قدسية المسرح أولا، وشرف المسرحيين أولا…

قدسية المسرح أولا، وشرف المسرحيين أولا…

 المسرح الذي نعرفه ويعرفنا .. مسرح روحه الحقيقة… ولغته الصدق..

فاتحة الكلام:

         د. عبد الكريم برشيد

وفي بداية هذا النفس الجديد، من هذه الكتابة الجديدة والمجددة، يقول الاحتفالي ما يلي:
إنه لا شيء اسوا من ان تجد نفسك، انت الاحتفالي، الباحث عن الجميل وعن الأجمل، والباحث عن الصادق وعن الأصدق، محاصرا بين حدين اثنين ( أحلاهما مر) وهذا هو الحال اليوم في هذا المسرح العربي، والذي غابت أو غيبت فيه وعنه، وبفعل فاعل غير عاقل، كل الاختيارات الجميلة والنبيلة، لدرجة انه لم يعد أمامنا اليوم سوى ان نقبل بهذا الواقع الذي بلغ اليوم درجة ما تحت الصفر، من الرداءة ومن التفاهة ومن التبعية ومن النمطية، وأمام مثل هذا الحال، تعود الإنسان الشعبي المغربي ان يردد الدعاء التالي
(اللهم لا تخيرنا بين السيء والأسوأ، وبين ما يضرنا كثيرا وبين ما يضرنا قليلا)
ومع ان كثيرا من الأشياء، في عالم الأفكار و الأشياء، قد تبدو للعين المجردة بأنها بعيدة ومستحيلة، فإن المفكر الاحتفالي لا يمكن ان يتخلى عن ايمانه بان كلمة ( مستحيل) لا موقع لها في المعجم الاحتفالي، وأنه غدا سوف تتغير الدنيا بكل تأكيد، وسوف يثبت لنا القادرون، عمليا، على ان كل الأشياء، فعلا ممكنة، وبان التغيير ات في يوم من الأيام او في عام من الأعوام، وان الاستبداد في الفن والثقافة إلى زوال، تماما كما هو موجود في عالم السلطة السياسية وطغاتها
ولعل هذا هو ما جسدته الفلسفة الاحتفالية على ارض الواقع، وذلك من خلال تاريخ طويل وعريض من الكتابات ومن الإبداعات ومن المواقف المبدئية الصادقة ومن المواجهات ومن الاختيارات المبدئية، والتي لا تقبل المقايضة، ولا تقبل المساومة ولا تقبل التفويت او التنازل
إن الاحتفالية التي نريدها، وتريدنا هي ايضا، هي احتفالية إنسانية وكونية بكل تأكيد، وهي نظام حياة، قبل ان تكون اي شيء اخر، وهي منظومة افكار ومنظومة اختيارات جمالية، لها جذور افريقية وامازيغية وموريسكية وعربية ومتوسطية وكونية، وإذا كان هناك من يرى غير هذا، فهو انما يتحدث عن نفسه، وهو لا يتمثل إلا نفسه، ولا يعبر إلا عن نفسه، وليس عن النظام الاحتفالي، والذي هو نظام اخلاقي، إلى جانب أنه نظام فكري ونظام جمالي، وان ما اكتبه اليوم ليس وليد هذا اليوم، ولكنه قديم قدم الحق والحقيقة، وقديم قدم الجمال و الكمال، وقديم قدم المسرح وروح المسرح وتاريخ المسرح
وهذه الاحتفالية، هي اساسا مواقف فكرية رمزية، وهي احتفالية بلا حدود وبلا ضفاف وبلا حسابات نفعية ظرفية عابرة، ونحن في هذه الاحتفالية نحيا فيها، وهي، ومن خلالنا تحيا بنا ومعنا، حياة إنسانية ومدنية صادقة، ونحن معا، نعيش بالأفكار الرمزية و بالاختيارات الفكرية و بالحالات الاحتفالية والعيدية الحية، والتي تتعدى لحظتها الآنية العابرة، والتي يغيب فيها وعندها الوحش، وهي إلى جانب ذلك احتفالية مدنية، يغيب فيها وعنها الغاب وشريعة الغاب، وبهذا فهي احتفالية العقلاء، وليست احتفالية المعتوهين، وهي احتفالية الأحرار، وليست احتفالية العبيد، وهي احتفالية الصادقين وليست احتفالية الكاذبين، وهي احتفالية المجددين والمجتهدبن والمبدعين، وليست احتفالية الكسلاء، وهذا شيء يسعد السعداء من الناس العقلاء، ولكنه يغضب الباحثين عن الساعة العاشرة نهارا في الساعة الواحدة ليلا

