إغتيال لغة الضاد ومصافحة الأسياد
قراءة نقدية في التبعية اللغوية والثقافية

تُعدّ اللغة العربية، لغة الضاد، إحدى الركائز الأساس للهوية الحضارية والثقافية للأمة العربية، إذ تحمل في بنيتها تاريخًا طويلًا من الفكر والعلم والإبداع و الحضارة. غير أن هذه اللغة تواجه في العصر الحديث تحديات خطيرة داخلية و خارجية، تهدد مكانتها ووظيفتها، في ظل تصاعد مظاهر التبعية الثقافية واللغوية للغرب. ويأتي ما يمكن تسميته بـ«اغتيال لغة الضاد» مترافقًا مع ما يُرمز إليه بـ«مصافحة الأسياد»، في إشارة إلى الانبهار غير النقدي بالآخر المتفوق حضاريًا، وما ينتج عنه من تهميش للغة الأم وتقديس اللغات الأجنبية. لهذا أسعى إلى تحليل هذه الظاهرة، والكشف عن أبعادها الثقافية والسياسية والاجتماعية.
لغة الضاد ليست مجرد أداة تواصل، بل هي وعاء للفكر ومرآة للهوية الجماعية. وقد شكّلت اللغة العربية عبر قرون طويلة لغة العلم والفلسفة والإدارة، وأسهمت في بناء حضارة إنسانية امتد أثرها إلى مختلف أنحاء العالم. غير أن تراجع استخدام العربية في مجالات التعليم العالي، والبحث العلمي، والإدارة، يعكس تراجعًا أعمق في الوعي بأهميتها ودورها في الحفاظ على الهوية الثقافية.
إذ لا يُقصد باغتيال اللغة العربية إقصاؤها القسري فقط، بل يشمل أيضًا تهميشها الطوعي، واستبدالها باللغات الأجنبية في مجالات حيوية، والنظر إليها باعتبارها لغة غير قادرة على مواكبة العصر. ويتجلى هذا الاغتيال في انتشار التعليم باللغات الأجنبية، وهيمنة المصطلحات الدخيلة، وضعف الإنتاج العلمي باللغة العربية، فضلًا عن تشويهها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
لذا ترمز «مصافحة الأسياد» إلى حالة من التبعية الثقافية والخضوع الفكري، حيث يُنظر إلى النموذج الغربي بوصفه المثال الأوحد للتقدم، ويتم تقليده دون تمحيص أو تكييف مع الخصوصية المحلية. وفي هذا السياق، تصبح اللغة الأجنبية رمزًا للرقي الاجتماعي، بينما تُختزل اللغة العربية في الاستعمالات التقليدية أو الهامشية. وتُسهم هذه التبعية في تعميق الفجوة بين الأجيال، وإضعاف الثقة بالذات الحضارية.
كما لا تنفصل ظاهرة أزمة اللغة عن السياقات السياسية والاقتصادية. إذ تساهم العولمة وهيمنة القوى الكبرى في فرض نماذج لغوية وثقافية بعينها. كما أن سياسات التعليم غير المتوازنة، وضعف الاستثمار في الترجمة والتعريب، تعزز من هيمنة اللغات الأجنبية. ويؤدي ذلك إلى إنتاج نخب فكرية واقتصادية منقطعة عن محيطها اللغوي والاجتماعي، وأكثر ارتباطًا بالمراكز الخارجية.
إن مواجهة اغتيال لغة الضاد لا تعني الانغلاق أو رفض تعلم اللغات الأجنبية، بل تستدعي إعادة التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الهوية. ويتطلب استعادة مكانة لغة الضاد تعزيز التعليم باللغة العربية، ودعم البحث العلمي بها، وتحديث مناهجها لتواكب التطورات العلمية والتقنية. كما يقتضي الأمر ترسيخ الوعي بأهمية اللغة بوصفها أداة سيادة ثقافية، لا مجرد وسيلة تواصل.
فاغتيال لغة الضاد ومصافحة الأسياد ظاهرتان مترابطتان تعكسان أزمة أعمق في الوعي بالذات والهوية. فاللغة التي تُهمَّش اليوم هي ذاتها التي حملت مشروعًا حضاريًا متكاملًا في الماضي. ومن هنا، فإن استعادة مكانة اللغة العربية ليست مسألة لغوية فحسب، بل هي قضية ثقافية و حضارية و التزام تتطلب إرادة سياسية، ووعيًا مجتمعيًا، ومشروعًا فكريًا يعيد للغة دورها في صناعة المستقبل.
