اليوم العالمي للشعر

الشعر جسر للتواصل بين مختلف الثقافات 2/1
ذ. المختار عنقا الإدريسي
استهلال مدخلي:
في البدء أجدني ملزما بطرح السؤال التالي: ماذا يصادف يوم 21 مارس من كل عام ؟ وهو اليوم الثامن الثمانون من السنة البسيطة، أو اليوم الواحد والثمانون من السنة الكبيسة، ولا يبقى بعده إلا 285 يوما لإنهاء السنة وللإجابة على ذاك السؤال ، نقول أنه يصادف:
* عيد الأم : الذي يحتفل به في العديد من الدول العربية لتكريم الأمهات وتقدير دورهن في المجتمع .
* الإعتدال الربيعي : وهو بداية الربيع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية ، حيث يتساوى طول الليل والنهار
* اليوم العالمي لمتلازمة داون : وهي مناسبة تهدف إلى زيادة الوعي حول هذه المتلازمة وتعزيز حقوق الأشخاص المصابين بها .
* عيد النوروز : وهو رأس السنة الفارسية والكرامة، وهو إحتفال تقليدي ببداية فصل الربيع في العديد من الدول، مثل إيران وأفغنستان وأذربيجان ، وبعض المناطق من العراق وتركيا وكردستان، وأجواء من اسيا والبلقان .
* اليوم العالمي للشجرة : الذي أعلنت عنه الجمعية العامة في 2021 ، واعتبرته يوما دوليا للغابات ، لاذكاء الوعي بأهمية بذل المزيد من الجهود للمحافظة على جميع أنواع الغابات .
* اليوم العالمي للشعر : وتحتفل به منظمة اليونسكو ، لتعزيز التنوع اللغوي والتعبير الثقافي من خلال الشعر .
أولا : الشعر كمرآة للهوية الإنسانية
محاولة في التعريف : عادة مايعرف على أنه الكلام الموزون المقفى، الدال على معنى. وهو شكل من أشكال الأدب الفني، وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون : [ هو كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن، متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة ، وتسمى كل قطعة من هذه القطع عندهم بيتا ، ويسمى الحرف الأخير الذي تتفق فيه رويّا وقافية ، ويسعى جعله الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة ، وينفرد كل بيت فيه بافادته في تراكيبه ، حتى كأنه كلام وحده مستقل عما قبله وما بعده ] .
وعليه يبقى الشعر من بين أقدم أشكال التعبير الفني، وأحد مظاهر الهوية اللغوية والثقافية، وهما مايعتبران أغنى ما تمتلكه الإنسانية من وسائل لنقل المعرفة وحفظها وتوثيق التاريخ، والتعبير عن الأحاسيس العميقة والقيم المتقاسمة بين كل الشعوب.
ومن هنا تتبادر الى أذهاننا – كذلك – العديد من الأسئلة، نجملها في القول ب :
ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الشعر اليوم ؟ وهل لازال قادرا على التأثير في الوعي الجمعي، ونحن نعيش في ظل العديد من التحولات التكنولوجية والاجتماعية الراهنة ؟
الشعر واللغة : الشعر ليس مجرد مجموعة من الكلمات المرتبة وفق إيقاع معين، بل هو تجسيد للهوية الثقافية. إذ تحمل الأوزان والقوانين والمجازات اللغوية خصوصية كل مجتمع، وتعكس رؤيته للعالم في المجتمعات الشفهية، وهو -أيضا – وسيلة لنقل الحِكم والموروثات الثقافية، ومازال حتى اليوم يمثل الذاكرة الجماعية للأمم .
الشعر والتجربة الإنسانية : الشعر هو فن ذاتي، لكنه في نفس الوقت يمتلك طابعا كونيا، حيث تتقاطع التجارب الفردية مع التجربة الإنسانية الأوسع ، بدءا من معلقات العرب إلى رباعيات الخيام، ومن سونيتات شكسبير إلى قصائد نيرودا، حيث نجد أن الإنسان يستخدم الشعر دائما كأداة للتعبير عن الحب، الحزن، الثورة ، الأمل…
ثانيا : الشعر في ظل التغيرات المعاصرة
تأثير التكنولوجيا على الشعر : مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت طرق تلقي الشعر ونشره، وظهر مايسمى ب ( الشعر الرقمي )، حيث أصبحت المنصات الرقمية، بمثابة مساحة جديدة للشعراء لنشر أعمالهم وللتفاعل المباشر مع الجمهور. وهو مايدفعنا للتساؤل – مع الكثير من المهتمين – عن الى أي حد أثر أو سيؤثر ذلك على جودة الشعر وعمقه؟ وهل سيصبح الشعر عبارة عن قصائد مُمَكننة، تلمع وتبرق وتبهر وتذهل، وهل بإمكان مايسمى ب ” الذكاء الاصطناعي” عبر برمجيات حاسوبية أن يسفر عن قصائد شعرية تقوم مقام ماأنتجه الإحساس والموهبة البشرية عبر التاريخ. ومع كل ذلك لا يمكن لنا إلا أن نقول بأن الشعر إبداع، والإبداع خروج عن النسق، وهو بعيد كل البعد عن الانتاجات المُمَكنة أو الآلية، وسيبقى الشعر دوما حرا طريقا بعيدا عن كل تصنيع الي منفصل عن الواقع.