مسرح عربي لا يعرف النقد الذاتي

ولأن الأصل في هذه الاحتفالية هو انها معرفة علمية، وأنها حكمة صوفية، فقد تمثل المفكر الاحتفالي بالمثل الشعبي المغربي الذي يقول ( اللي ما عرفك خسرك) وبالتأكيد فإن الذين لا يعرفون الاحتفالية، وما اكثرهم، في زمن الكسل العقلي هذا، والذين لم يحاولوا معرفتها، قد خسروها، وفاتهم ان يعرفوا الشيء الكثير فيها وعنها، وبهذا فقد تصوروا ان الأمر يتعلق بسباق نحو المواقع او نحو المنافع او نحو المكاسب، في حين أن الاحتفالي فيها قد ظل يكرر نفس اللازمة، والتي هي
ـ قل كلمتك وامش إلى الأمام، ولا تنظر خلفك، لأنه في الخلف يوجد المتخلفون، وأنه في الأمام يوجد العقل دائما، وان الإمام الحقيقي الذي يعترف به الاحتفالي هو العقل، وان السباق الوحيد الحقيقي الذي يعرفه الاحتفالي و يعترف به هو السابق ضد الزمان.
والاحتفالي لا ينتظر حتى يأتيه النقد من خارجه حتى يصلح حاله، وهو، في وجهه وفي روحه، يمتلك عينا ثالثة، وبهذه العين الثالثة يرى عقله وهو يفكر، وبها يرى جسده وهو يمشي، وبها يخضع كتاباته واختياراته الفكرية والجمالية للنقد الذاتي
وبعد أية تجربة وبعد اي موقف وبعد اي اختيار او اختبار، فإن هذا الاحتفالي لابد ان يخضع فعله للنقد الذاتي، والذي هو الخطوة الأولى نحو الحقيقة، وهو بوابة الدخول الى الآتي المستقبلي، وذلك لأنه لا يعقل ان ننطلق نحو المستقبل بدون ان نمارس النقد الذاتي، وأن نقوم بفعل التوضيح والتصحيح، وان نفترض السوء فقط في الآخرين، وفي هذا العالم، وان ننزه أنفسنا
ولأن هذا الاحتفالي يؤمن بالحق في التفكير، وبالحق في التعبير، ولأنه هو من قال عن المسرح بانه ( التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر) فقد كتب كتاب (الاحتفالية مواقف ومواقف مضادة) في كتابين، ولقد أكد في الكتابين معا، بان جوهر الأفكار والمواقف تظهر من خلال أضدادها، وبان اللون الأبيض يظهر بشكل اوضح، عندما يكون الى جانب السواد، او في مواجهة السواد، ونحن في المسرح المغربي والعربي نمثل الرأي الآخر. ومن عساه يكون هذا الإنسان العاقل، والذي يمكن ان يزعجه ان يكون لنا راي آخر، وان تكون لنا مواقف مختلفة، وان يكون انتماء حقيقي، إلى وطننا الفكري والجمالي والأخلاقي، والذي هو الوطن الاحتفالي؟
ونحن عندما نتحدث عن المسرح العربي، لا نجسد هذا المسرح في اجساد، ولا نشخصه في اسماء، وما يهمنا أساسا هو السؤال وهو التساؤل وهو المسألة، ولهذا فإن من يريد ان يناقش الاحتفالية، فإنه مطالب بأن يقرأ افكارها اولا، وان لا يقرأ النوايا فقط، وذلك في ضمير من يدافع عن قدسية المسرح العربي، ومن يؤكد في مواقفه المبدئية على شرف المسرحي اولا واخيرا.

