قصة قصيرة للكاتبة إنجي علوي شلتوت

قصة قصيرة للكاتبة إنجي علوي شلتوت

للسَفَرِ مَذَاق آخْر

إن لم تسافر وتشاهد مختلف البقاع بعينيك، لن ترى سوى جانب واحد من كلّ شيء في هذه الحياة.

دائمًا ما اقترنَ السّفر باسمي، فمن يعرفني حقّ المعرفة، يعلم جيدًا ما هو السّفر بالنّسبة لي، فأنا أؤمن أنَّ أعظم الناس حظوظًا ليس من يملك قدرًا وفيرًا من المال فحسب، بل هو من يملك ما أسمّيه بجوهرتيّ السفر: وفرة في المال، وسِعة في الوقت الشّاغر، وما أعظمه من حظ!

فإلى جانب مجال عملي بصفتي صحفيّ له من الشّهرة شأن عظيم، فأنا -كما لُقبت – رحالة العصر الحديث، إذ أوثّق كل ما أراه في مختلف البلدان من عجائب، وما أختبره من مغامرات، وأحيانًا أقوم بتصوير ما يُصادفني من أهوال، وذكر أدقّ التّفاصيل عن كلّ بلدٍ أزوره، والتي تكون غير دارجة في الأغلب، وقلَّما طرحها أحدٌ في الصّحافة من قبل.

وأكثر ما يُثير اهتمامي أثناء السَفرات، وله النّصيب الأكبر من محتوى صفحاتي بمواقع التّواصل الاجتماعي، هي تلك المأكولات الخارجة عن المألوف، والتي يشتهر به كل بلدٍ دون غيره، فيَدفعني فضولي لتجربةِ أكثر الأطعمة غير الدّارجة عالميًا، والتي يَشتهيها مواطنو تلك البلدان وبعض مُرتاديها.

وكما الحال مع الأجانب عند زيارتهم لمصر، فهم يتطلّعون لتذوّق مأكولات التّراث المصري الشعبيّة والمميّزة، والتي يعتبرها البعض مدمّرة للصّحة وقد تسبّب الوفاة، ومن أشهرها السّمك المملّح (الفسيخ)، و(فواكه الدّبيحة) حيث يطلقون على الكبدة والكلى والطحال، فضلًا عن طواجن اللسان والعكاوي وغيرها من أعضاء الذّبيحة، والتي من المفترض أن يتم التخلّص منها، ولكن ذلك لا يحدث بطبيعة الحال، فلا بدّ من تناولها وإلا ستكون جاحدًا بالنعمة.

أمّا بالنسبة لي، فعند زيارتي لجنوب (كوريا) في العاصمة (سيول)، صادفت طبقًا هو الأغرب من نوعه، حيث اشتهرت (سيول) بتقديم طبق الأخطبوط الحيّ في بعض مطاعمها، فلدى المواطن هناك معتقدٌ راسخ بأنَّ تناول الأخطبوط حيًا وهو يتحرّك داخل فمك، من شأنه جعلك أفضل صحيًا.

في ذلك اليوم كنت برفقة زميلٍ صحفي؛ تعرّفت عليه على مَتن الطائرة، جلسنا إلى طاولة تتوسّط المطعم، وقمنا بطلب وجبتين من الأخطبوط الحيّ على سبيل التّجربة، ولم أُصدق تلك السّرعة في تقديم الأطباق، يضع النّادل أمامي طبقًا يستقرّ به أخطبوط يتلوّى في بطء، ولم ألبث أن التقطتُ له بعض الصّور وهو يَسبح بأذرعه في عصير اللّيمون بوَداعة، حتى سمعنا صراخ سيدةٍ تجلس إلى الطّاولة المقابلة لنا، كل مَن في المطعم كان يراقبها في ذهول، ولا سيَّما عندما سقطت من فوق كرسيها على الأرض مستغيثة، حيث التصقت على وجهها وجبة الأخطبوط خاصتها رافضةً أن تفارقه.

وبعد جهودٍ مُضنية من العاملين بالمطعم لانتزاعِ الأخطبوط من على وجهها، نجحوا… ولكن بعد أن أصيبت السيدة بجروحٍ بالغة، ولم أجرؤ أنا على الاقتراب من وجبتي الأخطبوطيّة حرصًا على سلامتي، في حين أخذ صديقي – متبلّد الحسّ – يتلذذ بأكلهِ غير آبهِ لما حدث.

ولا أنسى تجربتي في (إندونيسيا)، فأنا دائمًا ما أرفع سقف توقّعاتي بالنّسبة لوجبات الطّعام، لتنهارَ فيما بعد انهيارًا سحيقًا عندما تُقَدَّم إليّ، وخاصةً ذلك الحساء… حساء بيض النّمل الأبيض، وهو طبقٌ مكونٌ من بيضِ وأجنّة النّمل الأبيض، وأتذكّر عندما تذوّقته وجدت أنَّ مذاقه يشبه (الجمبري) إلى حدٍ كبير.

وكم كانت دهشتي عندما علمت أنَّ أغلى قهوة في العالم مستخلصة من روث الأفيال، ولكنني عرفت تلك المعلومة المقزّزة متأخرًا، بعدما انتهيت من ارتشافِ فنجانٍ منها بالكامل؛ وذلك أثناء زيارتي لأحد معارفي بشمال (تايلاند)، أتذكّر جيدًا مذاقها اللّذيذ، وكأنها مزيجٌ من الشوكولاتة والكَراميل، ولكن قهوة الأثرياء تلك لم تستقرّ في معدتي ثانية، بعد أن عرفتُ أصلها وفصلها.