الشعر والتعددية الثقافية : ونحن على بوابة اليوم العالمي للشعر، نقول بأنه يدعو إلى الإحتفاء بالتعدد اللغوي، إذ تسعى اليونسكو إلى تعزيز اللغات المهددة بالاندثار عبرالشعر. فالقصيدة اليوم ليست فقط مِلكا للغات العالمية الكبرى بل أصبحت نافذة للغات الأقل انتشارا ، كي تعبر عن نفسها وتضمن استمراريتها .
ثالثا : الآفاق المستقبلية للشعر
دور الشعر في بناء الحوار بين الثقافات : يبقى الشعر جسرا للتواصل بين مختلف الثقافات، ويتجاوز كل الحواجز اللغوية منها والسياسية ليخلق الفضاءات المشتركة في زمن هيمنة فيه الأزمات العالمية، مثل الحروب والتغيرات المناخية والتحديات الاقتصادية، فيكون الشعر بمثابة الصوت الإنساني الموحد، الداعي إلى نشر قيم التسامح والسلام.
الحاجة إلى الشعر تربويا وتعليما : يشكل الشعر أداة فعالة في تنمية العديد من المهارات والقدرات والمعارف التي يدعو لها الفعل التربوي التعليمي التعلمي، فهو يساعد على تعزيز التنمية اللغوية وتوسيع قاموسها لدى المتعلمين، ويحفظ الإبداع وينمي التفكير النقدي ويوسع دائرة الوعي الثقافي والتاريخي ويسهم في تنمية القيم الإنسانية التي تقوم على التضحية ، العدالة ، التفاؤل …. وفي المجمل فهو عنصر أساس في منظومة العملية التربوية
رابعا : اليوم العالمي للشعر
عن أصل فكرة الإحتفال : يذهب الكثير من الباحثين إلى القول بأن فكرة اليوم العالمي للشعر ، فلسطينية الأصل ومغربية المتابعة، حيث انعقد مهرجان ربيع الثقافة الفلسطينية لمدة أسبوعين في فرنسا (1997) ، بمشاركة ثلاثة شعراء فلسطينيين عالميين هم ” فدوى طوقان – محمود درويش – عز الدين المعاصرة ” وقد وجهوا نداءً إلى المدير العام لليونسكو فيديريكو مايور ، بعنوان ” الشعر روح الإنسانية – الشعر جسد العالم ” طالبوا فيه بضرورة تسمية يوم عالمي خاص بالشعر . وهناك من يرى بأن فكرة هذا الاحتفال تعود الى النداء التاريخي الذي دعا من خلاله الدكتور الشاعر المغربي ” أحمد الطريبق” ، إلى الإحتفال كل سنة باليوم العالمي للشعر حتى يصير عرس اللغات المجسد في أسفار الحضارات والمدنيات، وقد حدث ذلك سنة 1996، وقد أصدرت العديد من الصحف ذلك النداء ، ومنها ” جريدة القدس العربي ، جريدة الشرق الأوسط، أخبار الآداب المصرية ، الملحق الثقافي لجريدة العلم ” – حسب ما تم نشره بجريدة الاخبار بتاريخ 31 مارس 2016 – . وفي 29 يونيو 1998 وجه ” بيت الشعر المغربي ” – وهو مؤسسة ثقافية مغربية ، تدافع عن الشعر عامة كفعل وكرامة – ، نداءً إلى اليونسكو لإعلان اليوم العالمي للشعر، وقد استجابة اليونسكو لهذا النداء وأعلنت في 15نوفمبر 1999 ، عن اعتبار 21 مارس يوما عالميا للشعر .
اليونسكو واليوم العالمي للشعر :
عادة ماتحتفل اليونسكو في 21 مارس من كل عام باليوم العالمي للشعر، بعد أن تم اقراره في 1999 بهدف تعزيز القراءة والكتابة والنشر والتدريس الشعري في العالم، وتعد هذه المناسبة وسيلة أساسية للتعبير عن الهوية الثقافية الإنسانية. كما تعمل منظمة اليونسكو على دعم الشعراء والمبادرات الثقافية التي تحافظ على الشعر بوصفه تراثا شفيها مهما، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على التقاليد الشفهية في نقل ثقافتها. وتسعى كذلك إلى حماية التراث الشعري غير المادي ، ومما تم تسجيله ضمن هذه القائمة [ فن المديح عند الطوارق – المحاورات الشعرية في اليمن ] للحماية من الاندثار، كما تدعم اليونسكو الترجمة والنشر الشعري باللغات المحلية للحفاظ على التنوع اللغوي وتعزيز التبادل الثقافي .