مسرح أخطأ الموعد مع التاريخ

وهذا المسرح، من حقنا اليوم أن نوجه له النقد العالم والفاهم، واقول من حقنا، والصحيح هو ان اقول (من واجبنا)
ولأن هذا المسرح هو حياتنا، او هو ظل حياتنا، فقد وجب علينا أن نكشف عن نقاط الضعف فيه، وأن نسأل أين راح جمهوره الذي كان، ومن الذي اوصل هذا المسرح الى هذه الدرجة من السوء، وكيف اصبح كتبة الوحي المسرحي في هذا المسرح، اهم وأخطر وأكثر عددا من عدد الأنبياء والمبدعين والمفكرين والمبدعين الصادقين فيه؟
هذا المسرح، كان لنا معه موعد تاريخي، منذ عقود طويلة جدا، وكان ضروريا ان يحضر هذا المسرح في الموعد المحدد، ولقد قال لنا ذات زمان ما يلي:
ــ غدا سوف نلتقي، و ساكون اكثر جمالا وكمالا، و ساكون اكثر قربا من العقل ومن الروح ومن الوجدان ومن الواقع ومن التاريخ ومن الجغرافيا ومن الجمال
ولقد تبين لنا اليوم ان هذا المسرح العربي هو غودو، اي ذلك الذي قال انتظروني تحت شجرة المسرح، ولقد شاخت شجرة المسرح و ذبلت، و اقترب منها الموت، من غير أن يحضر هذا (الغودو) المسرحي، وبهذا فقد كان من حقنا ان نطرح هذه الأسئلة التي أغضبت من يكره الأسئلة
إن الزمان المسرحي العربي هو اليوم زمان ميت، ولقد دخلنا سنة اخرى، ونحن نحمل نفس سؤال السنة السابقة، والذي هو ( وما الذي يؤكد لي بانها فعلا سنة اخرى؟)
ــ ألا يحق لنا ان نقلق، ونحن نرى هذا المسرح الذي اهديناه زهرة شبابنا يموت امام اعيننا، ونحن نتفرج على موته؟
ــ نحن ملتزمون بان نفعل شيئا، وان نفعله بحكمة عاشقة وبعشق حكيم، وما معنى ان تفعل الأشياء الجميلة بشكل سيء؟
ــ وما معنى ان تفعل الأشياء السيئة بشكل جيد؟
ــ وما معنى ان تفعل الفعل، وانت لا تعرف معناه، وأنت لا تدرك مغزاه، وانت لا تستطيع ان تتوقع مردوده و حدوده وجدواه؟
هو عالم مسرحي واحد إذن، ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، هم يرون قديمه ولا يرون جديده، و يرون ليله ولا يرون نهاره، ويرون قشوره ولا يرون جوهره، ونحن نراه في كليته وشموليته، وفي كائنه وممكناته، وفي حاضره وماضيه ومستقبله

