي العام أو تشتيت الانتباه السياسي. ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على المجال السياسي فقط، بل تمتد لتؤثر بشكل عميق في سلوك الأفراد والجماعات داخل المجتمع، سواء على مستوى الإدراك، أو التفاعل الاجتماعي، أو أنماط المشاركة المدنية.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الكيفية التي تؤثر بها هذه الاستراتيجيات في تشكيل سلوك الفرد والجماعة، من خلال مقاربة سوسيولوجية ونفسية تبرز العلاقة بين السلطة، والإعلام، وبنية الوعي الاجتماعي.

حيث تشير صناعة الأحداث أو تضخيمها كآلية للتمويه إلى عملية توظيف وقائع سياسية أو اجتماعية أو إعلامية بهدف توجيه اهتمام المجتمع نحو قضايا محددة وإبعاد الانتباه عن قضايا أخرى قد تكون أكثر حساسية أو إشكالية بالنسبة للسلطة السياسية.
وتندرج هذه الممارسات ضمن ما يُعرف في العلوم السياسية بنظريات إدارة الأجندة الإعلامية (Agenda Setting)، حيث تسعى السلطة أو النخب المؤثرة إلى تحديد القضايا التي يجب أن يفكر فيها المجتمع، وليس بالضرورة كيف يفكر فيها.
كما ترتبط هذه الظاهرة بما يسمى بالتلاعب الرمزي بالواقع الاجتماعي، حيث يتم تقديم الأحداث ضمن إطار سردي معين يساهم في إعادة تشكيل إدراك الأفراد للواقع.

هكذا تصبح التأثيرات على سلوك الفرد جزء من التشويش المعرفي. عندما تتعدد الأحداث المثارة إعلاميًا بشكل مكثف، يجد الفرد نفسه أمام فائض من المعلومات المتناقضة أو المتغيرة، ما يؤدي إلى حالة من التشويش المعرفي.
هذه الحالة قد تدفع الفرد إلى العزوف عن متابعة الشأن العام أو تبني مواقف سطحية مبنية على الانطباع أكثر من التحليل.
كما أن اللامبالاة السياسية ومع مرور الوقت، يؤدي الإحساس المتكرر بوجود تلاعب أو تضليل إلى ما يسمى بالاغتراب السياسي، حيث يفقد الفرد الثقة في الخطاب السياسي والمؤسسات العامة.
ويترجم هذا الشعور غالبًا في صورة انخفاض المشاركة السياسية، مثل العزوف عن التصويت أو عدم الاهتمام بالقضايا العامة.
لكن في بعض الحالات النفسية، قد تؤدي الأحداث المصنوعة أو المؤطرة إعلاميًا إلى خلق حالة من الاستقطاب الاجتماعي، حيث ينقسم الأفراد إلى معسكرات متعارضة بناءً على الروايات المتداولة حول الحدث.

التأثيرات على سلوك الجماعة في إعادة تشكيل الرأي العام تلعب دورًا أساسيًا في إعادة إنتاج الخطاب المتداول حول الأحداث. فعندما تنتشر رواية معينة داخل المجتمع، تتحول مع الوقت إلى حقيقة اجتماعية متداولة حتى وإن كانت مبنية على سرد انتقائي للوقائع. كما تفكك التضامن الاجتماعي،حيث يؤدي التركيز الإعلامي على أحداث معينة إلى خلق صراعات داخل المجتمع، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو هوياتية مما يؤدي  إلى إضعاف الروابط الاجتماعية وتحويل اهتمام الجماعة من القضايا البنيوية الكبرى إلى صراعات جانبية، ويساهم في تشكيل سلوك الحشود، إذ تؤثر الأحداث المصنوعة أو المؤطرة إعلاميًا في سلوك الجماعات الكبيرة، خصوصًا عندما يتم استغلال العواطف الجماعية مثل الخوف أو الغضب أو الشعور بالتهديد.
في هذه الحالة، قد تتشكل ردود فعل جماعية سريعة وغير عقلانية نتيجة التأثير المتبادل بين أفراد الحشد.

لذا يعد الإعلام أحد أهم الفاعلين في عملية تعزيز و صناعة الأحداث أو مقاومتها و كشفها. فالإعلام المرتبط بالسلطة قد يساهم في تضخيم بعض القضايا وتجاهل أخرى، بينما يمكن للإعلام المستقل أن يلعب دورًا في تفكيك الخطاب الرسمي وتقديم قراءات نقدية للأحداث.
كما أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى تعقيد هذه الظاهرة؛ إذ أصبح الأفراد أنفسهم منتجين وموزعين للمعلومات، مما قد يعزز أحيانًا انتشار السرديات المضللة أو يساعد في كشفها.

هكذا يتضح أن صناعة الأحداث كآلية للتمويه ليست مجرد ممارسة سياسية ظرفية، بل هي ظاهرة ذات تأثيرات عميقة على البنية النفسية والسلوكية للمجتمع. فهي تؤثر في إدراك الأفراد للواقع، وتعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، وتحدد طبيعة التفاعل بين المواطن والسلطة.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي النقدي لدى الأفراد، ودعم استقلالية الإعلام، وتشجيع البحث العلمي في مجالات علم الاجتماع السياسي والإعلامي لفهم هذه الظاهرة وتحليل آثارها على المدى الطويل.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *