العرافة بين الخطاب التخويفي والصحة النفسية

العرافة بين الخطاب التخويفي والصحة النفسية

مقاربة سيكولوجية – سيكو-عصبية – إكلينيكية نقدية

د. سي محمد بلبال 🪻🌿

تشهد المجتمعات المعاصرة انتشارا متزايدا لخطابات العرافة والتنبؤ بالكوارث، خصوصا عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. ويقدّم بعض الأفراد أنفسهم بوصفهم “متنبئين” أو “عارفين بالمستقبل”، مطلقين توقعات كارثية تمس دولا وشعوبا بأكملها، دون أي أساس علمي. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل ظاهرة العرافة من منظور سيكولوجي سيكو-عصبي ديناميكي وإكلينيكي، مع تفكيك بنية الخطاب العرافي، ودراسة تأثيره على الصحة النفسية الفردية والجماعية، خاصة لدى الفئات الهشة نفسيا. كما تسلّط الضوء على المسؤولية الأخلاقية للإعلام في إعادة إنتاج الخوف، وتدعو إلى مقاربة وقائية قائمة على الوعي العلمي وحماية الصحة النفسية العمومية.
1. مقدمة
لم تعد العرافة اليوم ممارسة هامشية مرتبطة بالثقافات التقليدية فقط، بل تحوّلت إلى خطاب جماهيري واسع الانتشار، مدعوم بمنصات إعلامية ورقمية تمنحه شرعية وهمية. ويزداد خطر هذا الخطاب عندما يتعلّق بتوقع كوارث طبيعية كبرى (زلازل، تسونامي، غرق دول)، ويُقدَّم بلغة يقينية أو شبه يقينية، رغم غياب أي سند علمي.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في “كذب التوقعات” فحسب، بل في الأثر النفسي العميق الذي تُحدثه في وعي الأفراد، وفي توازنهم الانفعالي، وفي تمثلاتهم للمستقبل.
2. العرافة كخطاب نفسي لا كمعرفة علمية
من منظور إبستمولوجي، يجب التمييز بين:
العلم: القائم على الملاحظة، الفرضية، الاختبار، الدحض، والتكرار.
العرافة: خطاب احتمالي غامض، غير قابل للتحقق أو التفنيد، يعتمد على الإيحاء والتأويل اللاحق.
العراف لا يقدم معرفة، بل يقدّم سردية تخويفية تبنى على:
عبارات عامة
توقيتات مفتوحة
احتمالات غير محددة
تحصين لغوي من المساءلة (مثل: “قد يحدث وربما لا”)
وهذا ما يعرف في علم النفس المعرفي بـ: استراتيجية التحصين ضد التفنيد (Cognitive Immunization).
3. التحليل السيكو-ديناميكي لشخصية العراف
3.1 البنية النرجسية المرضية
تشير الملاحظة الإكلينيكية إلى أن كثيرا من العرافين يشتركون في سمات نرجسية واضحة، منها:
تضخم الأنا
الإحساس بالاصطفاء والتميّز
التماهي مع صورة “العالم بالغيب”
الحاجة القهرية للاعتراف والانتباه
ديناميكيا، تفهم هذه السمات بوصفها تعويضا لاشعوريا عن هشاشة داخلية، حيث يتم ملء فراغ الأنا عبر السيطرة الرمزية على الآخرين بالخوف.
3.2 متلازمة النبي الزائف (Pseudo-Prophetic Syndrome)
يؤدي العرّاف دورا نفسيا-مسرحيا يتقمّص فيه صورة “المنذر”، مستخدما:
نبرة صوت بطيئة ومؤثرة
وقفات صامتة
لغة قدرية
إشارات إلى “معرفة خاصة”
هذا الأداء يفعل آليات الإيحاء والتنويم غير المباشر، ويحدث خفضا في التفكير النقدي لدى المتلقي.
4. التحليل السيكو-عصبي لظاهرة العرافة
4.1 على مستوى العراف
تشير المقاربات السيكو-عصبية إلى:
تنشيط مفرط لدارات المكافأة (الدوبامين) المرتبطة بالشهرة والانتباه
ضعف كبح الفص الجبهي المسؤول عن اختبار الواقع والتفكير العقلاني
4.2 على مستوى المتلقي
الخطاب التخويفي يؤدي إلى:
تنشيط اللوزة الدماغية (Amygdala)
تعطيل التفكير التحليلي
رفع مستوى هرمونات التوتر (الكورتيزول)
وهو ما يعرف بـ: Amygdala Hijacking
أي “اختطاف الدماغ الانفعالي”.
5. التأثيرات الإكلينيكية على الصحة النفسية
5.1 الفئات الأكثر هشاشة
المصابون باضطراب القلق المعمم
مرضى نوبات الهلع
الفوبيا (خصوصا فوبيا الكوارث)
الوسواس القهري
الاكتئاب المصحوب بالقلق
5.2 الآثار النفسية المحتملة
ارتفاع القلق المزمن
اضطرابات النوم
التفكير الكارثي
السلوك التجنبي
الشعور بالعجز وفقدان السيطرة
إعادة تنشيط صدمات نفسية سابقة
إكلينيكيا، قد تؤدي هذه الخطابات إلى زيادة الطلب على الاستشارات النفسية الطارئة.
6. لماذا يصدق الناس العرافين؟ (تحليل معرفي)
انحياز التأكيد: تذكر ما “تحقق” ونسيان ما لم يتحقق
انحياز الإدراك بعد الحدث: “كنا نعلم أنه سيقع”
الحاجة للمعنى في أوقات القلق
التفكير السحري كآلية دفاع بدائية
7. العرافة والإعلام: مسؤولية أخلاقية غائبة
إن الإعلام الذي يروج للعرافة لا يمارس مجرد نقل للرأي، بل يشارك في:
تضخيم الخوف الجماعي
تسليع القلق
ضرب الصحة النفسية العمومية
من منظور أخلاقي-إكلينيكي، فإن:
نشر توقعات كارثية بلا أساس علمي
يعد شكلا من أشكال العنف النفسي الجماعي.
8. تفنيد علمي لادعاءات التنبؤ بالكوارث
الزلازل: لا يمكن التنبؤ بوقتها زمنيا
التسونامي: يرصد بعد حدوث الزلزال
الجيولوجيا علم احتمالات لا نبوءات
كل تحديد دقيق لـ: سنة + مكان + كارثة
خارج المؤسسات العلمية = ادعاء غير علمي.
9. خاتمة
إن العرافة المعاصرة ليست بريئة، بل هي خطاب يستثمر في الخوف، ويستغل هشاشة الإنسان أمام المجهول. وخطورتها لا تكمن في كونها خاطئة فقط، بل في كونها مؤذية نفسيا، خاصة في مجتمعات تعيش أصلا ضغوطا اقتصادية واجتماعية ونفسية.
10. توصيات
تعزيز الثقافة النفسية والعلمية لدى العموم
محاسبة الإعلام غير المسؤول
إشراك المختصين النفسيين في النقاش العمومي
اعتبار الصحة النفسية شأنا عموميا لا مجالا للتهويل
خلاصة نهائية
الخوف ليس معرفة
والتنبؤ ليس علما
والصحة النفسية ليست مادة للفرجة الإعلامية.
المراجع
1. Sigmund Freud
The Future of an Illusion
الصفحة: 43–47
2. Daniel Kahneman
Thinking, Fast and Slow
الصفحة: 201–207
3. Antonio Damasio
Descartes’ Error: Emotion, Reason, and the Human Brain
الصفحة: 168–174

Dr Si mohamed balbal psychologue clinicien 🪻🌿

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com