في الحاجة إلى نظام مسرحي جديد

إن الاحتفالية، في أوسع تجلياتها، الكائنة والممكنة، هي اكبر واوسع وارحب وأعمق من ان تكون مجرد حكي او مجرد فرجة في مسرحية، والأصل فيها هو أنها حالة وجود، وأنها اللحظة العيدية المتمپزة، والتي لا تشبه غيرها من اللحظات الأخرى، ومن الممكن جدا ان نجد هذه الحالة في المقهى، وان نجدها في السوق، وان يكون لها وجود في الساحات، وان تكون لها وجود في الحدائق العمومية، وان نجدها في الملاعب الرياضية، ومثل هذه اللحظة الاحتفالية كان لها وجود واضح في الميادين الرياضية هذه الأيام، وذاك بمناسبة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم بالمغرب، ولقد لفت نظري ونظر كل الناس، ذلك الممثل الاستثنائي الذي جسد شخصية الزعيم الكونغولي باتريس لوممبا، والذي قتلته القوات الإستعمارية البلجيكية، وهو في وقفته اليومية لم يقل اية كلمة، ولم يردد أي شعار، ولم يقم بأية حركة، ولقد اكتفى بأن يكون تمثالا بشريا حيا، و اكتفى بان رفع يده اليمنى إلى الأعلى، ولقد جسد في صورته المعنى الحقيقي لفعل الاحتفال ولروح الاحتفالية، والتي هي ( التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر)
ذلك هو الفنان والمناضل الكنغولي ميشال كوكا، والذي أطلقت عليه الصحافة اسم (الرجل الصنم) والذي استطاع ان يقف بدون حركة، وذلك على امتداد تسعين دقيقة، وان يشجع فريقه، وان يقدم امام عشرات الآلاف من الناس مسرحية صامتة، يدين فيها الاستعمار، و يناصر فيها الحرية، و يناصر كل أحرار العالم، وهذا شكل اخر من اشكال الاحتفالية التي لا يعرفها المسرح العربي، والذي هو مسرح المهرجانات الرسمية والموسمية.
وهذه الكتابة الاحتفالية الجديدة، في هذا الراهن التاريخي الجديد، تظل وفية للمنظومة الفكرية الاحتفالية، وذلك في الكليات وفي الجزئيات، والتي كانت منذ بدايتها الأولى بحثا عن كل شيء يمكن ان يتضمنه المسرح، ابتداء من تغيير نظام التلاقي المسرحي، والانتقال به من العرض الجامد إلى الاحتفال الحي، وابتداء ايضا من البحث عن مؤسسة مسرحية احتفالية شعبية، تكون هي الأقرب الى إنسانية الإنسان، وإلى مدنية المدينة، وإلى حيوية الحياة، مؤسسة تحفظ للمسرحي حريته و كرامته، وتجعله السيد في عالمه المسرحي، و تجعل السيادة المسرحية في يد المسرحي المبدع، وليس بيد ( مول الشكارة) ولا بيد المسؤول الإداري صاحب المنصب والمكتب
وفي مباريات كرة القدم، كما يعرف الجميع، تحضر الشفافية والمصداقية، ويتم الاحتكام إلى مجموعة من الحكام داخل الميدان، ويكون الحكم النهائي للحكام في غرفة الفار، وفي المسرح العربي لا وجود إلا لغرفة الأسرار الخفية، وعندما نريد أن نعرف خفايا هذه الغرفة المظلمة يغضب الغاضبون، و يغضب عسس وحرس كل الغاضبين، وبدون وجه حق، ومتى كان التعبير الحر، عن الحق والحقيقة جريمة؟

آخر هذا الكلام

وهذا المسرح، في المنظور الفكري الاحتفالي، ليس جريمة، وهو اساسا محبة وصفاء، وهو أخوة ووفاء، وهو كلمة شعرية جميلة في ملحمة شعرية جميلة، وهو لقاء الأرواح قبل لقاء الأجساد، وكل خطاب فيه كراهية، وفيه عداوة مجانية، وفيه حسد مجاني، لا يمكن ان تكون له اية علاقة بروح المسرح ولا بفلسفة المسرح
ونحن في هذه الكتابة لا نكتب بأيدينا، ولكننا نكتب بأرواحنا، وهذا هو السر في ان هذه الاحتفالية لا تموت، ويمكن ان يموت القتلة، ولكن هذه الاحتفالية تظل حية على الدوام
ومن المؤكد، ان من لا يفقه لغة الروح، لا يمكن ان يفهم معنى ومغزى هذه الكتابة، ولا يمكن ان يدرك أبعادها الإنسانية الجميلة والنبيلة
وهذا المسرح، في صورته الصادقة والشفافة، لا يمكن ان يباع وان يشترى في الأسواق، لأنه ليس بضاعة ولا سلعة، ولا يمكن ان تتم خوصصته من أية جهة من الجهات، وهو فضاء إنساني و مدني وديمقراطي مفتوح على كل الناس، في كل زمان ومكان، وليس على فئة واحدة محدودة العدد، و محدودة الطموح، و محدودة الآفاق الفكرية والجمالية والأخلاقية..
والمسرح الذي نعرفه، و يعرفنا، ويعرفه كل الناس في التاريخ، هو مسرح روحه الحقيقة وجوهره الجمال، ولغته الصدق، و غايته إنسانية الإنسان وسعادة الإنسان.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com