أقصوصة جديدة للكاتبة بلقيس الكبسي
“بصمةُ أصبع مجهولة”

عندما يخفت الضوء وتتسلل العتمة من زوايا الغرفة يرتدي المساء عباءته الداكنة، لحظتها تُضاء ذاكرتي بصورٍ قديمة، وأصواتٍ متلاشية، وتفاصيل لم يعد أحدٌ سواي يتذكرها، في تلك اللحظات يبدأ طيفه في التسلل إلى مخيلتي، يحملني إلى حيث ألم لا يهدأ، وإلى حيث سؤال لا جواب له. كنت أظنه طيفاً من ذكريات الماضي، وجرحاً التئم ببطء، ولم يعد سوى ندبته، لكنه ظلّ كوخز خنجر في خاصرتي، يوجعني كلما حاولت النسيان. كم مرةٍ قلتُ لنفسي: “حين يعود، ستهدأ الزوابع، وستزهر الأيام” ولم أكن أعلم أن عودته، لم تكن سوى موتاً مؤجلاً ينتعل أوجاعي.
استرجعتُ ذاكرتي العتيقة التي تسكنني منذ زمنٍ انقضى، حيث مازلتَ مخبأً في ركنٍ قصيّ منها، تذكرتك وأنت تحمل حقيبتك مولِّيني ظهرك؛ بينما نظراتي الحائرة تودعكَ بوجعٍ وحزن، يا لها قسوتك المستبدة…! لم تمنحني يومها فرصة تقبيلك، لم تمنحني برهة لأودعك، ولم تكلف نفسك عناءَ توديعي. لا أدري ما السبب هل لحظة الوداع كانت عصيبة عليك، أم أن مهمة رحيلكَ برمتها تجاهلت وجودي؟ ولعل جسدي الضئيل لم يكن يشغل حيزاً أمام غاياتك؟ يومها لم أكن أدري أين مقصدُك؟ أخبرتَنا أنك ستهاجر باحثاً عن عمل؛ لتسدَ به رمق فقرنا المدقع، تواريتَ خلف سنواتٍ عديدةً ولم يتغير شيء سوى غيابكَ وحسرتنا.، فقرنا مازال يطحننا…!
صورتك التي غادرتَنا بها ما زالت معلقةً في ذاكرتي، رسمتُها في دفاتري وتفننتُ في تلوينها، تارةً أحفُّها بأشجار وطيور وبيت صغير يفوحُ محبةً ودفئاً، وأخرى أحشرها بين بساتين من زهرٍ وورد، وثالثة ألصقها في كبد السماء سابحةً بين الغيوم، وأخرى أضعها في منتصف الفضاء، بينما القمر على يمينك، والشمس على يسارك، والطيور ترفرفُ متراقصةً من حولك وهي تحفك.
طيلة عشر سنوات رسمتكَ مخيلتي سندباد عصرك وأنت تجتاز الدروبَ والبحار، تسابق البعد الشاسع والفيافي والقفار؛ لتراني، لتضمني إليك وتخبئني في حنانِ صدرك، لحظتها أروي ظمأ شوقي وحنيني بضمك إليّ وتقبيلك، أنت تفخر بي، وأنا أتباهى بكَ على مرأى من أعين الشامتين بي والمتحسرين عليّ.
لستُ وحدي من أحترقُ شوقاً إليك، أمي -أيضاً- أشد مني حسرةً وحرقةً، فالشوق إليكَ يعتصرُ قلبها، وفقدك يلتهمها كسعيرٍ ملتهب. أقرأ تفاصيل وجهها كلما سألتها عنك، فأرى حيرة الانتظارِ الباردة تلفحُ عينيها المتوارية خلف صمتٍ فاجع. من فيض حرقتها ونزيف دمعها على بعدك، تنبلج شفتاها بابتسامةٍ باهتةٍ كأوراقِ خريفٍ؛ لترسمَ عاصفةً من الحزن والاستياء، تعصفُ بقلبها، وتهيج أعاصير حزنها وألمها. ظلت صامتة وهي تُلمع إطار صورتك المعلقة على حائطٍ يشكو الحنين، كنت أظنه حنيناً إليك، لكنه كان يخبئ سرك خلفه!
