غربة العقل الفلسفي العربي عن واقعه…

غربة العقل الفلسفي العربي عن واقعه…
الصورة : مركز تبيين للتخطيط والدراسات الستراتيجية

“الأسباب والتجليات وإمكانات التجاوز”

                    د.محمد جستي

يُعدّ العقل الفلسفي أحد أهم أدوات الوعي النقدي في أي حضارة، إذ يضطلع بدور محوري في مساءلة الواقع، وتفكيك بنياته، واستشراف آفاقه المستقبلية. غير أن العقل الفلسفي العربي المعاصر يُتهم من قبل كثير من الباحثين بأنه يعيش حالة من الغربة عن واقعه الاجتماعي والسياسي والثقافي، بحيث أصبح نشاطًا نخبوياً معزولاً، محدود التأثير، ضعيف الصلة بالتحولات العميقة التي تعرفها المجتمعات العربية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مظاهر هذه الغربة، والبحث في أسبابها التاريخية والمعرفية، ثم مناقشة إمكانات تجاوزها.

تشير الغربة هنا إلى انفصال الفكر الفلسفي عن شروطه الاجتماعية والتاريخية، بحيث يفقد قدرته على التأثير في الواقع أو التفاعل معه. وهي ليست غربة ذاتية فحسب، بل غربة بنيوية تنتج عن اختلال العلاقة بين الفيلسوف والمجتمع، وبين الفكر والمؤسسات، وبين الأسئلة النظرية والحاجات الفعلية للواقع العربي.

لكن من باب التدقيق في التفاصيل، يمكن أن تتبع الجذور التاريخية لغربة العقل الفلسفي العربي إلى عدة عوامل تاريخية متراكمة، من أبرزها:
القطيعة مع التراث النقدي : رغم غنى التراث الفلسفي العربي (الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد)، فإن تلقيه في العصر الحديث غالبًا ما كان إما تمجيديًا جامدًا أو إقصائيًا كليًا، دون تفعيل نقدي خلاق.
صدمة الحداثة والاستعماردخلت الفلسفة الحديثة إلى المجال العربي في سياق الترجمة والتلقي، لا في سياق الإنتاج الذاتي، مما جعلها تبدو غريبة عن الواقع المحلي، ومحمّلة بأسئلة نشأت في سياقات تاريخية مغايرة.
تهميش الفلسفة في البنية التعليميةأُقصيت الفلسفة في كثير من البلدان العربية من التعليم أو قُدّمت بصورة تبسيطية، خوفًا من بعدها النقدي، مما عمّق الفجوة بينها وبين الوعي العام.

حيث تتجلى مظاهر الغربة في الفلسفة العربية المعاصرة في عدة مظاهر، أهمها:
الانشغال بأسئلة مستوردة: كثير من الخطاب الفلسفي العربي يدور حول إشكاليات فلسفية غربية (الحداثة، ما بعد الحداثة، التفكيك…) دون إعادة صياغتها انطلاقًا من الواقع العربي.
النخبوية اللغوية والمعرفية: تُكتب الفلسفة بلغة معقدة ومصطلحات مغلقة، مما يجعلها بعيدة عن القارئ العادي، ويحول دون تحولها إلى وعي اجتماعي فاعل.
ضعف الحضور في المجال العام: نادرًا ما يسهم الفيلسوف العربي في النقاشات السياسية أو الأخلاقية أو الاجتماعية اليومية، مقارنة بدور الفلاسفة في مجتمعات أخرى.

كما تأثرت الساحة الفكرية بعوامل سياسية وثقافية، لا يمكن من خلالها فصل غربة العقل الفلسفي عن السياق السياسي والثقافي العربي، حيث:
تُنظر إلى الفلسفة أحيانًا باعتبارها تهديدًا أيديولوجيًا.
تسود أنماط فكرية يقينية أو دوغمائية (دينية أو أيديولوجية) تعادي السؤال والنقد.
تغيب مؤسسات بحثية مستقلة تحتضن التفكير الفلسفي الحر. في حين أن هناك إمكانات تجاوز الغربة.
رغم هذا التشخيص النقدي، فإن تجاوز غربة العقل الفلسفي العربي يظل ممكنًا عبر:
إعادة ربط الفلسفة بالواقع: من خلال الانخراط في قضايا مثل: الحرية، العدالة، الهوية، الدولة، الدين، التكنولوجيا، والتحولات الاجتماعية.
توطين الفلسفة بدل استيرادها: أي تحويل الفلسفة من مجرد استهلاك معرفي إلى ممارسة نقدية نابعة من السياق العربي.
تبسيط الخطاب دون تسطيحه: بما يسمح للفلسفة بأن تصبح جزءًا من الثقافة العامة لا حكرًا على النخب.
إصلاح التعليم الفلسفي: بإدماج الفلسفة في مختلف المراحل التعليمية بوصفها تدريبًا على التفكير لا مجرد مادة دراسية.

إن غربة العقل الفلسفي العربي عن واقعه ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة تاريخية ومعرفية وسياسية قابلة للتجاوز. ولا يمكن للفلسفة أن تستعيد دورها إلا إذا تحولت من خطاب معزول إلى ممارسة نقدية فاعلة، تُسهم في تفكيك الأزمات التي يعيشها الإنسان العربي، وتشارك في بناء أفق عقلاني تحرري. فالفلسفة في جوهرها، ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com