كأس الغائب


أقصوصة:
لم يكن الصبح قد بزغ بعد، لكن المدينة كانت مستيقظة، تتنفس العيد في كل زاوية. الشرفات متدثرة بثياب البهجة، رائحة الخبز الساخن تتسلل من النوافذ، والمآذن تصدح بتكبيرات تنساب كخيوط ضوء بين الأرواح.
في قلب هذا الامتلاء، جلست وحدها أمام الطاولة المستديرة، يحيط بها صمت يشبه الامتلاء، أو امتلاء يشبه الصمت. أمامها إبريق نحاسي ينفث بخار النعناع، وست كؤوس من الشاي تحتضنها صينية فضية، تحفها نقوش حُفرت بأنامل من عرفوا أسرار الضوء والظل. كانت خمس كؤوس منها مألوفة، أما السادسة، فقد وضعتها الجدة ذات يوم، وهي تردد بحكمة غامضة:
“ستة كؤوس، حتى لا يختل الميزان، حتى لا يبقى المكان ناقصًا ولو غاب أصحابه.”
لطالما كانت هذه الطاولة ميدانًا للحوار، حيث تصافحت الفلسفة مع التصوف، والتقى “دوستويفسكي” بـ”لاوتسي”، وراقصت موسيقى “باخ” المدائح النبوية. هنا دافعت عن الوجودية، وهناك سمعت الجدة تقول: “إگرزّان يّحسّن أزوند ن تّجّار” (الندوب تزيد الخشب جمالًا).
كانت الجدة تعرف، دون أن تقرأ، ما عجز “نيتشه” عن فهمه. كانت تؤمن أن الألم ليس عبثًا، بل نحتٌ للحياة على وجه الروح.
لكن هذا الصباح، كان مختلفًا.
احتست رشفة من الشاي، فتذوقت شحوبًا لم تعهده. كأن النعناع فقد روحه، كأن العيد ذاته أضاع ملامحه في غياب من كانوا هنا ذات زمن.
مدت يدها إلى كعك “كعب الغزال”، فانداحت في ذاكرتها صورة الجدة وهي تجدّل العجين كحكاية لا تنتهي، تحشوه باللوز وبأسرار لا تُفصح عنها. كانت هناك ضحكة الأم التي تتسع كسماء، ودراهم العيد المخبأة تحت الوسائد، وحكايات عن “أورياج”، ذاك المارد البحري الذي لا يظهر إلا لمن اختارهم القدر.
تذكرت حين قالت لها الجدة ذات مساء: “إش نِّغ كا يّش إغارزّر؟” (أتعلمين لماذا يختبئ القمر خلف السحب؟) ثم أجابت دون انتظار ردّها: “لأنه لو أشرق دائمًا، لفقد الناس لذة انتظاره.”
وربما، فكرت في نفسها، كان الغياب بهذا المعنى ضرورة.
نظرت إلى الكأس السادسة، إلى الفراغ الذي يملؤه حضور غير مرئي، وسألها صوتها الداخلي:
– لمن هذه الكأس؟
رفعت عينيها إليها وتأملت فراغها الممتلئ بكل شيء، ثم همست كما كانت تهمس دائمًا: – للغائب… للذي لم يعد، لكنه لم يرحل تمامًا.
ورفعت الكأس، ورشفت منها، لتجد الطعم هذه المرة… كاملًا.