أمي أيضا أخفت سرك في قلبها، وظلت صامتة صابرة بينما تصيبها الأفواه التي تسألها عن مصيرك بالضيقِ والضجرِ، فتقف أمامها حائرةً عاجزةً لا تدري بما تجيب! تنضوي إلى جدارٍ عتيق، تلصقُ عينيها على صورتكَ المعلقة على جدارِ الانتظار، تارةً تنعتكَ بصقرها الجارح، وأخرى بحمامتها الوديعة. ألصقُ نظراتي بصورتك، وأهيمُ بك في فضائي، ترسمك مخيلتي نسراً باسطاَ ذراعيه، فأسرع نحو النافذة راكضاً بجنونٍ، أرتطمُ بما يصادفني أو أتعثر بما يعيق حركتي، ثم أنهضُ مسرعاً، أطلُ منها عَلِّي أراك، وعندما لا أجدك محلقاً في سمائي؛ تتسكع الحسرةُ مشدوهةً في مقلتي، فأواسي نفسي بابتسامةٍ جليديةٍ شقّتْ شفتّي، يخطها الاستياء على ملامحي، ناظراً إلى الأفقِ البعيدِ الذي تواريت خلفه.
تماوجت الأفكارُ في رأسي، فغرقت في بحرٍ مالحٍ من الشتات، بعثرتني الإشعاعات، ومزقتنيّ الأكاذيب؛ وبعيداً عنها، انسكبَ الصمتُ في أذني، تكسرَت نبضاتي بصبرٍ مريب، بينما اتشحَ محيطي بالوجع، عندها سقطَ قلبي بين ضلوعي، وسألت نفسي باستياءٍ مقيت: متى سأنعتقُ من ألم حيرتي؟ نحتني الجحود حدَّ التماهي، وأوشك حقل ألغام أن ينفجرَ في صدري؛ أي مواساةٍ الآن لم تعد صالحة للاستعمال؛ فؤادي المقفر يئن مفجوعاً، وفراقك أجَّج نيران غضبي وغيضي وكراهيتي، لقد دهستْ أقدامُ المآسي الضاربة جسورَ جروحي بلا رحمة.
كانت الريحُ تعوي خارج النافذة كأنها تنعى راحلاً لن يعود. وقفتُ أمام المرآة المشققة، أحاول عبثاً أن أمسح سنوات الانتظار عن وجهي. عشر سنوات وأنا أحلم بلحظة أن أراكَ تعبرُ ذلك الباب، فاتحاً ذراعيك كما كنت تفعل حينما كنت تلهو مع طفولتي. لكن الغبارَ كلما تراكم على صورتكَ يهمس لي: حذار من تمني عودته. لكنك لم تعد بعد. ولم أعد أدري كم هي المرات التي اختليت فيها بنفسي لأنزف قهري دموعاً حارقةً وبصمت؛ حتى لا تنعتني النظرات بما يجرح كبريائي فيك، وثقتك بي. انتظرتُ قبلتك الموقوتة وعودتكَ بريبة، بشكٍ وتوجس، من أي شيء، ومن كلِّ شيء! واستعديتُ لأي دهشة قد تصيبني يوم عودتك.
