كمال الإدريسي يلامس الحداثة الزجلية …
وبندير السماء The harp

تعززت الخزانة الوطنية، في الآونة الأخيرة، بإصدار جديد للزجال والمسرحي كمال الإدريسي، عبارة عن ديوان زجلي، وسمه بعنوان مدهش: وبندير السماء عن منشورات: The Harp ومطبعة بلال بفاس.ZINEB L‘iraqui- Association de Zoothérapie-MAROC
خرج الديوان إلى النور، في طبعة أنيقة وجميلة. زين غلافه بلوحة معبرة ورائقة، بريشة الفنان أيوب المودن، الذي أبدع أيضا في رسم اللوحات الداخلية، المصاحبة لكل عنوان، من عناوين الديوان، الذي يبلغ 112 صفحة.
بهذا الديوان الجديد، الذي بين أيدينا، يكون مؤلفه قد لامس، الحداثة الزجلية، إذ الدهشة التي يحدثها عند القارئ، غير نابعة فقط، من غرابة عنوانه، المثبت أعلى الغلاف الأول، بخط نسخ سميك، اختار للمفردة الأولى من العنوان، التي جاءت
” اللون الأحمر، فيما العبارة الثانية، بلغة الضاد ،The Harp“باللغة الإنجليزية ” ،“وبندير السماء“، باللون الأسود وخلفية العنوان ككل اختير لها اللون الأصفر غير الفاتح، وغير الناصع.
إن الغرابة أو الدهشة تخلقها كذلك العناوين الداخلية، الخاصة بكل قصيدة على حدة. ويمكن أن نشير للبعض منها:
عرس الذيبة ( وليس الذيب كما هو شائع ومتداول )
– EN DIRECT – ARDOISE – STOCKAGE.
يتكون الديوان من عشرين قصيدة، موزعة على أربع مجموعات. كل مجموعة تضم خمس نصوص، مستهلة بافتتاحية. وهذه أيضا خاصية، تميز صاحب ” العاشقة خادم“، الذي يقول في استهلال أولى مجموعات الديوان:
باش تطير كحشرة
وتموت كحشرة
يلزمك تكون عاشق للزهر.
أو
شاعر
في كفه نبتة
والكف الأخرى سقوة.
وخاطرك
هشيش كعطر.
في هذه المجموعة الأولى، وعبر نصوصها الخمسة، نلمس حضورا قويا وملفتا، للأسطورة والحكاية الشعبية، في حين تتراءى لنا الذات الشاعرة، في المجموعة الثانية، تترجم شعرا وزجلا، ما يختلج بداخلها، من عشق للجمال الطبيعي، ولجمال ما تخربش يد الرسام والفنان التشكيلي، من لوحات ، يعشقها القلب قبل أن تعشقها العين. في المجموعة الموالية، تستهوي مبدع ” فتيلات الضوء ” الموسيقى، فيبدع قصائد رقيقة وعذبة، تدور في فلكها وتتغنى بها ك: SONATA حزينة التي يقول فيها:
كاسيطة سارطة السينتة
وأغنية عن فقدان الحبيب
وصاك
ومسكة.
إمتى بصبح الحال؟
قال الليل وهو كيتوب من النعاس.
ربما الليل كيخاف من الظلمة
ربما…..
الظلمة في عينين مولات الصاك
دمعة مكحلة
وفي آخر مجموعة من الديوان، تسيطر الثقافة أو الميثولوجيا اليابانية، فيتم إسقاط أبطال أسطوريين وملحميين، على واقعنا الحالي، كما يحضر المونولوج المسرحي أيضا. وتفتتح هذه المجموعة بالمقطع الزجلي التالي:
أنا
روبن هود
بشراع الريح
لابس قبية.
وبشرع الله
كويت بالحناء مسمار الكيف
وبندير السماء”، رغم إبداع قصائده باللهجة العامية، تتخلله مقاطع شعريةThe Harp“
تنتمي لقصيدة النثر. ويحضر فيها بقوة النفس السردي أو القصصي، كما في المقاطع التالية :
الأغنية حركت في نفسها شهية التدخين
والبكاء على فقدان حبيب..
مفترض،
أو عابر في أحلام المساء.
يسأل الأعمى
……………….
تجيبه وعينها تعزف لحنا:
………………..
لكن صوته ضاع في دوي الرعد.
كمال الادريسي ، مبدع متعدد، ينتقل من حقل أدبي لآخر، بسلاسة وأريحية، وثقة في النفس. في تجربته الزجلية لا يشبه إلا نفسه. الأمر ذاته ينطبق على كتاباته المسرحية وكذلك على قصيدة النثر، التي ولج عالمها من أوسع أبوابه. ودشن بصمته فيه، عبر أضمومة ” آخر ما غنى الغمام “: توقيعات لا تشبه المطر. هذا المهووس بالحرف والأدب. الغزير القراءة كما الإبداع. مؤلفه الحالي، هو الثاني عشر، من مجمل إصداراته. وهو السادس في باب الزجل، بعد: ” الزيتونية حب الرمان ” و ” تالفين ” و الهايكو الزجلي ” عيوط هايجة في سكات الليل “، ثم ” الشهبة دياب ” و ” ودعة بنت الخيال “.
كمال الإدريسي، الذي صرخ صرخته الأولى، بتاريخ 18/03/1986 بأحد دروب حي مولاي رشيد بالدار البيضاء، وبه لا يزال يعيش. وبمقاهيه الشعبية، خلال الأوقات الفائضة، عن عمله كأستاذ لمادة اللغة العربية، يجلس ليتأمل، ويسرح بخياله، الأوسع من خيال الأطفال، راميا شباكه، ومنتظرا القبض، ولو على نواة فكرة، ليدونها في الحين والحال، في كناشه، الذي لا يفارقه، ويلازمه كظله، إلى أن يحين وقت نضجها، في الذهن كما في العقل، بل وفي القلب أيضا، ليشرع في ترميمها، وغزلها وحياكتها، ثم ترجمتها عبر نص، ينتمي لهذا الجنس الأدبي أو ذاك، أولهذا اللون الفني، أو ذاك..
