الوعي الزائف عند الجيل الجديد…

الوعي الزائف عند الجيل الجديد…
almanar.com

بين المعرفة السطحية والفكر النقدي

بقلم: * إسماعيل خضروفي

في زمنٍ صار فيه الهاتف امتدادًا للذاكرة، والشاشة نافذةً للعالم، لم تعد المعرفة امتيازًا يقتضي جهدًا، بل تحوّلت إلى سلعةٍ رخيصةٍ متاحة في كل لحظة. ومع ذلك، لم يَبدُ الإنسان أكثر ضياعًا كما هو اليوم.

الجيل الجديد يسبح في محيطٍ من المعلومات، لكن دون بوصلة فكرية. يعرف كل شيء عن كل شيء، ومع ذلك يفتقر إلى القدرة على الفهم العميق والتمييز بين الحقيقة والزيف.

إنه جيل يعيش داخل وهم المعرفة، وداخل ما يمكن تسميته بـ “الوعي الزائف”؛ ذلك الوعي الذي يمنح صاحبه شعورًا بالاطلاع، دون أن يحرّكه نحو التساؤل أو النقد.

🔹 أولًا: من المعرفة إلى المعلومة

المعرفة، في جوهرها، ليست تجميعًا للمعلومات، بل هي فعل تأمليّ، علاقة حية بين الإنسان والعالم.

غير أن العصر الرقمي غيّر هذا المفهوم من جذوره. صار كل شيء قابلًا للاستهلاك: الفكر، الخبر، الصورة، وحتى المشاعر.

ومن خلال هذا التحوّل، أصبح الإنسان يستهلك المعلومة كما يستهلك وجبة سريعة، دون أن يتذوق معناها أو يدرك سياقها.

لقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تحويل “الفكر” إلى عرضٍ بصريٍّ سريع، وتحوّلت المنصات إلى مصانع لإنتاج وعيٍ جماعيٍ هشّ، مبني على التفاعل لا التأمل.

فالجيل الذي نشأ على ثقافة “الإعجاب” و“المشاركة”، بات يقيس قيمة الفكرة بعدد القلوب والرموز، لا بعمق المعنى أو منطق الحجة.

وهكذا، تراجعت المعرفة التأملية أمام المعلومة الفورية، وتحوّل الإدراك إلى سلسلة من الانفعالات اللحظية، تُغذّيها الخوارزميات بدل العقل.

🔹 ثانيًا: الفكر النقدي في زمن الصورة

الفكر النقدي ليس رفاهية ذهنية، بل هو شرط الوعي الحقيقي. إنه قدرة الإنسان على مساءلة ما يراه ويسمعه ويؤمن به. غير أن ما يميز واقعنا المعاصر هو تآكل ملكة التساؤل، لصالح يقينٍ جاهزٍ وسهلٍ ومريح.

لقد غزا “الرأي” فضاء الفكر، وصار كل إنسان يعتقد أن له الحقيقة المطلقة، حتى وإن لم يقرأ كتابًا واحدًا عن الموضوع الذي يتحدث فيه.

في عالمٍ تحكمه الصور، يُقاس الوعي بالمظهر لا بالمضمون.

ويُقدَّم “المثقف” اليوم على أنه مؤثر أنيق، يتحدث بلغة لامعة عن قضايا لا يعرف عنها إلا القشور.

ويُمنح “الفكر” للمستهلك في جرعات صغيرة، مثل دواء سريع المفعول يُسكّن القلق الوجودي دون أن يعالجه. هكذا، يتغذّى الوعي الزائف من الإبهار اللفظي أكثر من المعنى الحقيقي.

🔹 ثالثًا: أزمة المدرسة والمثقف

يُفترض أن تكون المدرسة مؤسسةً لتكوين الفكر النقدي، لكنّها تحوّلت في كثير من الأحيان إلى فضاءٍ لإعادة إنتاج القوالب نفسها. تعلّمنا كيف نحفظ، لا كيف نفكر. كيف نجيب، لا كيف نسأل. وهذا ما جعل الأجيال اللاحقة تدخل الحياة العامة وهي مؤهلة للتكرار أكثر من الاكتشاف.

أما المثقف العربي – في كثير من الحالات – فقد انزاح عن موقعه النقدي ليصير جزءًا من البنية التي ينتقدها. فبدل أن يكون صوتًا يزعج السائد، أصبح وجهًا مألوفًا في البرامج، يُكرّر الخطاب ذاته بأسلوبٍ مختلف.

لقد صمتت الأقلام الجادة، وارتفعت أصوات المعلّقين الذين يعيشون على فتات الفكر. وهكذا، ضاع دور المثقف الذي كان يُفترض أن يكون ضمير الأمة، وتحوّل إلى فاعل رقمي يبحث عن جمهورٍ أكثر من بحثه عن الحقيقة.

🔹 رابعًا: الجيل الجديد بين المرآة والوهم

الجيل الجديد لا يعيش فقط داخل العالم الرقمي، بل يعيش في العالم كما تراه الشاشة.

إنه يختبر ذاته عبر صورته، ويقيس قيمته بعدد المتابعين، ويختزل إنسانيته في تفاعلٍ افتراضيّ.

كل ذلك خلق حالة من الانفصال بين الذات والواقع:

جيلٌ يعبّر كثيرًا، لكنه نادرًا ما يصغي.

ينتقد الأنظمة، لكنه لا ينتقد نفسه.

يتمرد على القديم، لكنه يعيد إنتاجه بأدوات حديثة.

إنّ هذا الوعي المزيّف لا يُلغى بالمنع أو النصح، بل بتربية جديدة على السؤال.

فالسؤال هو بداية الحرية، ومتى توقّفنا عن التساؤل، صار الوعي مجرّد ترديدٍ لخطابٍ جاهز.

🔹 خامسًا: نحو وعيٍ نقديٍّ جديد

إن تجاوز هذا الوعي الزائف يقتضي أولًا الاعتراف بوجوده، لأن الإنكار أول مظاهر الجهل.

علينا أن نعيد بناء علاقتنا بالمعرفة، لا باعتبارها زخرفة ثقافية، بل مسؤولية وجودية.

أن نقرأ ببطء، أن نفكر بصبر، وأن نحاور بصدق.

فالوعي ليس معرفة كمية، بل تجربة فكرية وروحية تجعل الإنسان أكثر فهمًا لذاته وللعالم.

ولعلّ بداية هذا الطريق تبدأ من إعادة الاعتبار للفكر النقدي في مؤسساتنا التعليمية، وللثقافة الحيّة في حياتنا اليومية.

فلا نهضة من دون نقد، ولا نقد من دون حرية، ولا حرية بلا وعيٍ يُدرك حدوده ويكسرها.

خاتمة:

حين نعرف أننا لا نعرف الوعي الحقيقي لا يقوم على ادّعاء الفهم، بل على الاعتراف بحدود الفهم.

وأن تقول “لا أعلم” في زمن الضجيج، هو أول درجات المعرفة.

وأن تشكّ بدل أن تُصفّق، هو أول الطريق نحو الحرية.

فمن وسط الزيف الكثيف يمكن أن يولد الوعي الحقيقي، كما يولد الضوء من قلب العتمة.

* إسماعيل خضروفي: كاتب وشاعر مغربي.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com