في ذلك المساء الذي بلغت فيه العشرين عاماً، بينما كنتُ أقلبُ أوراقاً قديمةً في درج مكتبتي، سمعتُ طرقاتٍ ثقيلةً على الجدار من الجهة المقابلة، كان الصوتُ أشبه بصوت يقرعُ جدار حظي العاثر صوت يردد على مسامعي: ترقب لما يحدث، قد حانت نهاية الانتظار؟
سقطت الصورة فانكسر إطارها وعلى مقربة منه سقط مفتاح قديم، اقتربت نحو هذا السقوط الذي دوى ضجيجه في قلبي، أخذت المفتاح بيدٍين مرتجفتين وقلب كعهن منفوش في عاصفة هوجاء، اقتربتُ من الجدار فإذا بمخبأ يتوارى خلفه صندوق صغير، وذلك المفتاح لم يكن سوى له، وضعت المفتاح في قفل الصندوق فانفتح، لا شيء يذكر ظرفٌ أسود، كأنه قطعةٌ من ليل كئيب، بداخله صورةٌ ممزقةٌ قيل إنها لكَ، لكنها لم تكن صورتك التي أعرف. لست أنت، هذا الوجه مشوه ببشاعة، تحول إلى كائنٍ غريب ينظر إليّ بعينين زائغتين.
سقطتْ من داخل الظرف صفحة جريدةٍ قديمة، تاريخها يعود إلى اليوم الذي غبتَ فيه. عنوان كتب بالبنط العريض كان صفعة على خدي: “انفجارٌ هزُّ السوق المركزي جثثٌ مشوهة، دمارٌ في كل مكان، واسمكَ مُدرج بين القتلى. وفي الزاوية السفلى، ختمٌ أحمر – على صورة قيل أنها لك- يصرخ كفزع قلبي مؤكداً: ” هذا هو المشتبه به”.
بطاقة شخصية تخصك هي أيضا سقطت فاقدة الوعي، افقدتني صوابي، ارتطمَ قلبي بصدري كطائرٍ بللته عاصفة ماطرة. كل هذه السنوات وأنا أنتظرُ شبحاً؟ كل هذه الرسومات التي ملأتْ دفاتري، كل هذه الأمنيات التي علقتها على النجوم كانت مجرد أكذوبةٍ؟
ركضتُ نحو غرفة أمي، فتحتُ البابَ بعنف. كانت جالسةً في ضوء باهت، تحمل صورةً قديمةً لكَ بين يديها المرتعشتين. صرختُ بألم وغضب: لماذا لم تخبريني؟ أنت لم تخبريني أبداً بأنه لن يعود، صرختُ بصوتٍ لم يكن صوتي. رفعتْ عينيها إليّ، دمعتها الوحيدة تسيلُ كاعترافٍ أخير:
“لم أستطع… كنتُ أخشى عليك، أخاف أن يتصدع قلبك كما انشطرت روحي”.
صمتتْ قليلاً نظرت إليَ بعينين صارمتين ثم استطردت بنبرة يقين قائلة: “لم يكن هو، أنا على يقين ليس هو، لم يكن هو الجاني، كان مجرد ضحية، تهمة الصقوها به ليتنصلوا من عجزهم في معرفة الجاني الحقيقي، هو على قيد الحياة وسيعود يوما ما، أنا على ثقة بأنه سيعود…”
خرجتُ غاضباً ساخطاً مهرولاً إلى الشارع كنائم .. تائهاً يتخبط في كابوس مرعب، المطرُ يغسلُ وجوه المارة، لكنه لم يستطع أن يغسلَ الغضب الذي يحتل صدري. عند الزاوية، لاحظتُ رجلاً يرتدي معطفاً أسود يقفُ في الظل. عندما التقت أعيننا، رأيتُ عينيكَ تنظران إليّ من تحت قبعة تحاول بها أن تخفي نصف وجهك!
مررت بجواري كطيف، كأنك لم تكن وكأنني لم أشعر بمرورك لكنك كنت يقينا، قبل أن أصرخ بعلو دهشتي لأناديك، اختفيت في الظلام كشبحٍ، تلاشيتَ في غمضة عين، لم تكن رعباً، لكن الأكثر رعباً كانت الورقةَ الصغيرةَ التي وجدتها في جيبي عندما عدتُ إلى المنزل: مكتوب عليها ” لم أكن أنا الجاني… كنتُ ضحية بصمة أصبع مجهولة لا تصدر الأحكام قبل أن تكتشف الحقيقة”.
- (لندن اونتاريو)/ كندا