ومن خلال رحلاتي، اكتشفت أنَّ أغلى أطعمة في العالم هي الأطعمة الأغرب، والتي لا يقدّر على تحمُّل تكلفتها إلّا طبقة الأثرياء، فهل سمعت من قبل عن وجبة الأثرياء وطبقة الأرستقراطيين بدولة الصّين؟

ففي زيارتي الأخيرة لدولة (الصين) وتحديدًا في العاصمة (بكين)، دُعيت إلى عشاء خاصّ بكبارِ الزوّار، فجلست إلى الطّاولة المخصّصة للصحفيين القادمين من مختلف الدّول، حرصت على ارتداء هندام منمّق، مراعيًا لغة جسدي وإيماءات وجهي، والالتزام بقدرٍ كافٍ بقواعدِ الإتيكت.

فقد كان المطعم على قدرٍ عالٍ من الفخامة والرّحابة، حتى أنَّ مرتادي المطعم كانوا موسومين بطابع الأناقة والرّقيّ، ولكم كنت أتضوّر جوعًا، حتى أنني بنيت أخيلةً وأوهامًا عن المذاق الشهيّ للوجبات التي ستُقدّم إلينا.

وما قضّ مَضجع هذه التخيّلات سوى ذلك النّادل، الذي وضع أمام كل فردٍ من الوفد الجالس طبقًا، تستقرّ عليه مجموعةٌ من المطارق الحديديّة، قلت في نفسي يبدو أن مأدبة العشاء ستتضمّن مأكولات بحريّة متنوّعة لم يَسبق لي تذوّقها من قبل، ففي العادة تستخدم تلك الأدوات لتسهل عليك تقطيعَ وتناول بعض القشريات البحرية، أمثال الكابوريا العنيدة، والإستاكوزا المتوحشة.

وما هي إلا دقائق، حتى اقتربَ من طاولتنا نادلٌ آخر، وهو يحمل قردًا حيًا يُرزق بين يديه، وقامَ بفتح فجوةٍ دائريةٍ بوسط الطّاولة، ووضع فيها القرد الذي أتى به، وقام بغلقِ الفجوة بحيث لا يظهر لنا منها سوى رأس القرد، رفعت حاجبيَّ مندهشًا وابتسمت في بلاهة، فقد ظننت أنه عرضٌ تقليديّ يُقدّم في العادة للضيوف المميّزين، وذلك بهدف تسليتهم إلى حين الانتهاء من إعداد العشاء، إلا أنني توقفت عن ظنوني السّاذجة، وابتلعت ريقي بصعوبةٍ بالغة بعدما رأيت ما أقدم عليه بقيّة الجلوس.

فقد قامَ كل فردٍ بجَذب مطرقةٍ من تلك المطارق التي وضِعَت أمامنا، يعلمون تحديدًا ما هو دورهم، وأنا أترقّب في ذهولٍ ما لم يخطر على بالي لثانية.

فقد بدأوا بالضّرب على رأس القرد الذي أخذ بدورهِ في الصّياح، ولم يتوقّف أحد عن ضرب القرد حتى غابَ عن وَعيه تمامًا، من ثم أقبلَ علينا ذلك النّادل النّذل، ليقومَ بمهمةِ فتح رأس القرد، وتقديم قِطع من مخّه الأحمر الدّافىء على كلّ طبق، وبعد أن انتهى

من مهمّته، انحنى أمامنا وتمنّى لنا وجبة عشاءِ لذيذة، وعلى وجه الحضور ابتسامات دمويّة متلذّذة بما تأكله، وكأن النّادل كان يقوم لتوّه بتحضير شطائر مربى الفراولة.

لم أجرؤ على النّظر لقطعةِ المخ التي وَضعها النّادل في طَبقي، فقد استندتُ بمرفقيّ على الطّاولة، أراقب رأس القرد المتهشّم، وأنا أحجب النّصف الأسفل لوجهي بكفّ يدي، حتى لا تظهر على وجهي مشاعر الصّدمة والغثيان.

وعندما سألني المضيف عن رأيي في مذاق المخ الطّازج، تحجّجت بأنني (نباتي) لا أُفضل اللّحوم في نظامي الغذائي، وصرّح لي أنَّه على علم بأنَّ المصريين أيضًا يستمتعون بتناول المخ، وبقيّة الأعضاء الداخليّة للذّبيحة، وافقته الرأي قائلاً:

“صحيح، إنَّ بعض المصريين يفضّلون تناول المخ، ولكنّهم يقومون بنقعهِ في محلولٍ ملحيّ أولًا قبل سَلقه، ثم يتمّ غَمره في مخفوقِ البيض، من ثمّ تغليفه بالدّقيق المبهر، ليتمّ قليه في الزّيت السّاخن”.

لم أفهم تحديدًا سبب تعبيرات الاندهاش والاستنكار على وجه المضيف؛ بعدما شرحت له طريقة طهي المخ المقليّ.

(مخ القرد الطازج… وجبة الأثرياء في الصّين)

أتذكّر كيف أثارت مقالتي تلك بلبلةً على مواقع التّواصل الاجتماعيّ، حتى أنَّ أشهر البرامج التلفزيونيّة استضافتني، لشرح مراحل تحضير تلك الوجبة الخارجة عن المألوف.

ولم يتوقّف بعدها فضولي اللّحوح، الذي أخذ يدفعني لتجربة أغرب الأطباق حول العالم، فأنا الآن أحدّثكم وأمامي طبقٌ من العناكب المقليّة، والعَجيب في الأمر أنَّها لذيذةٌ للغاية!!

إنجي علوي شلتوت

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com