الأهمية التي يكتسيها الشعر: الشعر وسيلة فريدة للتعبير عن المشاعر والأفكار بطريقة مكثفة وجمالية، تعكس تجارب الحياة والحب والفقدان والأمل. ويمثل الشعراء جزءا أساسيا من التراث الثقافي لكل أمة، ويساهم في نقل مختلف القيم والتقاليد والأخبار من جيل إلى جيل كما يعزز الحوار بين مختلف الثقافات، ويجمع الشعراء حول موضوعات مشتركة، الأمر الذي يسهم في بناء ومد جسور التواصل، وفيمايلي ماقاله بعض الشعراء في أهميته :
[ * بابلونيرودا: إذا لم يكن الحب هو الذي يكتب الشعر ، فأن لا أعرف ماهو .
* جبران خليل جبران: الشعر هو لغة الالهة ، هو صوت السماء ، هو همس الملائكة. الشعر هو نبص القلب، صدى الروح، أنين الوجدان. الشعر هو حياة، هو حب، هو كل ماهو جميل في الوجدان.
* محمود درويش : الشعر هو الكلمة التي تخرج من القلب لتصنع عالما جديدا. وهو لغة أخرى، تتجاوز الكلمات، هو لغة الروح، هو حلم، هو أمل، هو إيمان بأن الغد سيكون أجمل.
* أدونيس : الشعر هو لغة الكون، يعبر عن الروح الإنسانية في أسمى تجلياتها. وهو ذاكرة اللغة وصوت الروح الذي يتردد عبر الزمن. والشعر هو مقاومة، هو رفض للظلم والقهر، هو صوت الحق والعدالة، هو وطن متنقل يحمل في طياته أحلامنا وامالنا.
* نزار قباني: الشعر هو إمرأة، هو حب، هو جنون، هو كل ماهو جميل في الحياة.
الشعر هو ثورة على الواقع، تمرد على القواعد والتقاليد. هو مرآة تعكس أحلامنا والامنا، هو صوتنا الذي نصرخ به في وجه العالم .
* اليا ابوماضي : الشعر هو مرآة الروح، يعكس الامنا وأفراحنا ومخاوفنا.
* أحمد المجاطي: الشعرهوصوت ينسج الأحلام من خيوط الواقع .
* عبد الرفيع الجوهري: في كل قصيدة هناك ثورة، هناك حرية، هناك صدى لنبض الحياة.
* محمد بنيس : الشعر هو القدرة على استنطاق الصمت واستخراج المعاني من أعماق الذات. ]
خامسا : جائزة الاركَانة العالمية للشعر
عن الجائزة : هي جائزة أدبية سنوية تأسست عام 2002 من طرف” بيت الشعر”، بالتعاون مع مؤسسة الرعاية لصندوق الإبداع والتعبير ووزارة الثقافة المغربية ، وسميت بذاك الإسم نسبة لشجرة الاركَان ، الشجرة التي تنمو في المغرب وتعتبر رمزا للصمود والتجذر في الأعراف المغربية . وتهدف إلى تكريم الشعراء العرب والدوليين الذين أَثْرَو الساحة المغربية بابداعاتهم ، وساهموا في تعزيز قيم الحرية والاختلاف والسلام ، وتتضمن شهادة تقديرية ودرعا نحاسيا يمثل شجرة الأركان ومبلغا ماليا قدره 12 ألف دولار أمريكي – حسب ماجاء عند بعض الجهات المهتمة بالموضوع – .
وفي اطار التشجيع ، أعلنت وزارة الشباب والثقافة والتواصل ، بالمغرب عن تنظيم “جائزة الشعر للشباب ” لفائدة المبدعين من الجنسين ، المتراوحة أعمارهم مابين 18 و 30 سنة ، وذلك ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته الثلاثي وتروم هذه المبادرة اكتشاف أصوات شعرية جديدة وتشجيع المواهب الشابة في مجال الكتابة الشعرية وتثمين موهبتها وتحفيزها على الكتابة والابداع .
لائحة المكرمين بهذه الجائزة :
لقد الت هذه الجائزة إلى العديد من الشعراء المنتمين إلى مناطق متعدد من العالم ، نتعرف عليهم فيما يلي :
[ 2002 بي داو – الصين .
2004 محمد السرغيني – المغرب .
2008 محمود درويش – فلسطين .
2009 سعدي يوسف – العراق .
2010 الطاهر بن جلون – المغرب .
2011 جوزيبي كونتي – إيطاليا .
2012 انطونيو غامونيدا – اسبانيا .
2013 إيقاع بونغوا – فرنسا .
2014 نونو جوديس – البرتغال .
2015 فولكر براون – ألمانيا .
2016 محمد بن طلحة – المغرب .
2017 محمد بن خواد – النيجر .
2018 وديع سعادة – لبنان .
2019 تشارلز سيميك – الولايات
المتحدة الامريكية .
2020 محمد الأشعري- المغرب
2023 جوسيبي كونتي – ايطاليا .
2024 قاسم حداد – البحرين . ]