رمضانيات : جفاف الخيال وذبول الشاشة
أزمة الإبداع في التلفزة والسينما
ثراء الواقع وفقر الصورة
ليست أزمة التلفزة والسينما في فقر الواقع، بل في عجز الصورة عن النفاذ إلى عمقه وتحويله إلى فن حي. فنحن نعيش في مجتمع زاخر بالحكايات، ممتلئ بالتجارب الإنسانية، ومشبع بتراث حضاري وفكري وشعبي بالغ الثراء؛ من الأسواق والقرى والحواضر، إلى الأمثال والأغاني والسير الشفوية، إلى ذاكرة الناس البسطاء الذين تختزن حياتهم مادة درامية لا تنضب. ومع ذلك، حين ننظر إلى ما يقدم على الشاشة الصغيرة أو في قاعات السينما، نجد أعمالا تائهة بين الإستنساخ والإستسهال، تخلو من العمق وتعاني من فقر خيالي لا يليق بهذا الغنى الثقافي والإنساني.
رتابة النص وضمور الخيال
أزمة الفن تبدأ من الورق. فالنص هو القلب النابض لأي عمل، لكنه يكتب اليوم بعقل تجاري أكثر مما يكتب بشغف فني. الحوارات جافة، والشخصيات مفرغة من دواخلها، والقصص تتحرك بلا بوصلة ولا صراع حقيقي. والكاتب المعاصر، في كثير من الأحيان، نسي الإصغاء إلى الإنسان البسيط، وإلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع الدراما الكبرى. لذلك تحول النص إلى هيكل بلا لحم، وإلى خطاب سطحي لا يوقظ المشاهد ولا يترك أثرا في وجدانه.
هيمنة الإنتاج وغياب الرؤية
وراء هذا العقم الكتابي منظومة إنتاج مضطربة، لا تؤمن إلا بالأرباح المؤقتة. تهيمن الحسابات التجارية على القرارات الفنية، وتختزل العملية في مدة التصوير وتكلفة المشهد وعدد الإعلانات، لا في صدق الفكرة وجودة الأداء. المخرج مقيد، والمنتج متحكم، والممثل لا يمنح الوقت الكافي ليعيش الشخصية ويمنحها عمقها الإنساني. ومع كل هذا، يراد للجمهور أن يصدق أن ما يراه تمثيلا لحياته، وهو في الحقيقة انعكاس لخيال غريب عنه، لا يصغي إلى نبضه ولا يعبر عن هواجسه.
ضباب الهوية وتشوش المرآة
الفن مرآة الأمة، وبدون هوية يصبح انعكاسها مشوشا. لا نكاد نجد في كثير من الأعمال المعروضة حكايات تشبه الناس، ولا لهجات تعبر عن وجدانهم الشعبي، ولا فضاءات تستحضر روح المكان كما هو في الذاكرة والحياة. حتى الديكور والملابس يبدوان أحيانا مصنوعين لإرضاء نظرة خارجية لا لصدق محلي. لقد صار الفن، في بعض تجلياته، وسيلة للتغريب؛ يزرع الشك في القيم، ويحطم صورة الأسرة، ويقدم المجتمع في هيئة متآمرة ومهزومة. وهكذا يفقد رسالته الأساسية: أن يعيد للإنسان كرامته، لا أن يسخر من واقعه أو يمعن في تشويهه.
وفرة التراث وندرة الاستثمار
العجيب أن هذا الجفاف لا مرد له إلى فقر في الواقع، بل إلى العجز عن رؤيته. فكل حي في الوطن كتاب مفتوح للحكايات، وكل قرية مسرح للأساطير الشعبية، وكل جدة تحمل في ذاكرتها فيلما جاهزا بلغة بليغة ومشاعر صادقة. لكن بدلا من استثمار هذا التراث الحي، لجأ صناع الصورة إلى قصص دخيلة وأفكار مستهلكة، فابتعدوا عن جوهر المجتمع وتاريخه، واختاروا الطريق الأسهل: تكرار ما لا يدهش أحدا. والنتيجة أن الشاشة فقدت صلتها بالمخزون الشعبي الذي كان يمكن أن يهبها الفرادة والعمق والتميز.
حرية الإبداع وضرورة الاستقلال
لا نهضة فنية من دون وعي ثقافي ومعرفي يحرر الكاتب والمخرج من قيود السوق ومن ضغط الوصفات الجاهزة. فالفن رسالة لا وظيفة، وواجبه أن يفتح العيون لا أن يغلفها بالسطحية. والمطلوب اليوم هو عودة الثقة إلى الكلمة الحرة، وإعطاء المساحة لأصوات جديدة تعبر عن الواقع بلغته ووحيه، لا بترجمة تقليد خارجي غريب عن الروح المحلية. كما أن استقلال الفنان، فكرا وذائقة وموقفا، شرط أساسي لاستعادة المعنى، لأن الإبداع لا يولد في مناخ الخوف ولا ينمو تحت سلطة الاستسهال.
سبل النهوض وتجديد المعنى
إن إحياء الإبداع الفني لا يكون بالشعارات، بل بخيارات واضحة تعيد الإعتبار إلى جوهر العملية الفنية. ومن أبرز هذه الخيارات: تأسيس مختبرات للكتابة الدرامية والسينمائية تعنى بتطوير النصوص وصقل مواهب الكتاب الشباب، وتشجيع الإنتاج الذي ينطلق من فكرة محلية برؤية إنسانية واسعة، ومراجعة سياسات الدعم حتى يرتبط التمويل بجودة النص وجديته لا بشبكات المصالح، وفتح القنوات أمام المواهب المستقلة القادرة على مقاربة قضايا المجتمع بصدق وجرأة، وإعادة الإعتبار إلى التراث الشعبي بوصفه مصدرا رئيسيا لإلهام الأعمال الفنية الجديدة، لا مادة هامشية تذكر على سبيل الزينة.
ليست المشكلة في ندرة الحكايات، ولا في فقر المجتمع إلى المعاني والصور، بل في عين فنية فقدت قدرتها على الرؤية، وفي خيال آثر التقليد على المغامرة. وحين تنقطع الصلة بين الفن وبيئته، وبين الصورة ووجدان الناس، يصبح الإنتاج وفيرا في عدده، فقيرا في أثره. لذلك فإن إنقاذ التلفزة والسينما لا يمر عبر المزيد من الإنفاق وحده، بل عبر إعادة الإعتبار إلى النص، وإلى الحرية، وإلى الهوية، حتى تستعيد الشاشة قدرتها على أن تكون تعبيرا صادقا عن الإنسان، لا نسخة باهتة من واقع لم تفهمه، ولا مرآة مشروخة لروح المجتمع.
منير لكماني 11/03/26 ألمانيا
